من الحل إلى الإدارة.. كيف أعادت أوروبا صياغة سياستها تجاه الهجرة؟
11 أغسطس 2026
في العقود الأخيرة أخذ الخطاب الأوروبي يركز على إدارة الظواهر والحد من آثارها بدلًا من إنهائها أو معالجة أسبابها، وفي تعليقها على أحداث سبتة، أشادت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بـ "الإدارة الكفؤة والفاعلة" للأزمة من جانب إسبانيا والمغرب، داعية إلى تعزيز الإنذار المبكر والدعم الفني وتشديد الرقابة على الحدود، ويطرح ذلك سؤالًا يتجاوز الهجرة: هل تتحول إدارة الأزمات من مرحلة مؤقتة تسبق الحل إلى نمط دائم من العمل السياسي؟
حين تصبح الهجرة قضية أمنية
أظهرت أزمة سبتة تحولًا واضحًا في الطريقة التي تتعامل بها الحكومات مع الهجرة، فمع تدفق آلاف المهاجرين بصورة غير نظامية إلى الجيب الإسباني، انصب الاهتمام على حماية الحدود ومنع التدفقات من التحول إلى أزمة تُقدَّم باعتبارها مسألة تمس أمن إسبانيا والاتحاد الأوروبي، وتجسد ذلك في تعزيز وجود الشرطة والجيش في سبتة، واستخدام وسائل المراقبة الجوية والبحرية، بالتوازي مع التنسيق مع المغرب.
ولم تتوقف المقاربة الأمنية عند الإجراءات الميدانية، إذ ذهبت بعض الخطابات السياسية والإعلامية الإسبانية إلى تقديم تدفقات الهجرة باعتبارها احتمالًا لـ"تهديد هجين" أو أداة ضغط سياسي، وظهرت تصريحات ومقالات اتهمت المغرب، ضمنيًا أو صراحة، باستخدام الهجرة لاختبار جاهزية الدولة الإسبانية، بينما أعادت بعض الأصوات اليمينية توظيف الأزمة في الصراع السياسي الداخلي، عبر تصوير حكومة بيدرو سانشيز باعتبارها متساهلة مع الرباط أو عاجزة عن حماية الحدود.
وتتجاوز أهمية هذه الخطابات مضمونها السياسي إلى الطريقة التي تعيد بها تعريف الهجرة نفسها، فعندما تدخل الظاهرة إلى خطاب الأمن القومي، ينتقل مركز النقاش من سؤال "لماذا يهاجر الناس؟" إلى سؤال "كيف نمنع وصولهم؟"، وتصبح المراقبة والردع والتفتيش مؤشرات على فاعلية الدولة، بينما تتراجع العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تنتج الهجرة إلى موقع ثانوي.
وامتد هذا المنطق، في سياق أزمة سبتة، إلى الحدود داخل فضاء شنغن نفسه، فقد قررت إيطاليا تعليق العمل بتأشيرة شنغن للقادمين من إسبانيا من غير مواطني الاتحاد الأوروبي، مبررة القرار بمخاوف أمنية واحتمال تجدد موجات الهجرة، عقب دخول نحو 72 ألف مهاجر إلى سبتة الإسبانية من المغرب في 30 تموز/يوليو، وردت مدريد بفرض رقابة على الرحلات الجوية والسفن القادمة من إيطاليا، تشمل فحص جوازات السفر والجنسيات والتأشيرات.
تتجاوز أهمية هذه الخطابات مضمونها السياسي إلى الطريقة التي تعيد بها تعريف الهجرة نفسها، فعندما تدخل الظاهرة إلى خطاب الأمن القومي، ينتقل مركز النقاش من سؤال "لماذا يهاجر الناس؟" إلى سؤال "كيف نمنع وصولهم؟"
تكشف هذه الواقعة عن هشاشة إحدى الركائز الأساسية للتكامل الأوروبي، ففضاء شنغن يقوم على حرية الحركة وإزالة الرقابة على الحدود الداخلية، لكن المخاوف المرتبطة بالهجرة والأمن يمكن أن تعيد هذه الحدود إلى الواجهة، وبذلك تصبح الرقابة قابلة لإعادة التفعيل ليس فقط في مواجهة القادمين من خارج أوروبا، وإنما أيضًا داخل الفضاء الأوروبي نفسه عندما ترى الحكومات أن حركة الأشخاص قد تحمل مخاطر أمنية أو تزيد احتمال انتقال تدفقات الهجرة.
حين تُنقل الحدود إلى دول العبور
إذا أعادت "أمننة الهجرة" تعريف المشكلة، فإنها غيّرت أيضًا مكان إدارتها، فلم تعد الحدود تُحمى عند نقاط الدخول إلى الاتحاد الأوروبي فقط، بل امتدت إجراءات الاحتواء إلى طرق الهجرة نفسها، عبر التعاون الأمني والحدودي مع دول العبور.
