ultracheck
  1. ثقافة
  2. فنون

من الركام إلى الفضاء الافتراضي.. المتحف القومي السوداني يُعاد إحياؤه

14 ابريل 2026
المتحف القومي السوداني
أُعيد إطلاق المتحف القومي السوداني افتراضيًا ( AGP)
الترا صوت الترا صوت

في محاولة لإنقاذ الذاكرة الثقافية من آثار الحرب، وإعادة بناء ما دمّرته المعارك، يظهر متحف السودان القومي اليوم في صيغة جديدة لا تشبه واقعه، بل تستعيده رقميًا كما كان، وربما كما يُراد له أن يكون.

أُعيد فتح المتحف، الذي تعرّض للتخريب والنهب على يد عناصر قوات الدعم السريع خلال سيطرتهم على العاصمة الخرطوم، في صيغة افتراضية على يد علماء آثار، بهدف عرض المجموعات المسروقة والحد من الاتجار بها.

يظهر في هذا العرض الافتراضي مبنى منخفض بلون ترابي، مفتوح على الخارج عبر واجهات زجاجية عالية، فيما ينتصب على واجهته تمثالان من الحجر الرملي بارتفاع سبعة أمتار، يجسّدان ملوكًا من مملكة مروي (270 قبل الميلاد – 270 ميلاديًا)، وهوما الملك "ناتاكاماني" والملكة"أمانيتوري"، وقد نُقلا من معبد تابو في جزيرة أرغو. غير أن هذا المشهد لا يمكن رؤيته حاليًا إلا عبر الفضاء الافتراضي. أما على أرض الواقع، فقد تعرّض المتحف للتخريب، ونُهبت مجموعاته القيّمة خلال احتلال الخرطوم بين نيسان/أبريل 2023 وآذار/مارس 2025.

كان المتحف، الذي افتُتح عام 1971 على ضفاف النيل الأزرق، على بُعد خطوات من القصر الرئاسي، مغلقًا منذ عام 2019 لأعمال الترميم، وهي أعمال توقفت بشكل مفاجئ مع مغادرة الفرق المختصة إلى القاهرة. ولم يبقَ من أناقة المبنى، التي تجمع بين الطابعين القديم والحديث، سوى آثار محدودة، إذ أصبحت واجهته الترابية مثقوبة بآثار داكنة ناجمة عن قذائف صاروخية.

أُعيد فتح المتحف، الذي تعرّض للتخريب والنهب على يد عناصر قوات الدعم السريع خلال سيطرتهم على العاصمة الخرطوم، في صيغة افتراضية على يد علماء آثار، بهدف عرض المجموعات المسروقة والحد من الاتجار بها

في آذار/مارس 2025، عاد موظفو قطاع الآثار إلى المتحف للمرة الأولى منذ عامين، عقب استعادة الجيش السيطرة على وسط العاصمة. لكن ما واجهوه في الداخل تجاوز كل التوقعات، إذ تكشّف حجم دمار واسع طال معروضات لا تُقدّر بثمن. وكانت الصدمة الأشد في "غرفة الذهب"، التي كانت تضم مقتنيات نادرة من الذهب الخالص عيار 24، يعود تاريخ بعضها إلى نحو ثمانية آلاف عام.

ويُقدَّر عدد القطع المسروقة بأكثر من 4000 قطعة أثرية، تمتد من عصور ما قبل التاريخ إلى الفترة الإسلامية، مرورًا بالعصر المسيحي والحضارة النوبية ومملكة كوش، التي شيّدت أهرامات السودان.

ولم يبقَ سوى القليل من القطع، إذ لم يترك اللصوص إلا ما يصعب نقله، مثل جداريات المعابد التي نُقلت أثناء بناء سد أسوان، أو تمثال الفرعون الأسود "تهارقا" الضخم، حيث يقف الملك، الذي حكم مملكة كوش القديمة لأكثر من عقدين، وحيدًا في فناء المتحف.

وفي مواجهة هذا الواقع، أطلق علماء آثار من القسم الفرنسي لهيئة الآثار السودانية، إلى جانب مديرة المتاحف في السودان إخلاص عبد اللطيف، مشروع "متحف افتراضي" عبر الإنترنت، بعد إجلائهم إلى القاهرة خلال عملية "ساغيتير" في نيسان/أبريل 2023. ونُفّذ المشروع بالتعاون مع متحف اللوفر ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) ووكالة "آرت غرافيك آند باتريموان" (AGP) المتخصصة في النمذجة الرقمية.

