من "الجدار الحديدي" إلى "الجدار الدولي": تحولات العقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية
13 يونيو 2026
هل تمثل هذه الحروب المتعددة خروجًا عن العقائد التقليدية الإسرائيلية أم أنها تعبير جديد عنها؟ مع تعدد جبهات المواجهة الإسرائيلية خلال السنة الأخيرة لتنطلق من غزة إلى لبنان وتأخذ المواجهة الأقوى مع إيران، يعود سؤال قديم يتعلق بالأسس الفكرية التي تحكم السلوك الاستراتيجي الإسرائيلي، خاصةً فيما أطلق عليه استراتيجية "الجدار الحديدي" نسبةً إلى مقال زئيف جابوتنسكي حول آليات التعامل مع الوجود الفلسطيني.
تحول عقيدة الردع إلى إطار مفسِّر للسياسة الإسرائيلية
حين نشر زئيف جابوتنسكي، وهو أحد أبرز قادة التيار الصهيوني التصحيحي، مقالته الشهيرة "الجدار الحديدي" عام 1923، شدد على التزامه بمبدأ المساواة في الحقوق بين مختلف القوميات داخل الدولة الواحدة، غير أن هذه المقدمة لا تمثل جوهر أطروحته بقدر ما تمهد للانتقال إلى السؤال المركزي الذي يشغل المقال كله: هل يمكن تحقيق أهداف الحركة الصهيونية بالوسائل السلمية؟
لذا لم يبدأ جابوتنسكي بالدفاع عن القوة أو بتبرير الصراع، بل بمحاولة نفي الاتهامات الموجهة إليه باعتباره معاديًا للعرب أو داعيًا إلى طردهم من فلسطين. كما يؤكد جابوتنسكي منذ البداية أنه لا يرى إمكانية لإقصاء العرب من البلاد، وأن فلسطين ستظل تضم جماعتين قوميتين.
ويجيب جابوتنسكي عن هذا السؤال من خلال التمييز بين نوايا الحركة الصهيونية وموقف العرب منها، فالمشكلة في نظره لا تتعلق بما يريده اليهود لأنفسهم أو بما يعدون بمنحه للعرب من حقوق، وإنما تتعلق بالطبيعة السياسية للصراع ذاته، إذ يفترض أن أي شعب يواجه مشروعًا استيطانيًا أو تحولًا جذريًا في ميزان القوى داخل أرضه سوف يقاومه بصورة طبيعية، بغض النظر عن الضمانات أو الوعود المقدمة له.
لا ينظر جابوتنسكي إلى القوة باعتبارها غاية نهائية، بل باعتبارها أداة سياسية لإنتاج شروط التفاوض، فـ"الجدار الحديدي" ليس مجرد تحصين عسكري، وإنما حالة من التفوق والردع تجعل الطرف المقابل يدرك أن استمرار المواجهة لن يؤدي إلى تغيير النتيجة الأساسية للصراع
فالتسوية ليست مستحيلة من حيث المبدأ، لكنها مستحيلة ما دام الطرف العربي يعتقد أن بإمكانه منع المشروع الصهيوني أو إيقافه، لذلك فإن الشرط المسبق لأي اتفاق سياسي، وفق هذا التصور، هو خلق واقع من القوة يجعل المقاومة غير قادرة على تحقيق أهدافها، وعند هذه النقطة بالتحديد يصبح التفاوض ممكنًا، ليس نتيجة التفاهم المسبق، بل نتيجة الاقتناع باستحالة تغيير الوقائع القائمة بالقوة.
بهذا المعنى لا ينظر جابوتنسكي إلى القوة باعتبارها غاية نهائية، بل باعتبارها أداة سياسية لإنتاج شروط التفاوض، فـ"الجدار الحديدي" ليس مجرد تحصين عسكري، وإنما حالة من التفوق والردع تجعل الطرف المقابل يدرك أن استمرار المواجهة لن يؤدي إلى تغيير النتيجة الأساسية للصراع.
ومن هذه الفرضية انطلقت إحدى أكثر الأفكار تأثيرًا في الفكر الأمني الإسرائيلي خلال القرن العشرين، وهي الفكرة التي ستتطور لاحقًا من مجرد تصور نظري إلى أحد المرتكزات الرئيسية للسلوك الاستراتيجي الإسرائيلي، وذلك حتى بعد "قيام الدولة"، ولهذا يصعب النظر إلى "الجدار الحديدي" باعتباره مجرد مقالة سياسية كُتبت في عشرينيات القرن الماضي؛ إذ سرعان ما تحول إلى إطار نظري استمر تأثيره في تشكيل تصورات الأمن والصراع داخل إسرائيل لعقود طويلة.