وتبرز هذه السياسة بوضوح في العلاقة بين إسبانيا والمغرب، فالمغرب لم يعد مجرد دولة مجاورة أو شريك اقتصادي، بل أصبح جزءًا أساسيًا من منظومة ضبط الهجرة نحو إسبانيا، من خلال مراقبة الحدود، وتبادل المعلومات، ومكافحة شبكات التهريب، والتعاون في عمليات إعادة المهاجرين.
لكن هذه الشراكة تكشف مفارقة واضحة: ففي الوقت الذي تعتمد فيه مدريد على الرباط في إدارة الهجرة والأمن، تصفه بعض الخطابات الإسبانية بأنه مسؤول محتمل عن الاضطرابات الحدودية، وخلال أزمة سبتة، ذهبت سرديات سياسية وإعلامية إلى تصوير التدفقات باعتبارها عملية منظمة أو شكلًا من "الابتزاز"، بل اتهم بعضها المغرب باختبار جاهزية الدولة الإسبانية.
وتكشف التحذيرات الإسبانية من احتمال تكرار تدفق المهاجرين نحو سبتة في 15 آب/أغسطس جانبًا آخر من المعادلة، فقد رفعت الدعوات المتداولة عبر شبكات التواصل مستوى اليقظة لدى المفوضية الأوروبية والحرس المدني الإسباني، رغم استبعاد تكرار الأزمة على المدى القصير، خصوصًا مع تشديد الإجراءات الأمنية والعوائق البحرية، غير أن أهمية الاحتمال تتجاوز عدد الوافدين؛ فتجدد الأزمة بعد أسابيع قليلة سيختبر قدرة آليات الاحتواء على منع تكرارها، ويكشف ما إذا كانت قد عالجت الخلل أم اكتفت بتأجيله.
وفي هذا السياق، يواجه المغرب، مع اقتراب انتخاباته التشريعية، مطالب بالتحقيق في ملابسات الأزمة، بينما ستجد إسبانيا والاتحاد الأوروبي نفسيهما أمام اختبار جديد لترتيباتهما الحدودية، ولا يقتصر هذا النموذج على إسبانيا؛ ففي إيطاليا، عززت روما تعاونها مع دول شمال إفريقيا، خصوصًا تونس وليبيا ومصر، لاعتراض مسارات الهجرة قبل وصولها إلى السواحل الإيطالية، عبر المراقبة والتنسيق بشأن عمليات العودة، لكن لجوء الدول الأوروبية إلى إعادة الرقابة على حدودها الداخلية، كما حدث في سياق أزمة سبتة، يكشف حدود هذا النموذج: فعندما لا تبدو ترتيبات الاحتواء الخارجية كافية، تعود الإجراءات الوطنية إلى الواجهة.
وهكذا لم تعد إدارة الهجرة الأوروبية محصورة داخل حدود الاتحاد، بل أصبحت تمتد إلى دول العبور التي تتحمل جزءًا من مسؤولية ضبط التدفقات، غير أن نقل الحدود إلى الخارج لا يلغي الظاهرة؛ فقد يؤدي إغلاق مسار إلى فتح آخر أو دفع المهاجرين إلى طرق أكثر خطورة، بينما تظل الأسباب الاقتصادية والسياسية والمناخية للهجرة قائمة.
هل أصبح العالم أعقد من أن يُحكم بالحلول؟
لا تبدو سبتة حالة معزولة، بل مثالًا على تحول أوسع في طريقة تعامل الحكومات مع الأزمات، فحين يصبح احتواء الهجرة وضبط حدودها أولوية، رغم بقاء العوامل التي تدفع إليها، فإن ذلك يطرح سؤالًا يتجاوز هذه الأزمة: لماذا أصبحت إدارة النتائج أكثر حضورًا من محاولة معالجة الأسباب؟
يرتبط أحد التفسيرات بتعقيد الأزمات المعاصرة وتشابكها، فقد ناقشت ورشة نظمها المركز الأوروبي لدراسات الشعبوية (ECPS) عام 2026، بعنوان "من الشعبوية إلى صراعات القوى العالمية: القيادة والأزمات والديمقراطية"، كيف تواجه الحكومات عالمًا تتداخل فيه الأزمات الاقتصادية والمناخية والجيوسياسية والهجرة، بحيث تنتقل آثار أزمة في مجال إلى مجالات أخرى.
ويشير الباحث روبرت ترايل إلى أن هذا الترابط يجعل الأزمات أشبه بسلسلة متصلة؛ فالتغير المناخي يؤثر في الأمن الغذائي وقد يزيد ضغوط الهجرة، بينما تنعكس الحروب على الطاقة وسلاسل الإمداد والتضخم، لتتحول هذه التداعيات بدورها إلى ضغوط اجتماعية وسياسية.
