من القاهرة إلى غزة.. نساء فلسطين يروين حكاية الصبر والمقاومة في يومهن الوطني
28 أكتوبر 2025
تمكنت المرأة الفلسطينية، عبر مسيرة طويلة من العطاء والتحدي، من أن تثبت حضورها كعنصر فاعل ومحوري في معادلة النضال الوطني، لا مجرد شاهد عليه. فقد كانت شريكة في صناعة البطولة، وركيزة أساسية في صمود الشعب الفلسطيني، ورقمًا صعبًا في معركة الحرية والكرامة. لم تكن فقط الأم التي تودّع أبناءها إلى ساحات المواجهة، بل كانت أيضًا الزوجة التي تصبر وتقاوم، والبنت التي تناضل بالكلمة والفعل، والخالة والعمة التي تحتضن اليتامى وتُرمم الأسر المكلومة، بل وفي كثير من الأحيان كانت تقوم مقام الأب حين غاب أو استُشهد.
وفي تقدير لهذا الدور العظيم، نظّمت نقابة الصحفيين المصريين، مساء الأحد 26 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، احتفالية بمناسبة اليوم الوطني للمرأة الفلسطينية، وهو اليوم الذي أقرّه مجلس الوزراء الفلسطيني في تموز/يوليو 2019، تأكيدًا على مكانة المرأة في ذاكرة النضال وتاريخ المقاومة، وإجلالًا لتضحياتها المتواصلة عبر الأجيال.
ويرتبط اختيار هذا التاريخ بذكرى تاريخية عميقة الجذور؛ فهو اليوم الذي انعقد فيه أول مؤتمر نسائي فلسطيني في مدينة القدس عام 1929، بمشاركة أكثر من ثلاثمئة امرأة فلسطينية من مختلف المدن والقرى.
مثّل ذلك المؤتمر لحظة مفصلية في مسيرة المرأة الفلسطينية، إذ تزامن مع اشتعال ثورة البراق، التي شهدت بدايات المشاركة النسوية المنظمة في الفعل السياسي والنضالي، يومها لم تكتف النساء بالتظاهر والاحتجاج، بل تحمّلن تبعات المواجهة بكل ما فيها من ألم وتضحيات، فسقطت شهيدات تسع نساء، وهُدمت بيوت، وتشرّدت عائلات، وزُجّ بالعشرات في السجون.
تلك اللحظة لم تكن حدثًا عابرًا في التاريخ الفلسطيني، بل كانت إيذانًا بولادة وعي نسوي مقاوم، حمل على عاتقه مسؤولية الدفاع عن الوطن، والذود عن كرامة الإنسان، والمشاركة في صياغة الحلم الجمعي بالحرية.
ومنذ ذلك اليوم، ظلّت المرأة الفلسطينية، في ميادين النضال كافة، تجسّد أبهى صور الصمود والعزيمة، لتصبح رمزًا إنسانيًا تتجاوز قصتها حدود الجغرافيا والسياسة، وتلهم الأحرار في كل مكان.
كشفت تقرير لهيئة الأمم المتحدة أن كثر من 500 ألف امرأة تحرم من أبسط حقوقهن في الرعاية الصحية الإنجابية، في حين تكافح 700 ألف أخرى لتأمين احتياجاتهن الصحية الأساسية، بما فيها مستلزمات النظافة الشخصية
المرأة الفلسطينية عمود النضال الوطني
استهل نقيب الصحفيين المصريين، خالد البلشي، الندوة بكلمة مؤثرة عبّر فيها عن اعتزازه بالمشاركة في هذا الاحتفاء الذي وصفه بأنه تاج يزين رؤوس العرب جميعًا، لا الفلسطينيين وحدهم، تقديرًا لعظمة ما قدّمته المرأة الفلسطينية من تضحيات ونماذج مشرّفة في ميادين النضال والمقاومة.
وأكد البلشي أن المرأة الفلسطينية كانت وما زالت القدوة في الشراكة الحقيقية، إذ جسّدت بإصرارها كيف يمكن للمرأة أن تكون قلب الحركة الوطنية وعصبها الحي، مضيفًا في كلمته: "نحتفي اليوم بتاريخ طويل من النضال الفلسطيني، كانت المرأة في طليعته عبر أجيال متعاقبة. فمنذ أن اجتمعت ثلاثمئة امرأة في أول مؤتمر نسائي فلسطيني عام 1929، وحتى يومنا هذا، وهي تواصل تقديم أغلى ما تملك؛ شهيدة كانت أو أمًّا أو ابنة أو زوجة شهيد، لم تتراجع أمام الألم ولا تخلّت عن الأمل."
وأشار نقيب الصحفيين المصريين إلى أن أكثر من مليوني امرأة فلسطينية واجهن العدوان الإسرائيلي على غزة خلال العامين الماضيين بصبرٍ وشجاعةٍ نادرة، دفعت ثمنها آلاف الشهيدات من النساء والأطفال، في مشهد يعكس عمق الإيمان بعدالة القضية وصلابة الإرادة الإنسانية في مواجهة القهر.
