من الجمل إلى الجَمال ومن الناقة إلى الأناقة

من الجمل إلى الجَمال ومن الناقة إلى الأناقة

(Getty) منحوتة مصرية

في كتابه "عبقرية العرب في لغتهم الجميلة" (ص 91) يثير الدكتور محمد التونجي قضية مهمة عند حديثه عن "المجاز" في اللغة، ويقدم أمثلة عديدة على الانتقال من المحسوس إلى المجرد مثلًا: الرجولة من رَجل ورِجل، الرئاسة من الرأس، الوجاهة من الوجه.

انتقلت الكلمات من المحسوس إلى المجرد، مثل: الرئاسة من رأس، والوجاهة من وجه

كما يقدم نبذة لطيفة بعنوان "الحيوان بين الحقيقة والمجاز" (ص 100) يخلص منها إلى أن "الجَمال" يرجع إلى "الجَمل" الحيوان الأثير لدى العربي القريب من حياته، فاستخرج العرب من اسمه الأصلي أحلى الألفاظ وأرقها في العربية فقالوا: جميل، جميلة، جَمل "حسن خَلقًا وخُلقًا"، تجمّل "تزين وتحسن"، جامله "أحسن معاملته وعشرته".

اقرأ/ي أيضًا: هل كان أجدادك بدائيين أم بدئيين؟

والناقة أنثى الجمل، التي لا تقِل "جَمالا" عن زوجها في نظر الأعراب، فقالوا: الأناقة "الحُسن المعجب"، الأنيق "حسن المنظر والفرح والسرور"، تأنق في الأمر "تجود"، تأنق في الكلام "اعتنى بجودته"، أنق "فرح وأحب"، أنق به "أعجب"، وهكذا: الرحمة من "الرحم"، و"العظمة" من "العظم"، والاستفحال من "الفحل"، والظَّفر من "الظُّفر" (ظفر بالشيء ناله أو أمسكه بأظافره)، والذل من "الذيل"، و"الإقدام من "القدم".. إلخ.

وإن كان انتقال المعاني من المحسوس إلى المجرد احتاج إلى رحلة طويلة في تاريخ الفكر البشري، فإن نحت الكلمات لم يكن بالأمر السهل أيضًا، وهذا ما يفتح الأبواب على مصراعيها في تحفيزنا لوضع أي كلمة نقرأ عنها تحت مبضع البحث والجراحة والتنقيب في تاريخها لنعرف تاريخ ظهورها الشيق، لأن اللغة وكلماتها هي منجم للمعادن المعرفية الثمينة كما أنها أشبه بأطلال، على المنقب اللغوي فيها أن يبحث عبرها عن تاريخ يختبئ في رحم التراب.

هذا الأمر ليس سهلًا فقد أدى تبادل المعتقدات الدينية والفكرية واللغوية في حالات الغزو والتجارة والسياسية بين أهل الشمال والجنوب إلى امتزاج الثقافات والحضارات، وأدى إلى الخلط الذي يصعب على الباحث فك تعقيداته وهو يدرس التاريخ القديم لتلك المعتقدات والافكار، فالثقافة الشعبية تحاول دائمًا المحافظة على نفسها أمام الموجات الفكرية القادمة إليها، وكحلٍّ من حلولها المبدعة تمزج الثقافات الجديدة بقوالبها الفكرية القديمة فتنتج ثقافات أخرى قد يبدو للوهلة الأولى أن لا صلة لها ببعضها البعض، ولكنها في الحقيقة تكون نتيجة مذهلة لذلك الامتزاج السحري والبديع بين الأفكار والمعتقدات، فمثلًا علاقة الديانات الشمسية لأهل الشمال بالديانات القمرية لأهل الجنوب، والرموز الدينية لكل منهما، وتشابهها المحير الذي نجده في صميم معتقدها، وكذلك تقسيم الشهور والأيام والسنين، لن نخوض في هذا الأمر هنا على أهميته إلا من الزاوية التي تهمنا وهي الامتزاجات اللغوية.

اللغة وكلماتها منجم للمعادن المعرفية الثمينة، على المنقب اللغوي أن يبحث عبرها عن تاريخ يختبئ في رحم التراب

سأسوق من كتاب بهجت القبيسي الشيق "فقه اللهجات العربيات" مثلًا يمكن أن نتبين من خلاله الدور السحري لامتزاج الثقافات ومثالنا سيدور حول اشتقاق كلمة العصفور فهو: 
في الآكادية: إصّر.
في الأوجاريتية: عصّور
وفي السريانية والآرامية: صفور.
وهكذا نجد كيف أن اللهجة العدنانية ضمت اللهجات العربيات الشماليات (الأكادية والأوجاريتية والسريانية) في جذرها المركب الرباعي المؤلف من: إصوروم (أكادية) + عصّور (أوجاريتية) + صفورو (سريانية) = عصفور (عدنانية).