تعدد الجبهات وإعادة بناء السردية الأمنية الإسرائيلية
لذلك، وبعد هجمات السابع من أكتوبر 2023، تشكلت نقطة تحول عميقة في البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها إسرائيل، فبعد عقود من إدارة الصراع عبر الفصل النسبي بين الساحات المختلفة، وجدت نفسها أمام واقع تتداخل فيه جبهات غزة ولبنان واليمن، مع حضور إيراني غير مباشر في خلفية المشهد في بداية الأحداث، إلى أن أصبح واقعًا في الأشهر الأخيرة.
وفي حين نظر كثير من المراقبين إلى هذا التعدد بوصفه تحديًا غير مسبوق لمنظومة الردع الإسرائيلية، فإن القراءة الإسرائيلية الرسمية سعت إلى تقديمه بصورة مختلفة؛ لا باعتباره دليلًا على فشل العقيدة الأمنية، بل باعتباره تأكيدًا على صحة فرضياتها الأساسية.
في هذا السياق جرى إعادة صياغة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي داخل إطار أوسع يتجاوز حدوده التقليدية. فبدل تقديم الحرب على غزة باعتبارها مواجهة مع حركة فلسطينية محلية، أصبح الخطاب الإسرائيلي يربطها بمنظومة إقليمية متكاملة تضم حزب الله في لبنان، والفصائل الحليفة لإيران في العراق، وجماعة الحوثيين في اليمن، وصولًا إلى إيران نفسها بوصفها المركز السياسي والعسكري لهذه الشبكة.
وبهذه الصياغة الجديدة لم تعد إسرائيل تواجه خصمًا واحدًا، بل ما تصفه بـ"محور متعدد الأذرع والامتدادات"، لذا أتاح هذا التحول للسردية الإسرائيلية تحقيق عدة أهداف في آن واحد. فمن جهة، نقل مركز النقاش الدولي من قضية الاحتلال والصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى قضية الأمن الإقليمي والاستقرار الدولي.
ومن جهة أخرى، عزز قدرة إسرائيل على حشد الدعم السياسي والعسكري من حلفائها الغربيين عبر تصوير المواجهة بوصفها جزءًا من صراع أوسع يتعلق بأمن الشرق الأوسط وممرات التجارة الدولية ومنظومة التحالفات الغربية في المنطقة. وهكذا تحولت تعددية الجبهات، التي كان من الممكن أن تُقرأ كعلامة على اتساع دائرة التهديدات، إلى عنصر داعم لخطاب أمني يمنح إسرائيل شرعية أوسع للتحرك العسكري.
ويبدو هذا التحول متسقًا مع المنطق الذي طرحه جابوتنسكي قبل قرن من الزمن، فـ"الجدار الحديدي" لم يكن مجرد وسيلة لهزيمة الخصم عسكريًا، بل أداة لإقناعه بأن تغيير الواقع بالقوة أمر مستحيل. غير أن النسخة المعاصرة من هذه العقيدة لم تعد تستهدف الخصم المباشر وحده، بل تسعى أيضًا إلى إقناع المجتمع الدولي بأن إسرائيل تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة تهديدات إقليمية أوسع.
فلم تعد القوة العسكرية تُستخدم فقط لإنتاج الردع، بل لإنتاج سردية سياسية وأمنية قادرة على استقطاب التأييد الخارجي وتوسيع شبكة الدعم الدولي، وبهذا يمكن النظر إلى تعدد الجبهات بوصفه لحظة أعادت فيها إسرائيل بناء خطابها الأمني بما يتجاوز حدود الصراع التقليدي مع الفلسطينيين.
فكلما اتسعت ساحات المواجهة ازدادت قدرة هذا الخطاب على ربط النزاعات المختلفة ضمن إطار استراتيجي واحد، الأمر الذي أسهم في تحويل العقيدة الأصلية للجدار الحديدي من مشروع ردع محلي إلى رؤية أشمل تستند إلى تداخل القوة العسكرية مع التحالفات الدولية وإدارة السردية السياسية على المستوى العالمي.
