من الليطاني إلى جبل الشيخ: كيف تفكر إسرائيل بمسرح عمليات واحد في لبنان وسوريا؟
6 مارس 2026
لا تبدو الجغرافية السورية بعيدة عن مسار الحرب الدائرة في المنطقة، ولا سيما المواجهة المتصاعدة بين حزب الله وإسرائيل، إذ تتقاطع التطورات العسكرية على الجبهتين اللبنانية والسورية ضمن فضاء جغرافي واحد تتداخل فيه الحدود وخطوط الاشتباك. فالتصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان، وما رافقه من أوامر بإخلاء مناطق واسعة جنوب نهر الليطاني، ينعكس مباشرة على الساحة السورية القريبة، خصوصًا في المناطق المحاذية للجولان السوري المحتل وجبل الشيخ ومحافظة القنيطرة وريف دمشق. وهي مناطق تشهد بدورها توغلات إسرائيلية متكررة وتحركات عسكرية مستمرة، فيما تشير التقديرات إلى أن إسرائيل سيطرت على ما يقارب 600 كلم مربع من الأراضي السورية منذ سقوط نظام الأسد.
هذا التشابك في الجغرافيا يجعل من سوريا محط أنظار فيما يتعلق بمنطقة جنوب الليطاني وامتدادها على الساحة السورية، خصوصًا في ظل ما يُنظر إليه بوصفه أطماعًا إسرائيلية توسعية، وما يروّج له رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول فكرة "إسرائيل الكبرى"، إلى جانب تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي الذي قال إن "الأمر سيكون مقبولًا لو أنهم أخذوها كلها"، في إشارة إلى سيطرة إسرائيل "من البحر إلى النهر".
الجغرافيا المترابطة بين جنوب لبنان والجنوب السوري
في هذا السياق، قال الخبير في الشؤون العسكرية، العقيد مصطفى فرحات لموقع "الترا صوت" إن أوامر الإخلاء التي أصدرها الجيش الإسرائيلي لكامل مناطق جنوب لبنان، ولا سيما الواقعة جنوب نهر الليطاني، لا يمكن قراءتها باعتبارها خطوة عسكرية تكتيكية معزولة عن السياق الجغرافي الأوسع في المنطقة. وأوضح أن التخوفات من هذه الإجراءات باتت حاضرة في الساحتين اللبنانية والسورية معًا، مشيرًا إلى أن الجغرافيا في هذه المنطقة لا تقوم على حدود منفصلة أو خطوط جامدة على الخريطة، بل على منظومة مترابطة تمتد من جنوب لبنان مرورًا بجبل الشيخ وصولًا إلى الجنوب السوري.
وأضاف فرحات أن أي تحرك عسكري واسع في هذا الشريط الحدودي يحمل بطبيعته أبعادًا تتجاوز الساحة اللبنانية، لافتًا إلى أن إسرائيل تدرك أن نهر الليطاني لا يشكّل مجرد حد فاصل، بل يمثل نقطة اتصال بين عدة مسارح عمليات.
خَلُص فرحات إلى أن الترابط الجغرافي بين جنوب لبنان والجنوب السوري قائم بحكم الطبيعة والتضاريس، وأن إسرائيل تفكر دائمًا بمنطق المسرح العملياتي الواحد الممتد عبر الحدود
وتحدث فرحات عن البعد الاستراتيجي المرتبط بالمرتفعات الجغرافية، وفي مقدمتها جبل الشيخ، موضحًا أن هذه المنطقة تمثل نقطة إشراف وسيطرة نارية واستخباراتية على مساحات واسعة من جنوب سوريا والبقاع اللبناني وشمال فلسطين المحتلة. واعتبر أن أي تصور لربط المجال العملياتي جنوب الليطاني بجبل الشيخ يعني عمليًا توحيد مسرح عمليات يمتد عبر الحدود اللبنانية – السورية، بحيث يصبح المجال الحيوي في هذه المنطقة واحدًا من منظور عسكري إسرائيلي.
من جهته قال الباحث في الشأن الإسرائيلي جعفر خضور لموقع "الترا صوت" إن ما يجري اليوم في جنوب لبنان لا يمكن فصله عمّا يحدث في جنوب سوريا، موضحًا أن إسرائيل، منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، انتقلت في فهمها للواقع الأمني إلى عقيدة جديدة تقوم على استبدال ما يُعرف بـ"حلقة النار" بحلقة من المناطق العازلة. وأوضح أن هذه العقيدة تهدف، إلى جانب تحقيق أفضلية تكتيكية ميدانية، إلى تمهيد الأرض للسيطرة على الموارد الحيوية، ولا سيما المياه ومصادر الطاقة.