اقرأ/ي أيضًا: نبيل الملحم: أغار من عبد الباسط الساروت

طبعًا يضاف إلى ما سبق أن "نفرور على وزن عصّور أو عصفور" في اللغة الكنعانية تطلق على كل عصفور صغير كما سنرى، ولكن لنترك للعالم اللغوي الكبير الدكتور علي فهمي خشيم في كتابه "القبطية العربية" (ص 103) المجال كي يكمل لنا رحلة الكلمات الشيقة في طريقها من المحسوس إلى المجرد، وهو يبحث هنا في اشتقاق معنى الحسن والجمال الذي يعنيه اسم "نفرتيتي" وكيف تم اشتقاقها من كلمة العصفور أو النفرور.

فكلمة "نفر" تتردد كثيرًا في النصوص المصرية وتترجم عادة بأنها تعني: جميل، جيد، طيب، ممتع، ممتاز، لطيف، رائع، حلو، سعيد، هانئ، نقي، شفي من مرض.. إلخ.. وفي لغة العرب فإن كلمة النفارير تعني: العصافير. وجاءت النفارير والنفائر بصيغة الجمع بمعنى العصافير. فالنفر -قياسًا- هو: "نفرور" بوزن "شحرور" وهذه صيغة مبالغة "فعلول" والجذر: نَفَرـ ومنه "النفر" الذي صار "نفرور" كما تحول إلى "شحرور". فما هو هذا "النفر"، أو "النفرور"؟ وما علاقته بالعصافير؟

هنا تعيننا الكنعانية، فنجد فيها: "ن ف ر" = طائر الدوري وتطلق على كل عصفور صغير، كما يقول الدكتور أنيس فريحة في كتابه "ملاحم وأساطير" (ص 677).

وأما في اللغة الأمازيغية "البربرية" فنجده فيها في صورة "أبو نفرو" و"أبو نْفِريُو"، ومعناه "صاحب الجمال" وهو في اللغة الفرنسية pinson طائر "الصغنج" العصفور المغرد، ويترجم إلى العربية "البرقش أو الشرشور على وزن فعلول. وهو في الإنجليزية finch "طائر الدُّجّ أو البرقش أو الشرشور"، أي عصفور مغن.

وفي اللهجة العامية الليبية، يسمى هذا العصفور الصغير "فِرّو"، وهو عصفور صغير مصوت يكثر في مزارع الحبوب وخاصة الدّخن. (وهنا ألفت إلى أنه في لغة أهل الشام هو الفرّي وله موسم صيد شهير في فصل الصيف)، وهذا يقودنا إلى الأصل الحسي البعيد لتسمية هذا العصفور، إذ الأرجح أنها من "فِر" صوت جناح الطائر الصغير حين يطير فجأة، أو حين "يفرّ" وقدـ سبقتها في المصرية نون الإضافة "ن= ذو/of"، فكانت "ن ف ر"، والأمر نفسه في الكنعانية، وكذلك في الأمازيغية "نفرو" التي زادت عليها كلمة "أبو" فكانت "أبو نفرو"، أما في العربية فقد كانت في صيغة المبالغة "نفرور".

عندما يقال نفر القوم يُفهم أنهم تشتتوا، كما يفهم أيضًا أنهم تجمعوا للنفرة ولمساعدة صاحب الحاجة

والأمر على كل حال قريب بعضه من بعض، فإن "فرّ" غير بعيدة من "نَفر" و"الفرار" و"النفير"، وهما أمران فيهما معنى الضجة والجلبة والصوت، وإن كان الأول هربًا من العدو والثاني لقاء له، بحسب تطور الأدلة. 

اقرأ/ي أيضًا: سجع الكهان.. 600 عام من نزول القرآن

بذا، فيما نحسب، نصل بغيتنا كما يقول الدكتور خشيم، فهل هناك أجمل وآنق وألطف، وربما أطيب وأسعد، من هذا العصفور الصغير، سمه ما شئت، دوريًا أو شرشروًا أو برقشًا أو دجًا. وجميعها تعني النفرور، ومن أسعد حالًا منه في حريته وانطلاقته وصوته المغرد؟ هل نعجب أن يصبح رمزًا للحس والبهاء والسعادة وقد رأينا أن الجميل من "الجمل" و"الأنيق" من "الناقة"، فهل غريب بعد هذا أن يكون "ن ف ر" في مصريته القديمة فتلقب به "نفرتيتي"، وهي تلك العصفورة النفرورة الحلوة، قرينة إخناتون الذي أطلق هو على نفسه لقب "ن ف ر".