الجدار الدولي: التحالفات والشرعية كامتداد للقوة
إذا كان "الجدار الحديدي" في صيغته الأصلية يقوم على بناء ميزان قوى يجعل الخصم عاجزًا عن تغيير الواقع بالقوة، فإن التحولات التي شهدها النظام الدولي خلال العقود الأخيرة دفعت إلى توسيع مفهوم القوة ذاته، فلم تعد القدرة العسكرية وحدها كافية لضمان التفوق أو إدارة الصراع طويل الأمد، بل أصبحت الشرعية الدولية والتحالفات السياسية والدعم الاقتصادي والتعاون الاستخباراتي عناصر لا تقل أهمية عن القوة الصلبة في ترسيخ موازين القوى القائمة.
في هذا السياق يمكن ملاحظة أن إسرائيل لم تكتفِ خلال الحرب الأخيرة باستخدام تفوقها العسكري، بل عملت بالتوازي على بناء شبكة دعم دولية واسعة النطاق. فقد تحركت الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية لتوفير دعم عسكري ولوجستي واستخباراتي مباشر، وهذا لم يكن غريبًا في سياق تطور الأحداث، حيث حرصت هذه الدول على التفوق النوعي لإسرائيل على مدار عقود.
وفي تلك الأثناء كان على الولايات المتحدة وإسرائيل العمل على إعادة تأطير الحرب ضمن منظومة مصالح استراتيجية أوسع تستوعب أولويات الحلفاء الغربيين، فالدفاع عن إسرائيل لم يُقدَّم فقط باعتباره "التزامًا سياسيًا أو أخلاقيًا"، بل ارتبط أيضًا بأمن الممرات التجارية الدولية، واستقرار أسواق الطاقة، والحفاظ على توازنات القوة في الشرق الأوسط.
فضلًا عن ارتباطه غير المباشر بالصراع الأوسع بين الغرب وخصومه الدوليين، سواء في سياق الحرب الروسية الأوكرانية أو في إطار التنافس العالمي على النفوذ. وهكذا نشأ نوع من التداخل بين المصالح الإسرائيلية المباشرة والأهداف الاستراتيجية الأوسع للمعسكر الغربي.
وذلك من خلال تأطير إسرائيل للخسائر الاقتصادية بأزمة مضيق هرمز أو أزمة الطاقة في الحرب الروسية الأوكرانية كحجة تقدمها للعالم، حيث نجد أن إسرائيل تمثل وحدها، حيث يبلغ حجم التجارة السلعية بين الجانبين نحو 45 مليار يورو (نحو 51 مليار دولار)، بما يعادل 32% من إجمالي تجارة إسرائيل مع العالم، وعلى الجانب الآخر تسعى أوروبا إلى الاعتماد على مصادر الغاز الإسرائيلي المستخرج من شرق المتوسط كبديل لتقليل الاعتماد على الغاز الروسي.
وهو ما يخلق درجة متزايدة من التشابك بين المصالح الأوروبية والإسرائيلية، الأمر الذي قد يحد من هامش المناورة السياسية لدى بعض الحكومات الأوروبية كلما ارتبطت اعتبارات الأمن والطاقة والاستقرار الإقليمي باستمرار هذا التعاون.
لذا شهدت المنطقة عمليات تنسيق أمني غير مسبوقة لمواجهة التهديدات القادمة من أكثر من ساحة، وبذلك لم يعد الجدار الذي يحمي إسرائيل مكوّنًا من الجيش وأنظمة الدفاع الجوي فقط، بل من منظومة أوسع تضم قوى دولية وإقليمية تشارك في حماية التوازن الاستراتيجي القائم.
هذا التطور يعكس تحولًا مهمًا في وظيفة القوة، ففي حين كان جابوتنسكي يتحدث عن "جدار حديدي" يفرض نفسه على الخصم المحلي، أصبح الجدار المعاصر يعتمد على إنتاج توافق دولي حول الرواية الأمنية الإسرائيلية، فكلما نجحت إسرائيل في ربط خصومها المحليين والإقليميين بشبكة تهديدات أوسع، ازدادت قدرتها على حشد التأييد السياسي والعسكري والمدني من شركائها الدوليين. وهكذا أصبحت السردية الأمنية جزءًا من أدوات القوة نفسها، وليست مجرد خطاب موازٍ لها.
غير أن إعادة بناء "الجدار الحديدي" في صورته الدولية لم تكن عملية تلقائية أو خالية من التحديات، فبينما حققت إسرائيل مكاسب مهمة على مستوى إعادة ترميم الردع وتوسيع دائرة المواجهة لتشمل أطرافًا إقليمية متعددة، وجدت نفسها أمام معضلة جديدة تتمثل في ضرورة إنتاج شرعية سياسية وأخلاقية تتجاوز حدود التحالفات الحكومية التقليدية.
