من القلق إلى الإنهاك.. لماذا تُرعب الثانوية العامة بيوتَ المصريين؟
26 يونيو 2026
بعد انتهاء امتحان مادة اللغة الفرنسية، عادت أسماء إلى منزلها في حالة نفسية صعبة، بدت شبه منهارة، وما إن دخلت غرفتها حتى ارتمت على سريرها باكية. حاولت والدتها أن تفهم منها ما حدث داخل لجنة الامتحان، لكنها لم تستطع الرد في البداية، قبل أن تهدأ قليلًا وتؤكد أنها أجابت "إلى حد ما".
لم يكن بكاؤها، إذن، بسبب الامتحان وحده، بل كان انعكاسًا لحجم الضغوط النفسية التي تعيشها، وحالة الرهبة المرتبطة في وجدان كثير من الطلاب بفكرة الثانوية العامة وامتحاناتها، وسط زخم اجتماعي وإعلامي يضاعف الإحساس بالخوف والقلق.
أسماء ليست حالة فردية أو استثنائية؛ فهناك عشرات الآلاف من الطلاب مثلها، ومعهم أضعافهم من الأسر المصرية، يعيشون أيام امتحانات الثانوية العامة في حالة من التوتر والترقب، فقد تحولت هذه المرحلة، في الوعي الجمعي لكثير من المصريين، إلى كابوس سنوي يطرق أبواب البيوت، ومع اقتراب الامتحانات تُعلن حالة الطوارئ داخل المنازل، استعدادًا لما يراه كثيرون «الامتحان الأهم والأخطر» في مستقبل أبنائهم.
ووفقًا للبيانات الرسمية، يبلغ عدد الطلاب المتقدمين لامتحانات الثانوية العامة هذا العام 921 ألفًا و709 طلاب وطالبات، يؤدون الامتحانات داخل 2032 لجنة امتحانية موزعة على مستوى الجمهورية، ضمن 613 تجمعًا امتحانيًا جرى إعدادها لتسهيل عمليات المتابعة والتأمين والإشراف على اللجان.
بوابة المستقبل.. هنا مصدر القلق
لا يتعامل المصريون مع امتحانات الثانوية العامة باعتبارها مجرد امتحانات نهاية مرحلة دراسية، بل ينظرون إليها بوصفها واحدة من أخطر المحطات في حياة الطالب والأسرة معًا، فهي في المخيلة المصرية، بوابة المستقبل، واللحظة التي قد تحدد مسار الطالب التعليمي والمهني، وربما الاجتماعي أيضًا؛ إذ إن الدرجات التي يحصل عليها في هذه المرحلة هي التي تحدد الكلية والجامعة التي سيلتحق بها، ومنها يبدأ رسم ملامح مستقبله الوظيفي والعملي، ثم مكانته داخل أسرته ومجتمعه.
لا يتعامل المصريون مع امتحانات الثانوية العامة باعتبارها مجرد امتحانات نهاية مرحلة دراسية، بل ينظرون إليها بوصفها واحدة من أخطر المحطات في حياة الطالب والأسرة معًا
ومن هذا المنطلق، تدخل كثير من الأسر المصرية في حالة طوارئ حقيقية مع وصول أبنائها إلى الثانوية العامة، حيث يتغير إيقاع البيت بالكامل، يُغلق التلفاز، وتُخصص غرف للمذاكرة، وتُمنع الزيارات والخروج والفسح، وتتحول الدروس الخصوصية والمراجعات إلى محور الحياة اليومية، كل ذلك يضع الطالب تحت ضغط نفسي وعصبي واجتماعي متواصل، يجعله يشعر أن الامتحان لا يخصه وحده، بل يخص الأسرة كلها.
ويزداد هذا الضغط حين تدخل المقارنات العائلية والاجتماعية على الخط، فالطالب لا يُطلب منه فقط أن ينجح أو يحقق مجموعًا جيدًا، بل يجد نفسه مطالبًا بالتفوق على ابن عمه، أو قريبه، أو جاره، أو زميله في المدرسة، وفي بعض البيئات، يتحول تفوق الطالب إلى دليل على نجاح الأسرة في تربيته ورعايته، بينما يُنظر إلى إخفاقه باعتباره عبئًا معنويًا يمس صورة العائلة ومكانتها بين الآخرين.
وسط هذه الأجواء، يتحول البيت الذي يضم طالبًا في الثانوية العامة إلى ما يشبه المعسكر المغلق، حيث تختفي الحياة الطبيعية تدريجيًا لصالح المذاكرة والامتحانات والقلق المستمر، وقد يترك هذا الضغط أثرًا واضحًا على صحة الطلاب النفسية والجسدية، إذ يعاني بعضهم من اضطرابات في النوم، وتوتر مفرط، ونوبات بكاء أو خوف، وأعراض صحية تحتاج إلى احتواء ومتابعة، وهكذا تصبح أيام الثانوية العامة، بالنسبة لكثير من الأسر المصرية، من أقسى الفترات وأكثرها توترًا في العام.