يتابع خشيم في كتاب آخر له بعنوان "البرهان على عروبة اللغة المصرية القديمة"، وهو معجم عربي هيروغليفي، في الصفحة 796 أن كلمة "نفرت" مؤنث "نفر" بإضافة تاء التأنيث تعني: شيء حسن أو جميلة، رفاه، سعادة، توفيق". ويقول خشيم: الأغلب أن الدلالة الحسية لهذه المعاني المجردة كانت لشيء لطيف رقيق جميل حسن، كالعصفور، فـ"نفر" بمعنى الجميل "الطيب" كان لقب من ألقاب الإله "أوزيريس"، والنفري هو الحسن والجميل، و"نفرو" الطيبون أو السعداء لقب للأموات، و"نفر" بيت الجمال، واسم للقبر، ونفريت "الربة الجميلة الجميلة الطيبة، الربة العذراء"، وهنا أيضًا من معاني نفرتيتي.. و"نفرت": قيثارة: من نفرو عصفور لصفوته.

وانطلاقًا من هذه المعاني الموجودة في المعجم الهيروغليفي، يكون تفسير اسم "نفرت تي تي" يعني "الربة العذراء أتت"، أو "الجميلة الحسناء أتت"، فكلمة دي أو تي تعني عجل خطاه وأسرع، كما في اللغة السريانية واللغة الهيروغليفية، ومنها المثل السوري القديم "تي تي تي تي متل ما رحتي متل ما جيتي"، أي "تعجلتي تعجلتي وعدتِ بلا شيء".

وزيادة على ما يقوله عالم اللغويات فهمي خشيم، فإنه من الواضح أن كلمة نفر بتحولها من المعنى الحسي "العصفور" إلى المعنى المجرد "النفر"، أخذت في معانيها المجردة سلوك العصافير بمعنى أن كلمة "نفر" التي تعني في لغة العرب التّفرق، تعني أيضًا معنى "هب لنجدتهم" أي تفيد معنى التضامن والجمعة، وعندما يقال نفر القوم يُفهم أنهم تشتتوا، كما يفهم أيضًا أنهم تجمعوا للنفرة ولمساعدة صاحب الحاجة، وذلك حسب المعنى الدلالي المراد للكلمة إيصاله، فالنفير في لغة العرب هم الجماعة من الناس أيضًا.. والنفير الدعوة للتجمع والتوحد لصد هجوم العدو.

اسم "نفرت تي تي" يعني "الربة العذراء أتت" أو "الجميلة الحسناء أتت"، فكلمة دي أو تي تعني عجل خطاه وأسرع

ومما سيصيبنا بالدهشة علاقة كلمة النفر بدلالتها المحسوسة والمجردة بكلمة عصفور، وهو ما لم يلتف له علماء اللغة، فقد تحولت كلمة عصفور بحد ذاتها من عوالم محسوس إلى عالم المجرد، وتلونت بذات المدلولات التي صارت عليها كلمة "النفرور" في اللغات القديمة، إذ نجد في لسان العرب كلمة "صعفر"، وهي قلب لكلمة "عصفر" الجذر الرباعي لكلمة عصفور، وتعني حرفيًا "نفرت وتفرقت"، ومنها "اصْعَنْفَرَت الإبل: أجدّت في سيرها، واصعنفر إذا نفر.. والعصفر صبغ للثياب له لون غاية في الجمال يتداخل فيه اللون الأصفر والأحمر بمزيج غاية في الجمال ويبدو من يرتديه ملون كالعصافير، ويستخدم العصفر اليوم أيضًا في تلوين اللبن والأرز.

اقرأ/ي أيضًا: علم النفس.. تأسيس إسلامي

نصل الآن إلى ذلك الامتزاج البديع الذي سيزيل كل الاستغراب من عملية التنقيب الطويلة لإيجاد العلاقة السحرية بين الجمال والعصافير، وهنا ندخل إلى عوالم الأساطير العربية السحرية وأخبارهم إذ نجد في التراث العربي ما اشتهر بتسميته بـ"عصافير المنذر"، حيث كان للنعمان بن المنذر جِمال ذات سنامين يقال لها عُصْفورِيٌّ، وهي من نجائب الإبل عليها ريش ليعلم الجميع أنها من عطايا الملوك. وهكذا ازاداد الجَمال جَمالًا، فالعصافير هي الجِمال إذا ازدادات جَمالًا، وهل من تجريد في اللغة أروع وأعظم مما نجده في هذه المعاني العربية، على الرغم من عدم استخدامنا لها اليوم إلا أنها كانت تجارب لغوية شيقة أضفت المتعة والحيوية على عالم الكلمات، خلال رحلة "الاصطفاء الطبيعي" للكلمات والمعاني في لغتنا، التي تتبدل أحوالها وأشكالها كما البشر عبر العصور؟

وبهذا المعنى فإن كلمة العصافير والنفارير في رحلتها من اللغة المحسوسة إلى المجردة، تحمل كالجِمال والناقة معاني الجَمال والجاذبية والأناقة، بمكافآت لغوية بديعة كما في السماء كذلك على الأرض.

اقرأ/ي أيضًا:

"الله الصمد".. من نقوش أوغاريت إلى القرآن الكريم

تاريخ كلمة "لي لي ليش" وحقيقة معبد "لالش" الأيزيدي