فالحرب الحديثة لم تعد تُحسم في ساحات القتال وحدها، بل أصبحت مرتبطة بقدرة الأطراف المتصارعة على التأثير في الرأي العام العالمي وإقناع المجتمعات المدنية بشرعية أهدافها ووسائلها، لذا تحول الصراع على السردية إلى جبهة موازية لا تقل أهمية عن الجبهات العسكرية.
إذا كان "الجدار الحديدي" في صيغته الأصلية يقوم على بناء ميزان قوى يجعل الخصم عاجزًا عن تغيير الواقع بالقوة، فإن التحولات التي شهدها النظام الدولي خلال العقود الأخيرة دفعت إلى توسيع مفهوم القوة ذاته
التحالفات الإقليمية: في محاولة خلق أكثر من "جدار حديدي"
هذا الواقع خلق مأزقًا مستمرًا لكل من واشنطن وتل أبيب، فمن جهة كان مطلوبًا الحفاظ على الدعم الدولي وتجنب اتساع نطاق الحرب إلى مواجهة إقليمية أو عالمية مفتوحة، ومن جهة أخرى كان لا بد من الإبقاء على مستوى كافٍ من الضغط العسكري لتحقيق أهداف الردع.
ولذلك لم تتخذ المواجهة شكل حرب عالمية تقليدية بين تحالفات متقابلة، بل تحولت إلى نمط أكثر تعقيدًا يمكن وصفه بحرب دبلوماسية باردة متعددة الجبهات؛ تتداخل فيها العمليات العسكرية المحدودة مع العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية والمعارك الإعلامية والتحركات الدبلوماسية المتنافسة.
وفي المقابل، أتاح هذا النمط من الصراع فرصًا غير متوقعة لإعادة تشكيل العلاقات الإقليمية، فقد دفعت المخاوف المشتركة من اتساع الحرب عددًا من القوى الإقليمية إلى البحث عن صيغ جديدة للتنسيق أو الوساطة أو إدارة الأزمات.
لذا برزت أيضًا تحالفات ظرفية وغير محسوبة بالكامل بين أطراف تختلف في توجهاتها السياسية لكنها تتقاطع في رغبتها بمنع الانفجار الشامل، وإلى جانب ذلك ازدادت أهمية الأدوات الدبلوماسية الخشنة مثل المصالح واستغلال العقوبات وتقديم الدعم الاقتصادي أو الاستراتيجي بوصفها وسيلة لإدارة التوترات واحتواء تداعياتها، الأمر الذي منح المسارات السياسية وزنًا أكبر مما كان عليه الحال في نماذج الحروب التقليدية.
ومن ثم فإن مفهوم "الحرب الشاملة" ذاته بات بحاجة إلى إعادة نظر، فالعالم المعاصر لا تحكمه كتلتان واضحتان كما كان الحال في القرن العشرين، ولا تتحدد الصراعات فيه عبر جدار حديدي واحد يفصل بين معسكرين متواجهين، بل أصبح المشهد أقرب إلى تعدد جدران الردع والتحالفات والمصالح المتقاطعة.
حيث تتداخل القوة العسكرية مع الدبلوماسية والاقتصاد والإعلام في شبكة معقدة من التفاعلات، وفي هذا السياق تبدو العقيدة الإسرائيلية المعاصرة محاولة للتكيف مع عالم لم يعد فيه "الجدار الحديدي" مجرد حاجز عسكري، بل جزءًا من منظومة عالمية أوسع لإدارة الصراع وإعادة تشكيل الموازين العالمية.
لذا، فإن هذا التحول يطرح في الوقت ذاته تساؤلات حول حدود فعالية هذا النموذج، فـ"الجدار الحديدي" الأصلي كان يفترض أن الردع سيقود في نهاية المطاف إلى تسوية سياسية بعد اقتناع الخصم باستحالة تحقيق أهدافه بالقوة، أما في نسخته المعاصرة فإن الاعتماد المتزايد على التحالفات الدولية والدعم الخارجي قد ينجح في إدارة الصراع واحتوائه، لكنه لا يضمن بالضرورة معالجة أسبابه السياسية العميقة.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يواجه العقيدة الإسرائيلية اليوم: هل يمكن للجدار الدولي أن ينتج استقرارًا دائمًا، أم أنه يكتفي بإعادة إنتاج موازين القوة التي تؤجل الانفجار المقبل؟