من الاحتواء إلى تكريس الأزمة: لماذا لم تنجح تركيا وإيران في حل المسألة الكردية؟
1 أغسطس 2026
هل نجحت المقاربة الأمنية التي تتبناها تركيا وإيران في احتواء المسألة الكردية، أم أنها أسهمت، على العكس، في إعادة إنتاجها؟ فمع كل جولة جديدة من التصعيد، لا تبدو القضية الكردية أقرب إلى الانحسار، بل إلى إعادة التشكل ضمن سياق إقليمي أكثر تعقيدًا، تتداخل فيه الذاكرة التاريخية مع الحسابات الأمنية والتنافس الجيوسياسي. ومن هذا المنطلق، يحاول المقال قراءة الكيفية التي أسهمت بها سياسات الاحتواء نفسها في إعادة صياغة المسألة الكردية، وتحويلها من قضية قومية محلية إلى أحد أكثر ملفات الشرق الأوسط تشابكًا.
المسألة الكردية.. من قضية قومية إلى قضية أمن إقليمي
لم تكن المسألة الكردية، في نشأتها، قضية أمنية بالمعنى المطروح اليوم، بل نتجت عن تشكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط بعد انهيار الدولة العثمانية. فقد أصبح الأكراد أكبر جماعة قومية موزعة بين تركيا وإيران والعراق وسوريا، مما حوّل جغرافيتهم إلى فضاء مقسم بين أربع دول، لكل منها مقاربتها الخاصة لإدارة المسألة الكردية.
وقد رسخت معاهدتا سيفر (1920) ولوزان (1923) هذا الواقع؛ فبينما فتحت الأولى بابًا نظريًا لإقامة كيان كردي، فإن هذا المسار لم يكتمل، إذ أغلقت الثانية هذا الاحتمال وأعادت تثبيت الحدود الجديدة دون الاعتراف بالحقوق القومية للأكراد.
كما اختلفت استجابات الدول الأربع لهذه المطالب؛ إذ اتجهت تركيا وإيران إلى سياسات تقوم على محاولة دمج الأكراد داخل الهوية الوطنية للدولة، في حين شهد العراق، في مراحل لاحقة، أشكالًا محدودة من الاعتراف السياسي والإدارة الذاتية، وإن ظلت محكومة بالصراع والتوتر.
مما أدى تدريجيًا إلى انتقال القضية من المجال السياسي إلى المجال الأمني، فبدلًا من التعامل معها بوصفها نزاعًا حول الحقوق والهوية، أصبحت تُقرأ باعتبارها مصدر تهديد لوحدة الدولة وسلامة أراضيها. ومع كل موجة احتجاج أو تمرد، تعزز هذا التصور، حتى غدت المسألة الكردية جزءًا من العقيدة الأمنية للدول التي يعيش فيها الأكراد.
لم تكن المسألة الكردية، في نشأتها، قضية أمنية بالمعنى المطروح اليوم، بل نتجت عن تشكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط بعد انهيار الدولة العثمانية
وبلغت هذه التحولات ذروتها خلال العقود الأخيرة، مع تصاعد دور التنظيمات الكردية المسلحة، والحروب التي شهدها العراق وسوريا، وما أتاحته من فراغات أمنية أعادت رسم موازين القوى في المنطقة. فإذا كان هذا التحول قد غيّر طبيعة المسألة الكردية، فإن السؤال التالي هو: كيف أسهمت تركيا وإيران في ترسيخ هذا التحول، وهل أدى ذلك إلى احتواء القضية أم إلى إعادة إنتاجها؟
أتراك الجبل.. كيف أعادت الدولة إنتاج المسألة الكردية؟
إذا كان القرن العشرون قد شهد تشكل المسألة الكردية بوصفها قضية قومية نتجت عن إعادة رسم حدود الشرق الأوسط، فإن العقود اللاحقة شهدت تحولًا أكثر عمقًا تمثل في انتقال هذه القضية من المجال السياسي إلى المجال الأمني، وذلك بسياسات أمنية وتشريعية متتابعة وواضحة منذ نشأة الجمهورية التركية.
