من مفارقات حرب السودان، التي لا تزال تدور رحاها، التفاوت في درجة الاهتمام بتأثيراتها وتداعياتها بين منطقة وأخرى. ويمكن رصد ذلك بسهولة عند المقارنة بين الاهتمام الدولي والإقليمي والمحلي بمدينة الفاشر، وبين انحسار ذلك الاهتمام لأدنى مستوياته عندما تعلق الأمر بمدينة بابنوسة.
وجه المفارقة الأول أن حصار "قوات الدعم السريع" لمدينة بابنوسة بدأ منذ الأسبوع الأخير من كانون الثاني/يناير 2024، أي أنه عمليًا كان سابقًا لحصارها مدينة الفاشر بنحو أربعة أشهر، إذ بدأت نشر قواتها حول عاصمة ولاية شمال دارفور في نيسان/أبريل من العام نفسه.
أهمية المدينتين
تكمن أهمية بابنوسة في موقعها الاستراتيجي من الناحية العسكرية، وهي المدينة التي تقع فيها رئاسة قيادة الفرقة 22 مشاة المنفتحة على قطاعات واسعة من ولاية غرب كردفان، التي تتميز بوجود حقول عديدة للنفط ومسارات أنابيب البترول بين دولة جنوب السودان والسودان، وهي تمثل عصب القوة العسكرية للجيش السوداني وثقلها في منطقة متاخمة لتمركزات الجيش الشعبي لتحرير السودان جناح عبد العزيز الحلو المتواجد في جنوب كردفان منذ عقود سبقت الحرب الحالية.
في مقابل ذلك، اكتسبت مدينة الفاشر أهميتها لأبعاد تاريخية، باعتبارها مركز ثقل سلطنة الفور، وكذلك لأبعاد سياسية واستراتيجية وعسكرية حديثة. فهي من الناحية الإدارية عاصمة لولاية شمال دارفور، وكانت عاصمة إقليم دارفور قبل تقسيمه إلى خمس ولايات. وتمتد شمال دارفور غربًآ إلى الحدود مع دولة تشاد، وتنفتح إلى الشمال الغربي للسودان إلى الحدود مع ليبيا، وقد تحملت المسؤولية العسكرية لهذا الوضع الجغرافي الفرقة السادسة مشاة للجيش السوداني.
تكمن أهمية بابنوسة في موقعها الاستراتيجي من الناحية العسكرية، وتتميز بوجود حقول عديدة للنفط ومسارات أنابيب البترول بين دولة جنوب السودان والسودان
البعد القبلي وأثره
كان لهذا الجانب تأثيره على المشهد العام في الاهتمام في تفاوت درجة استحواذ المدينتين على الاهتمام والزخم السياسي والإنساني والإعلامي العالمي والمحلي.
جاء الاهتمام بدارفور عمومًا، ومدينة الفاشر بشكل خاص، على خلفية العمليات العسكرية التي صاحبت نشوء الحركات المسلحة الدارفورية في العام 2003، والتي صاحبتها انتهاكات واسعة لحقوق الانسان وجرائم الحرب التي قادت إلى اتهام قيادات على رأس السلطة في فترة رئاسة عمر البشير، الذي لا يزال مطلوبًا لدى محكمة الجنايات الدولية إلى جانب 50 قياديًا لا يزالوا مطلوبين، واحد منهم فقط سلم نفسه طواعية للمحكمة الدولية، وهو المعروف بعلي كوشيب الذي تجري محاكمته منذ سنوات في لاهاي.
هذا العامل لعب دورًا مهمًا في خلق الاهتمام الدولي بالأحداث التي جرت مؤخرًا في الفاشر منذ حصارها وحتى سيطرة الدعم السريع عليها. وكان الدافع الأبرز هو أحدث المجزرة العرقية التي صاحبت سيطرة تلك القوات على عاصمة ولاية غرب دارفور وارتكابها لجرائم على أساس عرقي استهدف قبيلة المساليت بشكل خاص، وتصاعدت تلك الأحداث بمقتل حاكم الولاية الذي يقود إحدى حركات دارفور وينتمي في ذات الوقت إلى قبيلة المساليت.