وختم البلشي كلمته بوصفٍ بالغ الدلالة حين قال إن "المرأة الفلسطينية هي العمود الفقري للنضال الفلسطيني"، مؤكدًا أن "استشهاد 35 صحفية فلسطينية خلال حرب الإبادة لم يوقف المسيرة، إذ لا تزال مئات الصحفيات يواصلن أداء رسالتهن بشجاعة وإصرار، يوثّقن الحقيقة ويدافعن عن الكلمة الحرة رغم الخطر والموت".
33 ألف امرأة.. ضحايا الحرب
كشفت هيئة الأمم المتحدة في تقرير لها حجم المأساة الإنسانية التي تعيشها المرأة الفلسطينية منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، ووصفت القطاع بأنه أصبح من أخطر مناطق النزاع في العالم على النساء.
وأوضح التقرير أن ما يزيد على 33 ألف امرأة وفتاة فقدن حياتهن خلال عامين فقط، في ظل تصاعد غير مسبوق للعنف والدمار، وانهيار شبه كامل لقطاعات الصحة والتعليم والخدمات الأساسية، كما تعيش نحو 250 ألف امرأة وفتاة في ظروف إنسانية كارثية تُصنَّف ضمن المرحلة الخامسة من "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي"، وهي مرحلة تعني انعدام الأمن الغذائي التام وتهديد الموت جوعًا، بينما تواجه نحو نصف مليون أخرى خطر الانزلاق إلى هذه المرحلة القاتمة.
وبيّن التقرير أن النزوح المتكرر أصبح سمة قاسية من سمات الحياة اليومية، إذ اضطرت غالبية النساء والفتيات إلى ترك بيوتهن بمعدل أربع مرات منذ بدء العدوان، بينما فقدت أكثر من 16 ألف امرأة أزواجهن، ليرتفع عدد الأرامل بشكل حاد في مجتمع يئن تحت وطأة الفقد والحصار.
وإلى جانب ذلك، تُحرم أكثر من 500 ألف امرأة من أبسط حقوقهن في الرعاية الصحية الإنجابية، في حين تكافح 700 ألف أخرى لتأمين احتياجاتهن الصحية الأساسية، بما فيها مستلزمات النظافة الشخصية، في ظل انهيار المنظومة الطبية ونفاد الإمدادات.
أما التعليم، فكان من أكثر القطاعات التي دفع ثمنها الفتيات، إذ حُرمت أكثر من 318 ألف فتاة من عامين دراسيين متتاليين، ويواجهن خطر ضياع عام ثالث، مما يُهدد بظهور جيل كامل محروم من فرص التعلم والأمل.
ووفقًا لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن النساء والأطفال يشكلون نحو 70% من ضحايا العدوان الإسرائيلي، فيما تجاوز عدد النازحين مليوني فلسطيني، نصفهم من النساء، ليتحوّل الوجود النسوي في غزة إلى عنوان دائم للمعاناة والصمود في آن واحد.
لا حرية لفلسطينية دون وطن حر
من جانبها قالت المناضلة الفلسطينية وعضوة المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مريم أبو دقّة، خلال كلمتها في الاحتفالية، إن "حرية المرأة الفلسطينية لا يمكن أن تتحقق دون حرية الوطن نفسه"، مؤكدة أن "نضالها لا يُختزل في يوم واحد، بل هو مسيرة ممتدة كل يوم فيها هو عيد للمرأة الفلسطينية التي تصنع الأمل من بين الركام وتخلق الحياة من رحم الموت".
وأشارت أبو دقّة إلى أن "المرأة الفلسطينية كانت ولا تزال رمزًا للصمود والإصرار، إذ واجهت النكبات المتتالية بقوة الإيمان وعمق الانتماء، لتثبت أن فلسطين لا تُنهض إلا بسواعد نسائها ورجالها معًا".
وجدير بالذكر أن مريم أبو دقّة كانت تقيم في باريس، غير أن السلطات الفرنسية اعتبرت وجودها هناك، بعد عملية طوفان الأقصى، تهديدًا للنظام العام، ما أدى إلى ترحيلها إلى القاهرة حيث تقيم اليوم.
وبرغم الغربة، ظلّ صوتها حاضرًا يحمل همّ فلسطين، ويمثل ضمير المرأة الفلسطينية التي لا تعرف الانكسار، بل تُحوّل المنفى إلى مساحة جديدة للنضال والكلمة الحرة.
وفي جانب آخر من الاحتفالية، روت الشابة الفلسطينية أمارة الأخرس، ابنة خانيونس التي لم تتجاوز السادسة والعشرين من عمرها، جانبًا مؤلمًا من تجربتها خلال الحرب، فقد قُصف بيتها في اليوم العاشر للعدوان، فاستشهدت طفلتها الرضيعة غزل بين ذراعيها، بينما أُصيبت هي بجراح بالغة أدت إلى بتر ساقها اليسرى فوق الركبة، واستئصال الطحال، وإصابتها بجلطة مزمنة في يدها اليسرى.