وذلك عبر بعض الإجراءات التي تمثل أوضحها في حظر بعض التنظيمات السياسية الكردية، وإطلاق توصيفات مثل "أتراك الجبل" في محاولة لإدماج الأكراد داخل الهوية القومية التركية. ولم تكن هذه السياسات مجرد إجراءات ثقافية، بل كانت تعبيرًا عن تصور أمني يرى أن الاعتراف بالهوية يمثل الخطوة الأولى نحو الانفصال.
إلا أن تلك الإجراءات لم تؤدِّ إلى إنهاء الشعور القومي الكردي، بل تزامنت مع تعميق الوعي القومي داخل المجتمع الكردي، خاصة منذ أواخر القرن التاسع عشر، ثم بصورة أكثر وضوحًا بعد تأسيس الجمهورية التركية.
فكل محاولة لدمج الأكراد داخل المشروع القومي التركي كانت تدفع قطاعات أوسع منهم إلى إعادة تعريف أنفسهم بوصفهم جماعة تمتلك تاريخًا ولغة ومصيرًا مختلفًا. وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية؛ فالدولة التي سعت إلى تقليص حضور الهوية الكردية في المجال العام كانت، بصورة غير مباشرة، تدفع نحو ترسيخها.
وقد أخذ هذا التحول بعدًا جديدًا مع ظهور حزب العمال الكردستاني في نهاية السبعينيات، حيث مثّل مرحلة جديدة في تطور الوعي السياسي الكردي، إذ نقل القضية من المطالب المحلية إلى مشروع سياسي أكثر تنظيمًا، كما استفاد الحزب من البيئة الإقليمية المضطربة ومن الدعم الذي تلقاه من بعض الدول، إثر حسابات سياسية مرتبطة بصراعات المنطقة.
وبدءًا من عام 1984 دخلت العلاقة بين الدولة التركية والحركة الكردية مرحلة الصراع المسلح المفتوح. ومنذ ذلك التاريخ أصبحت المقاربة الأمنية هي الإطار الحاكم للسياسات التركية، فقد اعتُبر حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية، كما أُنيط بالمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية التعامل مع الملف الكردي، بينما تراجعت المبادرات السياسية إلى مرتبة ثانوية.
كما أن جولات الحوار التي بدأت في التسعينيات، ثم بلغت ذروتها مع مبادرة السلام عام 2013، لم تحقق هدفها النهائي. فعلى الرغم من مرور أكثر من ثلاثة عقود من المواجهات، وعلى الرغم من التفوق العسكري التركي، فإن الصراع لم يُحسم. ذلك لأن تعريف الدولة لجماعةٍ باعتبارها تهديدًا أمنيًا لا يغيّر سلوكها فقط، بل يغيّر أيضًا الطريقة التي تدرك بها هذه الجماعة نفسها. فالتصنيف الأمني يعيد إنتاج الهوية السياسية، ويحوّل الانتماء الثقافي تدريجيًا إلى إطار للمقاومة.
سقوط جمهورية مهاباد: إيران واستمرارية المقاربة الأمنية
على صعيد آخر، تبنت إيران مقاربة قريبة من التصور التركي، وإن اختلفت أدواتها وسياقاتها التاريخية. فمنذ عهد رضا شاه بهلوي، سعت الدولة الإيرانية إلى مواجهة محاولات إنشاء كيان كردي مستقل، وعلى رأسها جمهورية مهاباد عام 1946، التي لم تعمر طويلًا قبل أن تُسقطها الدولة الإيرانية.
ولم تتوقف المقاربة الأمنية هنا، بل استمرت بأشكال مختلفة بعد قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979. فمنذ السنوات الأولى للثورة دخلت طهران في مواجهات مع الأحزاب الكردية المسلحة، وعلى رأسها الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، ثم مع حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)، الذي برز خلال العقد الأول من الألفية الجديدة.
لذا أخذت المسألة الكردية تتحول تدريجيًا إلى قضية إقليمية، لأن أي تطور داخل إحدى الساحات الكردية كان ينعكس بصورة مباشرة على الساحات الأخرى. ومن هنا، أصبحت إيران تنظر إلى النشاط الكردي خارج حدودها باعتباره امتدادًا محتملًا للتحديات الداخلية، كما لم تعد تركيا تنظر إلى الأكراد داخل حدودها فقط، بل أصبحت تراقب تطورات شمال العراق وشمال سوريا.