وأشار خضور إلى أن الإنذارات التي صدرت اليوم تختلف عن تلك التي شهدتها جولات الحروب السابقة بعد عام 2000، إذ جاءت هذه المرة أكثر تنوعًا واتساعًا، وهو ما قد يشير إلى احتمال تنفيذ عملية عسكرية شاملة أو إلى تصعيد ميداني كبير. وأضاف أن مثل هذا السيناريو قد يصطدم بعوامل ميدانية معقدة، إلا أن إسرائيل تركز في استراتيجيتها الحالية على عاملين أساسيين: تحقيق أفضلية تكتيكية في منطقة جنوب الليطاني من جهة، والسعي إلى احتلال مساحة واسعة من الأراضي اللبنانية والسيطرة على الموارد المائية من جهة أخرى.
خطاب "حماية الدروز" في حسابات الجغرافية
لطالما تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومسؤولون إسرائيليون عن "حماية الدروز"، إذ شهدت أحداث تموز/يوليو الماضية هجومًا إسرائيليًا استهدف الجيش السوري ومبنى رئاسة الأركان السورية، في خطوة قالت تل أبيب إنها تهدف إلى منع دخول الجيش السوري إلى محافظة السويداء الواقعة في الجنوب السوري.
وما تزال السويداء، ذات الغالبية الدرزية، خارج سيطرة الحكومة السورية حتى الآن، في ظل تقارير تحدثت عن وجود تمويل وتسليح إسرائيلي لما يُعرف بـ"الحرس الوطني" الذي يقوده رئيس الطائفة الدرزية في السويداء حكمت الهجري. وكان الهجري قد ناشد في وقت سابق إسرائيل التدخل لحماية السويداء، كما أشار في أحد خطاباته إلى إمكانية انفصال المحافظة عن سوريا وتحولها إلى كيان مرتبط بإسرائيل. ويرى مراقبون أن هذه التطورات لا يمكن فصلها عن مجريات الصراع الدائر في الجنوب السوري.
وفي هذا السياق، لفت الباحث في الشأن الإسرائيلي جعفر خضور إلى أن هذا التوجه يتقاطع مع التحركات الإسرائيلية في جنوب سوريا، حيث عززت إسرائيل سيطرتها على مناطق استراتيجية مثل جبل الشيخ وعلى موارد المياه في جنوب البلاد. كما أشار إلى أن الفهم الإسرائيلي الراهن قد يتجه إلى استغلال الظروف الحالية للتقدم نحو مناطق شمال الليطاني، وليس الاكتفاء بالتمركز جنوبه، وذلك عبر محاور شرقية تمتد من جبل الشيخ وقرى العرقوب وحاصبيا وصولًا إلى قضاء راشيا، مستفيدةً من المدرجات الغربية والشمالية لجبل الشيخ التي تتيح لها التقدم ميدانيًا.
قال الباحث في الشأن الإسرائيلي جعفر خضور إن ما يجري اليوم في جنوب لبنان لا يمكن فصله عمّا يحدث في جنوب سوريا، موضحًا أن إسرائيل، منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر، انتقلت في فهمها للواقع الأمني إلى عقيدة جديدة تقوم على استبدال ما يُعرف بـ"حلقة النار" بحلقة من المناطق العازلة
وأضاف خضور أن هذا التوجه يعكس أيضًا سعي إسرائيل إلى تحقيق هدف سياسي إضافي يتمثل في توظيف خطاب "حماية الدروز"، إذ قد يسمح ذلك لها، سياسيًا وديمغرافيًا، ببسط نفوذها على غالبية القرى ذات الغالبية الدرزية في منطقة جبل الشيخ ووادي التيم. وختم بالقول إن ما يجري يعكس تحولًا في العقلية الإستراتيجية الإسرائيلية من مفهوم "الحزام الأمني" أو "حلقة النار" إلى فكرة إنشاء منطقة عازلة واسعة، يكون هدفها الأبعد تشكيل فضاء استراتيجي يتيح لإسرائيل السيطرة على مصادر الطاقة والموارد المائية بوصفها عنصرًا أساسيًا في بنية الأصول العسكرية والمادية في التفكير الإستراتيجي الإسرائيلي.
وفي السياق ذاته، اعتبر الخبير العسكري مصطفى فرحات أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعى إلى إيجاد موطئ قدم في الجنوب السوري، مشيرًا إلى وجود مجموعات مسلحة في محافظة السويداء تحاول لعب دور حليف ميداني لإسرائيل في تلك المنطقة.
لكنه أكد في الوقت نفسه أن ما يجري حتى الآن لا يتجاوز كونه تحركات عسكرية مرتبطة بسياق الحرب الدائرة، من دون وجود مؤشرات قاطعة على مشروع دائم لإعادة رسم الحدود أو إنشاء رابط جغرافي فعلي بين جنوب الليطاني وجبل الشيخ.
وخَلُص فرحات إلى أن الترابط الجغرافي بين جنوب لبنان والجنوب السوري قائم بحكم الطبيعة والتضاريس، وأن إسرائيل تفكر دائمًا بمنطق المسرح العملياتي الواحد الممتد عبر الحدود. غير أن تحويل هذا التصور إلى واقع إستراتيجي دائم سيصطدم بحسابات إقليمية معقدة، ولن يكون خطوة سهلة أو خالية من الكلفة، وهو ما يدركه نتنياهو جيدًا، خاصة في ظل المواجهة المفتوحة مع إيران.