وقد أُطلقت المرحلة الأولى من المشروع في الأول من كانون الثاني/يناير الماضي، على أن تُستكمل مرحلته الثانية خلال الصيف. وصُمّم كمسار تفاعلي يتيح للزائر التجوّل داخل المتحف كما كان مُخططًا لإعادة افتتاحه، بما لا يقتصر على عرض المجموعات، بل يسهم أيضًا في توثيقها ومكافحة الاتجار غير المشروع بالتراث.

أدوات جديدة

لم يكن إعادة بناء المتحف الوطني السوداني افتراضيًا مجرد مشروع تقني، بل عملية معقدة بدأت من الصفر تقريبًا، في ظل فقدان الوصول إلى الموقع والوثائق، ما جعل "إعادة الجرد" التحدي الأول أمام القائمين عليه.

في هذا السياق، توضح عالمة الآثار فائزة دريسي، المسؤولة عن المشروع، لصحيفة "لوموند" الفرنسية، أن "أهم مسألة كانت الجرد، إذ تطلّب الأمر عملية طويلة ومعقدة". وتشرح أن المبنى ظل خارج نطاق الوصول لفترة طويلة بسبب سيطرة قوات الدعم السريع عليه لنحو عامين، ما أدى إلى فقدان الوثائق والأرشيف. وأمام هذا الواقع، لجأ الفريق إلى المجتمع العلمي الدولي، حيث أُطلق نداء واسع ساهم في استعادة صور وملفات بشكل تدريجي، بدعم من مؤسسات كبرى مثل متحف اللوفر والمتحف البريطاني ومعهد العالم العربي، عبر ما توفر لديها من كتالوغات ومعارض سابقة.

لكن استعادة المحتوى لم تكن سوى خطوة أولى، إذ برز تحدٍ آخر تمثل في إعادة بناء الفضاء نفسه. فقد حرص الفريق، بقيادة دريسي وإخلاص عبد اللطيف، على أن يتجاوز المشروع عرض القطع الأثرية، ليعيد تشكيل تجربة الزيارة بكل أبعادها، من تصميم المبنى إلى مسار الحركة داخله وأجوائه العامة.

وتعكس المرحلة الأولى من المشروع هذا التوجه، إذ تضم معروضات تمتد زمنيًا من بقايا تعود إلى العصر الحجري القديم، وصولًا إلى تماثيل ملوك "الفراعنة السود" من مملكة نبتة (800–270 قبل الميلاد)، الذين بسطوا حكمهم على مصر والنوبة حتى حدود فلسطين.

تقنيًا، أُنجز نموذج ثلاثي الأبعاد للمبنى من قبل مصمّم في متحف اللوفر، اعتمادًا على مخططات أُعيد جمعها، قبل أن تتولى وكالة (AGP) مهمة تطوير النموذج بصريًا، من حيث الإضاءة وإضافة التفاصيل وتوزيع القطع داخل القاعات. ويشير فلوريان مورينو، المسؤول في الوكالة، إلى أن التحدي الأبرز تمثل في غياب الوصول المباشر إلى القطع الأصلية، ما فرض الاعتماد على صور متفاوتة الجودة، وهو ما دفع الفريق إلى تطوير أدوات جديدة تتيح دمج الصور ثنائية الأبعاد ضمن بيئة ثلاثية الأبعاد، لإعادة بناء المشهد المتحفي بأكبر قدر ممكن من الدقة.

"غرفة الذهب" الشهيرة

لا يقتصر مشروع المتحف الافتراضي على إعادة عرض ما فُقد، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة وقف نزيف التراث المنهوب، عبر توثيقه وكشفه أمام الرأي العام.

في هذا السياق، يهدف المتحف الافتراضي إلى الحدّ من تهريب القطع الأثرية خارج البلاد، بعدما كشفت صور الأقمار الصناعية، خلال عمليات النهب، عن شاحنات محمّلة بالكنوز تتجه نحو دارفور، وهي منطقة واسعة في غرب السودان كانت خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع. وعلى إثر ذلك، تحرّكت السلطات السودانية، بدعم من اليونسكو والإنتربول، في محاولة لتعقّب هذه القطع واستعادتها قبل تسريبها إلى السوق السوداء.

وقد أعلنت السلطات السودانية، في كانون الثاني/يناير، استعادة 570 قطعة أثرية تعود إلى فترات تمتد من عصور ما قبل التاريخ حتى العصر الإسلامي. وعثر عليها مدفونة داخل أحد المنازل بمنطقة شرق النيل في الخرطوم بحري.

وقال نائب مدير جهاز المخابرات العامة، عباس محمد، خلال مؤتمر صحافي عُقد في مدينة بورتسودان، إن الجهاز نفّذ عملية أمنية معقّدة تمكّن عبرها من إحباط مخطط واسع لتهريب آثار سودانية تابعة لهيئة المتاحف إلى خارج البلاد، مضيفًا: "تمكّنا من استعادة عدد كبير من القطع الأثرية".

