من الليمون والتفاح إلى البارود والقنابل

من الليمون والتفاح إلى البارود والقنابل

بيرس مع أبو مازن والبابا في الفاتيكان (Getty)

قبل أسبوعين ولعدة أيام كان الفنان الشعبي الفلسطيني الشاب حافظ موسى، صاحب الحظ الأسوأ في فلسطين. بين عشية وضحاها صار المغني الشعبي، المعروف في أوساط ضيقة من محبي أغاني الأعراس والزجل، على كل لسان، موضوعا للتهكم والسخرية والنكات. دائرة الضوء المزعجة التي وجد موسى نفسه في قلبها، جاءت بعد بث تلفزيون فلسطين، الفضائية الرسمية التابعة للسلطة الفلسطينية، فيديو كليب لأغنية كتبها وغنّاها حافظ موسى، موضوعها المقاومة السلمية، مشروع السلطة الوحيد والغائم للتعامل مع جنود الاحتلال والمستوطنين في الضفة الغربية.

 لا يتهاون الفلسطينيون مع التلاعب برموزهم، وعلى رأسها البندقية

كلمات الأغنية وأداء موسى الاستجدائي فيها، ظلت مدار حديث شعبي لا ينتهي، وظل على الأغلب يراقب الهجوم العنيف والواسع عليه، عبر فيديوهات ساخرة ونكات تتوالد بشكل يبدو أنه بلا نهاية. وأسوأ ما في الأمر بالنسبة لـ"فنان" هو تلك المقارنات الطويلة التي وضعت أغنيته المسالمة الباردة، قبالة أغنيات الثورة الفلسطينية، بكل ما فيها من زخم وطاقة ورصيد نوستالجي لدى الجمهور. يكفي اسم الأغنية ليكون شتيمة في العرف الفلسطيني، أغنية "من دون سلاح".


"ازرع زيتون ارزع ليمون ازرع تفاح .. لا تخلي الظالم في بلادي يهدا ويرتاح

 احنا ثورتنا سلميّة سمونا إرهابية … مقاومتنا الشرعية من دون سلاح"

ما كان للرجل مهما بلغ من تجويد وإتقان، وبذل من جهد في أي من أغانيه أن يحقق الشهرة الكاسحة التي وفرتها له هذه الأغنية، شهرة من نوع خاص، تحتاج لكثير من الاعتذارات والتراجعات للتخلص منها. هذا ما فعله حافظ موسى مباشرة بعد اكتشافه ربما لحجم الصخب الذي أثارته أغنيته، وتحميله كل وزر نهج السلطة السياسي ورؤيته تعبيرا كاريكاتوريا صادقا عن السلطة وإعلامها ورؤيتها.

اكتشف موسى بحكم خبرته الغنائية أن اعتذاراته الصحفية لا تكفي، ولا بد من معالجة الموقف بطريقته التي يتقنها مستندا إلى إرث عائلته الطويل في الزجل والغناء الشعبي بعد طلب مساعدتهم أو انتفاضهم لنجدته، فأعلن أنه بصدد أغنية جديدة تليق بمقاومة الشعب الفلسطيني، ولم يتأخر موسى، وطرح أغنيته الجديدة بكلمات والده الزجال الشهير شعبيا موسى الحافظ، وكله أمل أن يتصالح ولو قليلا مع الرأي العام الفلسطيني اللئيم في ما يتعلق بقناعاته الراسخة.

اختار المغني مخيم جنين مكانا لتصوير الفيديو كليب، وحرص على إبراز هذا الموقع من الثانية الأولى من الفيديو، يريد أن يقول لمشاهديه أنه ينتمي إلى تلك البيئة، آخر قلاع المقاومة في الضفة الغربية. بداية متوقعة، والمتوقع أكثر هو ما تزدحم به مشاهد الفيديو كليب من عناصر ورموز كلها تحيل إلى المقاومة المسلحة بل أشرس أنواعها، حتى مقهى الإنترنت اسمه "انترنت المقاومة".

فيديو كليب بإمكانيات أفضل بكثير من الأول سبب الشهرة، وبإخراج "بشار النجار" وبطاقم ممثلين متنوع وجهد واضح وغريب على مغن شعبي كحافظ، ولكنها الورطة الكبيرة تحتاج لحلول مبتكرة.


"حنا النشامى يا وطنا حنا … سكت الكلام والبارود غنى

احنا حلفنا في وطنا ما نركع .. ما نهاب الموت والقنابل والمدفع

حنا النشامى وتراب الوطن غالي .. خذ منا الدم تيظل جبينك عالي

يا محلا الموت فوق سهولك وجبال .. شعب الأحرار ولغير الله ما حنى"

تسلسل أحداث الفيديو كليب يبدو لافتا، فأهل المخيم الآمنين يفاجأون باقتحام المخيم من جيش الاحتلال، فينطلق الأطفال والفتية لرشق الحجارة على دورية الاحتلال، وتتطور المواجهات ويعتقل من يعتقل ويسقط شهيد، ويظهر الأهالي كظهير للشبان ومدافعين عنهم، وصولا إلى مشهد "المطلوبين" لقوات الاحتلال الذين يتعاهدون على الثأر لدماء صديقهم الشهيد، فتظهر البنادق المتوعدة في الأحراش.

قد لا يحتمل الأمر كثيرا من التحليل إلا أن التبرؤ من الأغنية السليمة واضح بشكل مفرط، على مستوى الكلمات والمشاهد وغيرها، فالمزارعون الوادعون يقابلهم المقاتلون في الأحراش والبريّة، ويبدو جليّا أن موسى يعرف جيدا أين أخطأ، ويعرف الصواب.

الملاحظة الأهم، أن حافظ موسى يبدو كأنه غيره في هذا الفيديو، للأمانة فالقياس على فيديو الزراعة غير منصف فنحن لا نعرف غيره، وربما يكون الفنان الشاب في أغنية "حنا النشامى" يشبه صوته وصورته أكثر. وإن لم يكن كذلك، فيمكن القول لموسى بسهولة إنه أفضل بكثير كمغن وككاتب كلمات، حين يغني للمقاومة المسلحة.

كان واضحا في أزمة موسى إلى أي حد لا يتهاون الفلسطينيون مع التلاعب برموزهم، وعلى رأسها البندقية، فيكاد يستحيل الآن العثور على أغنية "من دون سلاح" على يوتيوب من بين المقاطع الساخرة المركبة عليها. واتضح أيضا بعد الأغنية كمية السخرية التي يمكن أن يتحلى بها الفلسطينيون، تحديدا حين يقترح عليهم مغن أن يزرعوا أرضهم بدل إروائها بالدم، فهم يفعلون الثانية حتى يتمكنوا من فعل الأولى، دون هجوم المستوطنين عليهم ومصادرة أراضيهم.

ربما تجد الأغنية الجديدة طريقها لقلوب الفلسطينيين وتمسح "عار" الأغنية السابقة ويتخلص موسى من كوابيس أيامه الماضية، إلا أنها بالتأكيد لن تجد الطريق إلى شاشة تلفزيون فلسطين.