ultracheck
  1. قول

من "العائلات الثكلى" إلى "المواطن الأمني": كيف تعيد إسرائيل توزيع العنف داخل المجتمع؟

10 يوليو 2026
إيتمار بن غفير
طرح بن غفير مشروعًا يُمكّن "العائلات الثكلى" من العمل كمراقبين على الأسرى الفلسطينيين (منصة إكس)
مهاب محمد حسنين مهاب محمد حسنين

أثار قرار وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير بتعيين أفراد من "العائلات الثكلى" كمراقبين على أوضاع الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية جدلًا واسعًا، لما ينطوي عليه من نقل بعض وظائف الرقابة والعقاب إلى فاعلين مدنيين خارج المؤسسة المهنية التقليدية.

إلا أن هذا القرار لا يبدو معزولًا عن سياسات أوسع تبنتها الحكومة الإسرائيلية، تقوم على توسيع دور المدنيين في كلٍّ من الجبهتين الداخلية والخارجية، سواء عبر التجنيد الإجباري، أو تسهيل حمل السلاح، أو إشراك فئات اجتماعية مختلفة في مهام ترتبط بالضبط والمراقبة.

ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى القرار باعتباره امتدادًا لمسار إعادة توزيع وظائف العنف والسلطة داخل المجتمع الإسرائيلي، بحيث لا تبقى هذه الوظائف حكرًا على المؤسسات الرسمية، بل تمتد إلى المجال الاجتماعي ذاته. وهنا يبرز إطار ميشيل فوكو بوصفه مدخلًا تفسيرياً لفهم هذا التحول، خصوصًا في ما يتعلق بانتقال السلطة من كونها مركزية ومؤسسية إلى سلطة منتشرة داخل المجتمع نفسه.

تسليح المدنيين: أولى مراحل إنتاج الذات الأمنية

نجد في إحدى التعريفات الكلاسيكية أن الدولة الحديثة هي الكيان الذي يحتكر الاستخدام المشروع للعنف داخل حدود إقليم معين، وهو احتكار لا يقتصر على امتلاك أدوات القوة، بل يمتد إلى تنظيم استخدامها وتحديد الجهات المخولة بممارستها. إلا أن الحالة الإسرائيلية تكشف عن نمط مختلف من العلاقة بين الدولة والعنف، حيث لم يتشكل الأمن باعتباره وظيفة مؤسسية منفصلة عن المجتمع، بل كجزء من الهوية الجماعية ذاتها.

منذ هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تعزز الربط بين الأمن والمجتمع، ولم يعد تعزيز القدرات العسكرية التقليدية كافيًا، بل اتجهت الحكومة إلى توسيع مشاركة المدنيين في المنظومة الأمنية

فمنذ تأسيس إسرائيل عام 1948، في سياق حرب إقليمية وصراع مستمر مع محيطها العربي، تشكلت الدولة وفق تصور يرى أن البقاء مرهون بالقدرة الدائمة على التعبئة والاستعداد الأمني، ما جعل المؤسسة العسكرية تتجاوز دورها الدفاعي التقليدي لتصبح أحد أبرز مرتكزات الحياة السياسية والاجتماعية.

وأصبحت هذه السمة أكثر رسوخًا في التجربة الإسرائيلية منذ هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث تعزز الربط بين الأمن والمجتمع، ولم يعد تعزيز القدرات العسكرية التقليدية كافيًا، بل اتجهت الحكومة إلى توسيع مشاركة المدنيين في المنظومة الأمنية عبر حملة "إسرائيل تتسلح".

وتشير البيانات التي عُرضت أمام لجنة الأمن القومي في الكنيست إلى توسع غير مسبوق في طلبات حيازة السلاح، إذ تقدم الإسرائيليون بأكثر من 403 آلاف طلب للحصول على تراخيص أسلحة نارية، حصل أكثر من 217 ألفًا منها على موافقة مشروطة، فيما جرى إصدار نحو 165 ألف رخصة دائمة، مقابل رفض حوالي 177 ألف طلب.

ووفقًا لوزارة الأمن القومي، ارتفع عدد الإسرائيليين الذين يمتلكون أسلحة نارية بشكل قانوني إلى نحو 335 ألف شخص، في مؤشر على توجه رسمي نحو توسيع مشاركة المدنيين في المنظومة الأمنية، وربط الأمن الداخلي بقدرة المواطنين على حمل السلاح والمشاركة في مواجهة التهديدات.

