من التوثيق إلى الاتهام المباشر.. ماذا كشف تقرير "أمنستي" عن الفاشر؟
6 يوليو 2026
تناول تقريري "هيومن رايتس ووتش" و"أمنستي إنترناشيونال" حصار الفاشر وتداعيات سيطرة قوات الدعم السريع عليها، في مقاربة تشبه ما فعله الكاتبان السودانيان منصور الصويم في روايته "تخوم الرماد"، وعبد العزيز بركة ساكن في "مسيح دارفور". فإذا كان الصويم قد هندس بناء الكارثة وتنبأ بجذورها بوعي اجتماعي صارم، فإن بركة ساكن فجّر هذا البناء وكتب بدم وعرق الضحايا صرخة احتجاجية سريالية ضد وحشية الإبادة.
ربما كان لعامل الزمن بين التقريرين أثر واضح في بنية ومحتوى كل منهما. إذ سبقت "هيومن رايتس ووتش" بنشر تقريرها الأول مباشرة بعد دخول قوات الدعم السريع إلى عاصمة ولاية شمال دارفور، الفاشر، في 29 تشرين الأول/أكتوبر 2025، أي بعد أيام قليلة من سقوط المدينة. وجاء التقرير أوليًا، معتمدًا بدرجة كبيرة على تحليل الفيديوهات والشهادات العاجلة، قبل أن تُلحقه المنظمة بدعوة إلى عقد جلسة خاصة في مجلس حقوق الإنسان في 12 شباط/فبراير، ثم بمقابلات وتحليلات إضافية حول نتائج التحقيقات. ويمكن اعتباره أول توثيق دولي شامل للفظائع التي أعقبت سقوط الفاشر.
جاء تقرير "أمنستي" أكثر تحديدًا في كثير من المحاور التي تناولها مقارنة بتقرير "هيومن رايتس ووتش"، إذ انتقل من مربع جرائم الحرب إلى الجرائم ضد الإنسانية بصورة أكثر تفصيلًا
في المقابل، نشرت "أمنستي إنترناشيونال" تقريرها في مطلع هذا الشهر، بفارق زمني يقارب نصف عام، لكنه جاء بعد تحقيق امتد لثمانية أشهر، واستند إلى 247 مقابلة، وصور أقمار صناعية، وتحليل 89 مقطع فيديو. كما تضمن تكييفًا قانونيًا أكثر تفصيلًا، صنّف الجرائم ضمن إطار الجرائم ضد الإنسانية، وحدد أسماء قادة ميدانيين يُشتبه في مسؤوليتهم. ويغطي التقرير الفترة الممتدة من مطلع عام 2024 حتى ما بعد السيطرة الكاملة على الفاشر في تشرين الأول/أكتوبر 2025، وصولًا إلى مطلع عام 2026، ما يجعله تحقيقًا استقصائيًا موسعًا موجّهًا لدعم مسارات المساءلة الدولية.
ما الجديد؟
يتفق التقريران في سرد الوقائع الأساسية، من حصار المدينة ومنع المساعدات الإنسانية، إلى قتل المدنيين والهجمات على المخيمات والاستهداف الإثني، غير أن الفارق يكمن في التوسع في الأدلة، وتحديد المسؤوليات الفردية، وتقديم تكييف قانوني أكثر عمقًا.
وقد بدا تقرير "أمنستي" أكثر تحديدًا في كثير من المحاور، إذ انتقل من توصيف جرائم الحرب إلى توصيف الجرائم ضد الإنسانية بصورة أوضح. فبينما ركز تقرير "هيومن رايتس ووتش" على الحصار والهجمات العشوائية وقتل المدنيين ومنع المساعدات واحتمال ارتكاب جرائم حرب، قدّم التقرير الآخر توصيفًا مفصلًا للانتهاكات، شمل الإبادة، والاسترقاق، والاستعباد الجنسي، والاضطهاد الإثني، والسجن غير المشروع، والتعذيب. ويُعد هذا التحول تطورًا قانونيًا مهمًا، إذ لا يشترط إثبات الجرائم ضد الإنسانية وجود معارك مباشرة، بل يكفي إثبات وجود سياسة ممنهجة تستهدف المدنيين.