معاناة أسرية تمتد لسنوات
منذ التحاق الطالب بالصف الأول الثانوي، تدخل الأسرة المصرية منعطفًا اقتصاديًا حساسًا، لا يقل قسوة عن الضغط النفسي المرتبط بهذه المرحلة، فمع اتساع الاعتماد على الدروس الخصوصية، وارتفاع أسعار الكتب والملازم والمراجعات، تجد كثير من الأسر نفسها أمام أعباء مالية متراكمة، تأتي في وقت تعاني فيه البيوت أصلًا من ضغوط معيشية متزايدة.
وفي سبيل توفير نفقات هذه المرحلة، تلجأ بعض الأمهات إلى الدخول في جمعيات لتدبير مصروفات الدروس، بينما يضطر آخرون إلى الاقتراض، أو التصرف في جزء من مدخراتهم، أو بيع بعض ما يملكون لتغطية تكاليف التعليم، وعلى مدار ثلاث سنوات كاملة، تتحول الثانوية العامة إلى بند مالي ضخم داخل ميزانية الأسرة، وقد تتجاوز تكلفتها في بعض الأحيان قدرة رب الأسرة أو دخله الشهري المعتاد.
ولا تقف المعاناة عند حدود الإنفاق فقط، بل تمتد إلى شعور دائم بالخوف من ضياع ما تم دفعه من أموال، ومن أن تأتي النتيجة أقل من توقعات الأسرة أو طموحاتها، وهنا تتداخل الضغوط الاقتصادية مع القلق النفسي والاجتماعي، فيصبح الطالب مطالبًا ليس فقط بالنجاح، بل بتبرير كل ما أنفقته أسرته من جهد ومال وتضحيات، وهكذا تتحول سنوات الثانوية العامة الثلاث إلى رحلة استنزاف طويلة، لا تنتهي إلا مع إعلان النتيجة والاطمئنان إلى أن كل هذا القلق لم يذهب هباءً.
شكاوى لا تنتهي
رغم أن امتحانات الثانوية العامة لم تدخل بعد مرحلتها الأكثر حساسية، إذ أدى الطلاب حتى الآن امتحانات المواد غير المضافة إلى المجموع، فإن المؤشرات الأولى تكشف عن موجة من الشكاوى التي تعكس حجم التوتر داخل اللجان وخارجها، وتنذر بأن ما تبقى من الامتحانات قد يكون أكثر مشقة على الطلاب وأسرهم.
وبحسب ما رصده "الترا صوت" من آراء عدد من الطلاب، تنوعت الشكاوى بين غموض صياغة بعض الأسئلة، وصعوبة فهم المطلوب منها بصورة مباشرة، فضلًا عن أن مستوى بعض الامتحانات جاء أصعب مما كان متوقعًا، كما اشتكى بعض الطلاب من تأخر توزيع ورقة "البابل شيت"، وما يترتب على ذلك من إهدار لجزء من وقت الامتحان، في وقت يكون فيه الطالب في أمسّ الحاجة إلى كل دقيقة.
وتبرز إلى جانب ذلك مخاوف متكررة من الغش وتسريب الامتحانات، رغم الجهود المبذولة من وزارة التربية لتحجيم هذه الظاهرة، باعتبارها من أكثر القضايا التي تهدد مبدأ تكافؤ الفرص، فانتشار تطبيقات ومجموعات تزعم تداول الأسئلة أو الإجابات، وما يتردد أحيانًا عن لجان تشهد حالات غش جماعي، يخلق شعورًا عميقًا بالظلم لدى الطلاب الملتزمين، الذين يخشون أن تُمنح فرص غير مستحقة لآخرين على حساب اجتهادهم وحقهم الطبيعي في منافسة عادلة على الكليات التي يطمحون إليها.
وهكذا تظل الثانوية العامة، رغم كل ما شهده العالم من تطورات في أنظمة التعليم وتعدد مسارات النجاح، واحدة من أكثر المحطات رعبًا في وجدان الأسر المصرية، فهي لم تعد مرحلة دراسية ولا امتحانات عابرة، بل تحولت عبر عقود طويلة إلى اختبار اجتماعي ونفسي واقتصادي يضغط على الطالب وأسرته معًا، ويعيد إنتاج القلق نفسه عامًا بعد آخر.
وفي ظل استمرار النظرة التقليدية إلى المجموع باعتباره الطريق الأهم لتحديد المستقبل، تبقى هذه المرحلة هي الأكثر حساسية في حياة ملايين المصريين؛ مرحلة يُنظر إليها باعتبارها الفاصل بين الأمل والخوف، وبين الطموح والخذلان، لأنها في نظر الأسرة لا تحدد فقط الكلية التي سيدخلها الابن، بل ترسم ملامح ما ينتظره من مستقبل ومكانة وحياة قادمة.