الفاشر تُعتبر قاعدة لقبائل الزغاوة والفور والمساليت أيضًا، وهي القبائل التي خرجت منها الحركات المسلحة التي عارضت حكومة البشير، مما استدعاه لاستيعاب "الجنجويد"، التي تحولت لاحقًا إلى "قوات الدعم السريع"، باعتبارها قبائل عربية لمواجهة التمرد العسكري لتلك القبائل مما أدى إلى تعميق الشرخ الاجتماعي في دارفور.
وللمفارقة؛ وبعد التحولات الدراماتيكية في المشهد السوداني، أصبحت تلك الحركات تحارب إلى جانب القوات الحكومية، وتقاتل ذات القوات التي واجهتها في مرحلة سابقة، "قوات الدعم السريع"، باسم الحكومة.
استفادت الحركات المسلحة الدارفورية من تجربتها الطويلة في حشد الدعم السياسي والإعلامي الدولي لدارفور ضد الطرف الآخر، وهو ما أكده لـ"الترا صوت" الصحفي عبد المنعم أبو إدريس، الذي قال إن الفرق في الزخم الإعلامي سببه أهمية مدينة الفاشر بوصفها العاصمة التاريخية لإقليم دارفور وارتباطها بحرب دارفور الأولى، إضافةً إلى حجمها والوجود المدني بداخلها، حيث كانت مركز نزوح لمئات الآلاف من المدنيين.
وأشار إلى نقطة أخرى وهي "وجود المواطنين داخل بابنوسة عند سقوطها يكاد لا يذكر. كما أن الفاشر تعني بالنسبة للدعم السريع السيطرة على أكثر من 80% من إقليم دارفور.
أما مدينة بابنوسة، فإلى جانب الأهمية العسكرية، يأتي استهداف "قوات الدعم السريع" المبكر لها مستصحبًا أبعادًا قبلية، إذ تعتبر غرب كردفان عمومًا منطقة نفوذ لقبيلة المسيرية التي ينقسم ولاؤها بين طرفي الحرب في السودان.
يقول مصدر على دراية بالمنطقة، فضل حجب اسمه، لـ"الترا صوت"، إن واحدة من الأسباب التي خلقت فارقًا في الاهتمام والزخم بين المدينتين هو نزوح كل السكان المدنيين، والبالغ عددهم نحو 170 ألفًا، من بابنوسة منذ إرهاصات الحصار الأولى في كانون الثاني/يناير 2024، وفقدت بالتالي الاهتمام في بعده من ناحية العمل الإنساني، على عكس مدينة الفاشر التي كانت تتواجد حولها أصلًا معسكرات للنازحين في أبو شوك وطويلة وغيرها.
ويضيف بأن البعد القبلي القبلي لعب دورًا مهمًا في ألا تصاحب المعارك والعمليات العسكرية انتهاكات بحجم ما جرى في مناطق أخرى في وسط السودان وفي دارفور. وقال: "المكونان الرئيسيان للقوات من الطرفين ينتمون إلى ذات المكون القبلي، وفي غالبيتهم أبناء عمومة، بل ويمكن أن تجدهم من نفس البيت الواحد".
وأشار المصدر إلى محاولات الإدارات الأهلية قبل اجتياح الفرقة، منذ أكثر من سنتين، للتدخل وحث جنود الجيش للانسحاب دون قتال في عملية شبيهة بما حدث في المجلد والميرم، حسب قوله.
وعزا عدم انسحاب جنود الفرقة 22 مشاة ببابنوسة إلى تمسكهم بقيمة الشجاعة، وقال "هي قيمة عالية جدًا في المنطقة. وفي أعرافهم، فإن الاستسلام عيب وقد يطال العيب الأسرة والقبيلة.. وخوفًا من هجاء الحكامات "المغنيات". من المهم ملاحظة أن كردفان لم تنشأ فيها حركة مسلحة بخلاف الحركة الشعبية لتحرير السودان التي تتمركز في مناطق بعينها في جنوب كردفان.