كما يخضع معظم المواطنين اليهود للخدمة العسكرية الإلزامية، ما يجعل السلاح والخبرة العسكرية جزءًا من عملية التنشئة الاجتماعية. وضمن هذا السياق، يمكن قراءة هذه السياسات ضمن ما يسميه فوكو "إنتاج الذوات"، حيث لا يقتصر دور السلطة على فرض الأوامر، بل يمتد إلى تشكيل الأفراد أنفسهم بوصفهم فاعلين في المنظومة الأمنية.

من الضحية إلى "المواطن الأمني"

إذا كان تسليح المدنيين يمثل البعد المادي لدمج المجتمع في إنتاج الأمن، فإن إشراك "العائلات الثكلى" يكشف بعدًا آخر أكثر تعقيدًا، يتعلق بإعادة توزيع الشرعية الأخلاقية المرتبطة بممارسات الرقابة والعقاب.

ففي الإطار الفوكوي، لا تعمل السلطة فقط عبر القوانين والمؤسسات، بل عبر إنتاج ذوات تتبنى وظائفها وتعيد ممارستها داخل المجتمع. ومن هنا، لا يعود السؤال متعلقًا بما إذا كانت "العائلات الثكلى" تمتلك "الحق الأخلاقي"، بل بكيفية تحويل "الألم والفقد" إلى مورد سياسي يُستخدم لإنتاج فاعلين جدد داخل منظومة المراقبة.

فالسلطة، كما يوضح ميشيل فوكو، لم تعد بحاجة إلى استعراض العنف بشكل مباشر، بل أصبحت تُمارَس عبر آليات الضبط والانضباط والمراقبة. وبذلك، لا تختفي السلطة، بل تصبح أكثر انتشارًا وأقل ظهورًا، إذ تُمارَس من خلال المجتمع ذاته.

في هذا السياق، تُقدَّم "العائلات الثكلى" بوصفها حاملة لسلطة "أخلاقية استثنائية"، حيث تمنحها تجربة الفقد "شرعية" خاصة للتدخل في قضايا تتعلق بالأسرى والعقاب والأمن الوطني.

وهنا يحدث تحول جوهري: "فالضحية" لا تبقى موضوعًا للحماية، بل تتحول، وفق هذا المنظور، إلى أداة ضمن إنتاج الخطاب الأمني، حيث يصبح "الألم الفردي" مصدرًا للشرعية السياسية، وتتحول الذاكرة الشخصية إلى عنصر فاعل في منظومة الضبط والعقاب.

إنتاج "المواطن الأمني"

ضمن هذا المسار، يتشكل ما يمكن تسميته بـ"المواطن الأمني"، وهو مفهوم يمكن فهمه في ضوء تحليل فوكو للسلطة بوصفها شبكة علاقات تنتج الأفراد الذين يعيدون بدورهم إنتاجها.

هذا المواطن لا يكتفي بالخضوع لمنظومة الأمن، بل يشارك في ممارستها، ويرى في "حماية الجماعة الوطنية" مسؤولية شخصية، ويعتبر مراقبة التهديدات وتأييد العقوبات جزءًا من واجبه الأخلاقي.

وبذلك، لا تُعرَّف المواطنة فقط من خلال الحقوق والواجبات، بل من خلال القرب أو البعد من المشروع الأمني، حيث تصبح المشاركة في منظومة الرقابة والعقاب معيارًا ضمنيًا للانتماء إلى الجماعة السياسية.

هل يتوسع المجتمع العقابي؟

يمكن النظر إلى هذا التوجه باعتباره امتدادًا لنهج يقوم على توسيع دائرة المشاركة المجتمعية في المجالين الأمني والعقابي، بما يتجاوز الأطر المؤسسية التقليدية.

فمن خلال إشراك فئات تحظى بمكانة رمزية عالية داخل المجتمع، تضفي الدولة على سياساتها الأمنية غطاءً أخلاقيًا، بحيث تبدو هذه السياسات، وفق المنطق الفوكوي، وكأنها نابعة من داخل المجتمع، لا مفروضة عليه من خارجه.

وبهذا المعنى، لا يظهر العقاب كإجراء سلطوي صرف، بل كممارسة اجتماعية، ما يعزز شرعية الدولة داخليًا ويمنحها هامشًا أوسع في تبرير سياساتها.

إلا أن هذا المسار يطرح إشكاليات معقدة، خصوصًا في حال ظهور خلافات داخلية حول تعريف التهديد أو حدود الجماعة السياسية. فالسلاح الذي يُمنح لحماية النظام قد يتحول إلى أداة لمعارضته، كما أن الفاعلين الذين جرى إنتاجهم ضمن هذا الإطار قد يعيدون توجيه أدوارهم في اتجاهات مختلفة.