وتوضح عالمة الآثار فائزة دريسي أن "المتحف الافتراضي يلعب دورًا محوريًا في هذا الجهد، فكلما أصبحت القطع معروفة أكثر، حتى لدى عامة الناس، بات من الصعب بيعها"، مشيرة إلى أنه يشكّل أداة مساندة لكل من الخبراء والجهات الرسمية في مواجهة الاتجار غير المشروع بالتراث.

ومع التقدّم في المشروع، يُرتقب أن تغطي مرحلته الثانية الفترة الممتدة من مملكة مروي، ابتداءً من عام 270 ميلاديًا، وصولًا إلى العصر الإسلامي. غير أن الرهان الأكبر يتمثل في إعادة بناء “غرفة الذهب” الكوشية افتراضيًا، وهي واحدة من أبرز كنوز المتحف، إذ كانت تضم مجموعة من الحُلي والقطع الذهبية المكتشفة في مقابر ملوك وملكات النوبة.

وتشير دريسي إلى أن هذه القطع، نظرًا لقيمتها العالية وسهولة نقلها، كانت من أولى ما تعرّض للنهب الكامل، مضيفة أن الفريق يأمل في عرض نحو ستين قطعة منها ضمن النسخة الافتراضية.

ولا يقتصر الطموح على القاعات الداخلية، إذ يسعى الفريق أيضًا إلى توسيع التجربة لتشمل محيط المتحف، بما في ذلك حدائقه وقبر "جحوتي حتب"، أحد أبرز معالم العصر البرونزي الحديث في النوبة.

ورغم أن هذه التجربة لا يمكن أن تعوّض الزيارة الفعلية، فإنها تكتسب بعدًا يتجاوز العرض المتحفي، بوصفها أداة لحفظ الذاكرة الجماعية، ووسيلة لمواجهة محو تاريخ حضاري كامل، في ظل بقاء كثير من هذه الحضارات خارج نطاق المعرفة العالمية.

كلمات مفتاحية
"The Boys"

أكثر جنونًا من الواقع.. كيف تنبأ صانع "The Boys" بصعود الاستبداد في الموسم الخامس؟

في أكثر من مناسبة، لم يتردد إيريك كريبك في القول إن مسلسل "The Boys" (الرفاق) أصبح تجربة سردية تحاول فهم كيف تتشكل السلطة في زمن تتحول فيه الحقيقة إلى مادة قابلة لإعادة الصياغة

معرض "ما تركته النجاة"

"ما تركته النجاة": حين يرسم من قلب المخيم

بمشاركة أربعة وستين رسامًا ورسّامة، وبجهود ورعاية ذاتية، أطلق الفنان الفلسطيني غانم الدّن معرضًا فنيًا حمل عنوان "ما تركته النجاة". تمّ إعداد المعرض في مرسم الفنان الشخصي

إيران

لوحات بيكاسو.. كنز فني عالمي عالق في إيران

تقبع مجموعة لوحات تُعد من أعظم أعمال بابلو بيكاسو داخل إيران، بعيدة عن أعين العالم، رغم قيمتها الفنية والتاريخية الهائلة

فوق رأسي سحابة
أدب

"فوق رأسي سحابة": حين يصبح الألم لغةً عالمية

تقدّم الكاتبة دعاء إبراهيم نصًا نفسيًا قاسيًا وعميقًا يلاحق أسرار النفس البشرية عبر رحلة إنسانية محطاتها الاساسية تبدأ بمصر ومنها إلى اليابان

كأس العالم 2026
رياضة

موجات الحر والمونديال يربكان التقويم الدراسي في المكسيك

تراجعت الحكومة المكسيكية عن قرار أثار جدلًا واسعًا بإنهاء العام الدراسي قبل موعده المعتاد بنحو ستة أسابيع، بعدما واجهت الخطة انتقادات حادة من الأهالي والنقابات التعليمية

أنتا
أعمال

من 600 حذاء إلى إمبراطورية رياضية.. قصة صعود "أنتا" الصينية

أصبحت شركته "أنتا" الصينية تنافس عمالقة الملابس الرياضية العالميين مثل نايكي وأديداس، فكيف حدث ذلك؟

صورة تعبيرية
مجتمع

فيروس "هانتا" يربك العالم.. منظمة الصحة تحذر من موجة إصابات جديدة

حذّرت منظمة الصحة العالمية من احتمال ظهور المزيد من الإصابات بفيروس "هانتا"، بعد تحوّل سفينة الرحلات البحرية "إم في هونديوس" إلى بؤرة تفشٍ دولية