النزوح والبعد الدولي والإنساني
لعب وجود معسكرات للنازحين في دارفور منذ العام 2003 دورًا مهمًا في درجة زاوية التفات واهتمام المجتمع الدولي والمنظمات الدولية الإنسانية بالفاشر، بعد أن صارت مركزًا للنزوح عقب سيطرة "قوات الدعم السريع" على أجزاء واسعة من الإقليم.
وهذا ما استدعى أن ترتقي درجة الاهتمام إلى مناقشة قضية حصار الفاشر على مستوى مجلس الأمن الدولي، واستدعى أن يتخذ المجلس إجراءات شملت قرارًا ملزمًا واحدًا على الأقل في 2024، بالإضافة إلى عدة بيانات لاحقة في 2025 نبّهت إلى تفاقم الأوضاع وندَّدت بالهجمات وحثّت على رفع الحصار والسماح بوصول الإغاثة. ولعل أهم القرارات التي أصدرها هو القرار رقمS/RES/2736 (13 حزيران/يونيو 2024) الذي طالب صراحةً "قوات الدعم السريع" رفع حصار الفاشر ودعا إلى وقف فوري للأعمال القتالية وحماية المدنيين.
كما شهدت دارفور، أثناء وبعد سقوط الفاشر اهتمامًا دوليًا وحقوقيا وانسانيا لافتًا تمثل في التواجد المستمر للمنظمات الدولية الإنسانية والزيارات لوفود أممية عالية المستوى لمناطق النازحين، من أبرزها زيارة وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة الطارئة، توم فليشر، في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي عقب سقوط الفاشر.
على عكس ذلك، لم تحظ بابنوسة بذات الاهتمام، إذ لم يرد ذكرها في أروقة مجلس الأمن الدولي، وربما يعود إلى غياب الاهتمام بالجانب الإنساني بها أن النازحين من المدينة لم يلجأوا إلى معسكرات نزوح وإنما اختاروا النزوح إلى مناطق أهلهم الممتدة عبر الإقليم وحول المدينة. كما أن المنطقة لا تتمتع بتاريخ حروب مثل تلك التي شهدتها دارفور وتسببت في نزوح الملايين منذ عقود.
الاهتمام الحكومي والشعبي
طغى الاهتمام بحصار الفاشر عالميًا والدور الذي لعبته الحركات المسلحة الدارفورية في إبراز قضية أزمة الفاشر، على ما حدث في بابنوسة على مستوى الاهتمام الحكومي والشعبي.
ولعب الإعلام البديل ومواقع التواصل الاجتماعي دورًا مهمًا في ذلك، ففي الوقت الذي غابت فيه بابنوسة عن صفحات منصات وسائل التواصل الاجتماعي، لعبت الحركات المسلحة وعبر صفحاتها وبياناتها في حشد الدعم والانتباه لما يجري هناك بشكل متواصل ويومي منذ نيسان/أبريل 2024.
وربما أثر هذا الاهتمام حتى على التعبئة العسكرية التي انتظمت القوات المسلحة والمليشيات المساندة لها، وحتى في مواقع تمركزها في كردفان كان يتم إعدادها لاستعادة الفاشر ومدن دارفور التي وقعت تحت سيطرة قوات الدعم السريع.
واستراتيجيًا يعني السيطرة على كردفان بالنسبة للجيش قطع الطريق أمام حركة الدعم السريع في مناطق الشمال والوسط، ويمثل قاعدة انطلاق لأي عمليات عسكرية برية في عمق دارفور الخارج عن سيطرتها.
والعكس صحيح بالنسبة للدعم السريع، إذ يعني سيطرتها على دارفور انفتاح قواتها على تخوم جبهات الولايات في الشمال والوسط وسيطرتها على مناطق غنية اقتصاديًا مما سيدعم مواردها وبالتالي قوتها العسكرية.