لا تبدو سياسات توسيع المشاركة المجتمعية في الأمن والعقاب مجرد استجابة ظرفية، بل تعكس تحولًا بنيويًا في العلاقة بين الدولة والمجتمع داخل إسرائيل

بين تماسك المجتمع ومخاطر التفكك

تزداد أهمية هذه الإشكالية في الحالة الإسرائيلية، حيث ارتبط تماسك المجتمع تاريخيًا بوجود "تهديد خارجي" دائم، ساهم في إنتاج إجماع واسع حول أولوية الأمن.

غير أن استمرار عسكرة المجتمع وتوزيع أدوات القوة داخله يطرح تساؤلات حول مستقبل هذا التماسك، في حال تراجع مركزية هذا التهديد.

فمع تراجع دور "العدو المشترك"، قد تنتقل الانقسامات الكامنة إلى الداخل، وعندئذ قد تتحول الأدوات التي صُممت لحماية الإجماع، وفق منطق السلطة المنتشرة الذي تحدث عنه فوكو، إلى أدوات تُستخدم في الصراع حول تعريف هذا الإجماع نفسه.

في المحصلة، لا تبدو سياسات توسيع المشاركة المجتمعية في الأمن والعقاب مجرد استجابة ظرفية، بل تعكس تحولًا بنيويًا في العلاقة بين الدولة والمجتمع داخل إسرائيل.

فبينما تمنح هذه السياسات السلطة قدرًا أكبر من الشرعية والقدرة على الحشد، فإنها، في الوقت نفسه، تعيد توزيع أدوات القوة خارج الإطار المؤسسي، بما يتقاطع مع تصور فوكو للسلطة بوصفها ممارسة منتشرة لا تقتصر على الدولة وحدها.

وبين المكاسب الآنية والمخاطر المستقبلية يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة الدولة على ضبط الفاعلين الذين ساهمت هي نفسها في إنتاجهم، وحول ما إذا كانت عملية توسيع المجتمع الأمني ستفضي إلى تعزيز الاستقرار أم إلى إنتاج أشكال جديدة من السلطة داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.

كلمات مفتاحية
ماكرون والشرع

خبراء باريس في مجلس الشعب.. تعاون قانوني مع دمشق واستعادة موقع قديم

نادرًا ما تحمل الزيارات البرلمانية طابعًا بروتوكوليًا خالصًا، فهي تمثل في العادة مؤشرًا على تحولات أوسع في توجهات السياسة الخارجية وإعادة تعريف المصالح الوطنية

جنود سودانيون

معركة الميدان وشروط التفاوض.. السودان بين التصعيد والحوار

انتقل طرفي الصراع في السودان إلى مرحلة يسعى فيها كل منهما إلى تحسين موقعه العسكري والسياسي قبل أي تسوية محتملة

الزاوية

الزاوية في خارطة النفوذ الليبية.. صراع محلي يعيد تشكيل موازين القوى في الغرب

لم تعد مدينة الزاوية مجرد ساحة لاشتباكات محلية متكررة، بل أصبحت واحدة من أكثر نقاط التماس حساسية في خريطة النفوذ بغرب ليبيا

اليابان
حالة

ما هي "أزمة الشمام" التي سببت خلافًا بين اليابان وأستراليا؟

لم تتحول الواقعة في البداية إلى قضية كبيرة، لكن تسجيل المقابلة عاد إلى الواجهة بعد أسابيع، لتبدأ المعارضة ووسائل إعلام أسترالية في انتقاد ألبانيزي والمطالبة باعتذاره لرئيسة الوزراء اليابانية

آرسنال
رياضة

درع المجتمع يكشف مدى "جوع" أرسنال.. ويضع مشروع ماريسكا تحت المجهر

يلتقي أرسنال بطل الدوري الإنجليزي الممتاز، مع مانشستر سيتي حامل لقب كأس الاتحاد الإنجليزي، في افتتاح الموسم الجديد عبر مباراة درع المجتمع، أو ما يعرف بـ"الدرع الخيرية"

سيارات كهربائية
سيّارات

رغم تراجع المبيعات محليًا.. السيارات الصينية تكسب أسواق العالم

كل سيارة لا تجد مشتريًا في الصين يمكن أن تتحول إلى فرصة في سوق آخر، من أوروبا وأميركا اللاتينية إلى الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا

المكسيك
أعمال

كيف تستغل المكسيك أزمة المياه لتعزيز موقعها على خريطة التجارة العالمية؟

تحاول المكسيك استغلال أزمة المياه والتغير المناخي لتعزيز موقعها كحلقة وصل بديلة لمضيق بنما بين المحيطين الهادئ والأطلسي