ومن أبرز ما أضافه التقرير التوسع في توثيق الاستعباد الجنسي، إذ لم يكتف بسرد حوادث العنف، بل قدّم توصيفًا قانونيًا دقيقًا، موضحًا أن النساء اختُطفن واحتُجزن لأسابيع، وأُجبرن على أعمال قسرية، وتعرضن للاغتصاب بشكل متكرر.
وفي ملف الأطفال، ركزت المنظمة على الاستهداف الممنهج للأطفال، وأشارت بشكل قاطع، بعد إجراء مقابلات مباشرة معهم، إلى أنهم لم يكونوا مجرد "أضرار جانبية" للنزاع، بل جرى استهدافهم عمدًا بالقتل، والإصابة، والاغتصاب، والتجنيد القسري، والاختطاف، بمن فيهم الأطفال ذوو الإعاقة، وهو ما يجعل التقرير قريبًا من معايير آلية الأمم المتحدة الخاصة بالأطفال والنزاعات المسلحة.
وفي حين ركزت "هيومن رايتس ووتش" على الهجمات الشاملة ضد المدنيين والانتهاكات العرقية الواسعة، فإن أمنستي أفردت مساحة تحليلية وقانونية خاصة لبحث الأثر النفسي والجسدي المصمم خصيصًا لتدمير جيل الأطفال، وتوثيق ولادات النساء في الملاجئ وتحت القصف.
وفيما يُعد إضافة جديدة، وثق تقرير "أمنستي" صعوبة فرار ذوي الإعاقة واستهدافهم أثناء الهجمات، وسرقة وسائل الحركة، وتأثير الحرب عليهم بصورة خاصة، وهو ما لم تتوسع فيه التقارير التي تناولت تداعيات سقوط مدينة الفاشر.
ولإثبات جريمة الاضطهاد والبعد العنصري للانتهاكات، يذكر التقرير استخدام كلمة "فلنقاي" بوصفها لفظًا عنصريًا يستحضر تاريخ الرق، واعتبرها ليست مجرد شتائم، وإنما دليلًا قانونيًا على وجود نية التمييز الإثني والاضطهاد والاستهداف على أساس الهوية.
يُعد توثيق جرائم أخذ الرهائن مقابل الفدية من الملفات الجديدة التي لم تكن محورًا رئيسيًا في تقارير "هيومن رايتس ووتش"، إذ وثقت أمنستي 45 حالة احتجاز و36 رهينة مقابل فدية، ووجود أطفال بين الرهائن، وتحديد مبالغ الفدية، مما يُعد دليلًا على وجود نية لتحقيق مكاسب مالية.
وفي ملف مأساة السواتر الترابية ومراكز الاحتجاز، وثق التقرير تعرض المدنيين الفارين للحصار والقتل عند شبكة سواتر ترابية تحيط بالفاشر يبلغ طولها 57 كيلومترًا، وتحولها إلى مقابر جماعية وإعدامات ميدانية، مع تقديم شهادات حية ومقاطع لأشخاص احتُجزوا في ظروف قاسية داخل حاويات شحن مغلقة في مراكز محددة، مثل مركز احتجاز "ميناء البري" في الضواحي الشرقية للفاشر.
ومن أهم ميزات تقرير "أمنستي إنترناشيونال" تركيزه على المسؤولية الفردية في الانتهاكات والجرائم، بتحديده أسماء قادة ميدانيين، وهم: اللواء جدو حمدان أحمد محمد، والمقدم عباس خاطر بخيت، والفاتح عبد الله إدريس (أبو لولو)، واتهام كل واحد منهم بأفعال محددة، في وقت تشير فيه "هيومن رايتس ووتش" إلى المسؤولية القيادية بصفة عامة.
في تقاريرها المنشورة، تطالب "هيومن رايتس ووتش" المجتمع الدولي بالضغط السياسي وتشديد العقوبات والمساءلة، بينما أوصت أمنستي في تقريرها الأخير بنشر قوة دولية مستقلة لحماية المدنيين.