وبرغم فداحة الألم، كانت كلماتها تشعّ قوةً ورضا، حين قالت إنها كانت على بعد أمتار قليلة من الموت، وقد خضعت لما يقارب ست وعشرين عملية جراحية في مصر، لكنها لا تزال مؤمنة بأن "بعد الصبر جبر"، وأن النصر حتمي مهما طال الانتظار.
هكذا تتجسد في مريم وأمارة صورتان مختلفتان لامرأة واحدة: المرأة الفلسطينية التي تقف على خط النار أو على سرير الجراح، لكنها لا تفقد بوصلتها ولا إيمانها بالحياة، لتبقى شاهدًا حيًا على أن الوجع الفلسطيني لا يُميت، بل يزرع جذور القوة في القلوب.
منصة لتوصيل أصوات الفلسطينيات
ترى مسؤولة الإعلام في الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية / فرع مصر، نجوى قطيفان، أن هذه الفعاليات لا تُعد مجرد احتفالات رمزية، بل تمثل منصة إنسانية وإعلامية حقيقية لتوصيل صوت النساء الفلسطينيات إلى العالم، في محاولة لكسر حاجز الصمت المفروض عليهن منذ عقود.
فكل لقاء أو مساحة تُمنح لهن تتيح فرصة لنقل وجع التجربة الفلسطينية بعيون نسائها، وإبراز الجانب الإنساني العميق وراء أرقام الضحايا والإحصاءات الباردة، مؤكدة أن من واجب المجتمع الدولي فتح ممرات آمنة لإدخال المساعدات الإنسانية للنساء في قطاع غزة، وخاصة تلك المتعلقة باحتياجاتهن الصحية والإنسانية، التي أصبحت اليوم نادرة إلى حدٍ مأساوي.
وشهدت الاحتفالية عرض وثائقيات "بودكاست" مؤثرة، ضمّت شهادات حية لنساء فلسطينيات يعشن تفاصيل حرب الإبادة بكل ما فيها من فقدان وتشريد وصبر، هذه التسجيلات، التي أُنتجت ضمن مبادرة "أصوات من الحرب"، لم تكن مجرد حكايات شخصية، بل وثائق صوتية نابضة بالذاكرة والمقاومة، توثّق ما لا تنقله الكاميرات ولا تصفه التقارير.
"المرأة الفلسطينية كانت ولا تزال رمزًا للصمود والإصرار، إذ واجهت النكبات المتتالية بقوة الإيمان وعمق الانتماء، لتثبت أن فلسطين لا تُنهض إلا بسواعد نسائها ورجالها معًا"
كما ناقش الحضور الدور المتنامي لـ الفنون الصوتية والسردية في إبراز حكايات النساء الفلسطينيات، وكيف أصبحت الكلمة المسموعة وسيلة للمقاومة الثقافية في وجه التعتيم الإعلامي، فالصوت، كما أوضح المتحدثون، لم يعد مجرد وسيلة تعبير، بل أداة توثيق ووجود، تحفظ الذاكرة الجمعية وتعيد تشكيل السرد الفلسطيني من وجهة نظر نسائه اللواتي يعشن الحقيقة لا يروينها فقط.
إن مثل هذه المنصات، كما أشارت قطيفان وغيرها ممن التقاهم "الترا صوت" على هامش الاحتفالية، تمنح المرأة الفلسطينية حقها في أن تُروى قصتها بلسانها، لا أن تُروى عنها، لتتحول شهاداتها إلى فعل مقاومة ناعم لكنه عميق الأثر، يعيد الإنسانية إلى قلب الحكاية، ويذكّر العالم أن خلف كل مأساة سياسية، هناك وجوه نساء ما زلن يقاومن بالبقاء، وبالصوت.
مرآة الوطن التي تنكسر ولا تُهزم
في نهاية هذا المشهد المفعم بالألم والعزيمة، تبدو المرأة الفلسطينية كأنها مرآة الوطن ذاته؛ تنكسر ولا تُهزم، تنزف ولا تموت، بل تنهض في كل مرة من تحت الركام لتعيد للحياة معناها.
ومن القدس إلى غزة، ومن المنافي إلى خيام اللجوء، تحفر المرأة الفلسطينية حضورها في الذاكرة الجمعية، لا كضحية قدرها الفقد، بل كقلب نابض للأمل والمقاومة، فهي التي تكتب التاريخ بدمها ودموعها، وتحوّل المأساة إلى شهادة على صلابة الإنسان حين يتشبث بحقّه في الكرامة والحياة، فتغدو صورتها رمزًا للثبات الإنساني في وجه محاولات المحو والتغييب.
لقد أثبتت التجربة أن نضال المرأة الفلسطينية ليس فصلًا هامشيًا في مسيرة التحرر الوطني، بل هو جوهرها الإنساني العميق، ففي كل قصة فقدٍ هناك درس في الصبر، وفي كل شهادة وجعٍ هناك معنى جديد للكرامة والعزة، وخلف كل حكاية انكسار تقبع حكايات صمود واستقامة ونهوض.