في مثل هذا السياق، تتقلص قدرة الحكومات على التحكم في النتائج من خلال قرار واحد أو سياسة منفردة، تستطيع إسبانيا ضبط حدود سبتة، لكنها لا تستطيع بمفردها التحكم في الحروب أو الظروف الاقتصادية والمناخية التي تنتج ضغوط الهجرة، لذلك تصبح معالجة النتائج المباشرة أكثر قابلية للتنفيذ من التدخل في سلسلة طويلة من الأسباب المتشابكة.
ويضاف إلى ذلك ضغط العمل السياسي، فالحكومات تواجه رأيًا عامًا سريع التفاعل واستحقاقات انتخابية تجعل النتائج قصيرة المدى أكثر حضورًا، بينما تحتاج الإصلاحات البنيوية إلى سنوات، وفي إسبانيا، تدخل الهجرة وسبتة أيضًا في الاستقطاب السياسي الداخلي، إذ يمكن استخدامهما في الصراع حول أداء الحكومة وعلاقاتها مع المغرب وسياساتها الحدودية.
وهنا تصبح الأزمة أكثر من مشكلة إدارية؛ فهي تتحول إلى مورد في المنافسة السياسية، وكلما ازدادت حساسيتها لدى الناخبين، ارتفعت قيمة الخطابات التي تقدم إجراءات سريعة وقابلة للقياس، حتى عندما لا تمتلك القدرة على تغيير العوامل التي أنتجت الأزمة.
وتكشف سبتة، في هذا السياق، كيف تتداخل إدارة الأزمة مع الحسابات السياسية اليومية، فالحكومة مطالبة بإظهار قدرتها على ضبط الحدود والاستجابة السريعة، بينما تتحرك معالجة أسباب الهجرة ضمن أفق زمني أطول بكثير، وبين ضغط اللحظة السياسية وبطء الإصلاحات، تصبح الإجراءات القابلة للقياس أكثر حضورًا في تقييم أداء الحكومات.
لا تبدو سبتة حالة معزولة، بل مثالًا على تحول أوسع في طريقة تعامل الحكومات مع الأزمات، فحين يصبح احتواء الهجرة وضبط حدودها أولوية، رغم بقاء العوامل التي تدفع إليها، فإن ذلك يطرح سؤالًا يتجاوز هذه الأزمة
السياسة في زمن الأزمات الدائمة
إذا كانت الأزمات لم تعد أحداثًا استثنائية، فإن التغيير لا يطال طريقة التعامل معها فقط، بل معيار النجاح السياسي نفسه، فالحكومات لم تعد تعمل في انتظار عودة الاستقرار، وإنما في بيئة تتطلب استعدادًا دائمًا للتعامل مع أزمة جديدة قبل انتهاء سابقتها، من الحروب والنزاعات إلى أزمات الطاقة والغذاء والهجرة والمناخ.
في هذا السياق، تبرز مفاهيم مثل "المرونة" و"إدارة المخاطر" و"الاستجابة السريعة" بوصفها مؤشرات على كفاءة الدولة، ولا يعود المطلوب دائمًا إنهاء الأزمة، بل الحفاظ على قدرة المؤسسات والمجتمع على امتصاص صدماتها ومنعها من التحول إلى انهيار أوسع، وهنا تصبح إدارة الخطر وظيفة مستمرة، لا إجراءً مؤقتًا ينتهي بانتهاء الأزمة.
لكن هذا التحول يغيّر أيضًا علاقة السياسة بفكرة الحل، فإذا أصبحت الحكومات تقيس نجاحها بقدرتها على إبقاء الأزمات تحت السيطرة، فقد يصبح استمرارها ضمن مستويات يمكن إدارتها مقبولًا سياسيًا، حتى مع بقاء أسبابها الأساسية، وفي هذه الحالة، لا تعود المشكلة في غياب الحلول، بل في أن النظام السياسي نفسه يتكيف مع واقع لا يتوقع فيه انتهاء الأزمات.
ومن هنا تبرز المفارقة: قد تكون إدارة الأزمات ضرورة في عالم متقلب، لكنها تصبح مشكلة حين تتحول من مرحلة مؤقتة تتيح الوصول إلى الحل إلى نموذج دائم للعمل السياسي، عندها لا تعود السياسة تسعى فقط إلى تغيير الواقع، بل إلى جعل الأزمات قابلة للإدارة والاستمرار، وربما يكون السؤال الأهم، في هذه الحالة، ليس ما إذا كانت الحكومات قادرة على حل كل أزمة، وإنما ما إذا كانت لا تزال تمتلك تصورًا سياسيًا يتجاوز مجرد إبقائها تحت السيطرة.