وفي سياق متصل، مثلت لحظة احتلال العراق عام 2003 نقطة تحول مهمة في إدراك كل من أنقرة وطهران للمسألة الكردية. فقد أدى انهيار النظام العراقي وصعود إقليم كردستان إلى تصاعد المخاوف من انتقال الطموحات القومية الكردية إلى الداخل التركي والإيراني.
الأمر الذي دفع البلدين إلى تطوير أشكال جديدة من التعاون الأمني. وتشير الدراسة إلى الاتفاق الأمني المبرم عام 2004، والذي صُنّف بموجبه حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية، كما شهد الملف الكردي مستوى أعلى من التنسيق الاستخباراتي بين الطرفين.
وبلغت هذه المقاربة ذروتها بعد استفتاء إقليم كردستان العراق عام 2017، إذ أدى الاستفتاء إلى تقارب ملحوظ بين تركيا وإيران، رغم ما يميز علاقتهما من تنافس إقليمي في ملفات عديدة. فقد جمعهما في هذه اللحظة إدراك مشترك بأن قيام كيان كردي مستقل، أو حتى تعزيز النزعة الانفصالية، يمثل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الداخلي ووحدة أراضيهما.
وهكذا أصبحت المسألة الكردية إحدى النقاط القليلة التي استطاعت تجاوز الخلافات بين البلدين وصناعة أرضية مشتركة للتعاون. غير أن هذه النتيجة تطرح سؤالًا بصورة مباشرة: هل أدى هذا التعاون الأمني فعلًا إلى تقليص المسألة الكردية، أم أنه غيّر فقط شكلها؟
أخذت المسألة الكردية تتحول تدريجيًا إلى قضية إقليمية، لأن أي تطور داخل إحدى الساحات الكردية كان ينعكس بصورة مباشرة على الساحات الأخرى
عندما تتحول الهوية إلى عقدة جيوسياسية
في سياق الصراع، أخذت القوى الكبرى تتعامل مع الأكراد بمنطق المصلحة أكثر من تعاملها مع مطالبهم القومية. فالولايات المتحدة دعمت بعض الفصائل الكردية عندما توافقت مع أهدافها في العراق، وروسيا استخدمت حزب العمال الكردستاني كورقة ضغط على أنقرة.
بينما تعامل الاتحاد الأوروبي مع القضية بوصفها أحد معايير علاقته بتركيا، أما إسرائيل فقد نظرت إلى الملف الكردي من زاوية مختلفة، بوصفه أحد الملفات القادرة على إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة وإضعاف الدول المركزية المحيطة بها.
لذا اكتسب الملف بعدًا إضافيًا مع تصاعد المخاوف التركية من احتمال اتساع النفوذ الإسرائيلي في شمال سوريا، بالتوازي مع تنامي القلق من تعاظم نفوذ القوى الكردية المسلحة في المنطقة، مما أسهم في تعزيز دوافع أنقرة لمواصلة عملياتها العسكرية، انطلاقًا من تصور يرى أن أي تغير في موازين القوى على حدودها الجنوبية قد ينعكس مباشرة على أمنها القومي.
لكن لا ينبغي فهم الدعم الإسرائيلي باعتباره دفاعًا عن حق تقرير المصير، بقدر ما يدخل في إطار رؤية استراتيجية أوسع تقوم على الاستفادة من الخلافات. فكلما ازدادت الخلافات بين الدول المركزية ومكوناتها القومية أو المذهبية، ازدادت قدرة إسرائيل على التحرك داخل البيئة الإقليمية.
فإن الرهان الإسرائيلي على المسألة الكردية لا يخلو من مفارقات عديدة قد تجعل نتائجه مختلفة عما تتوقعه تل أبيب. فالدعم السياسي الذي تبديه إسرائيل لفكرة الاستقلال الكردي لا يعني بالضرورة أن قيام دولة كردية سيؤدي تلقائيًا إلى ترسيخ النفوذ الإسرائيلي في المنطقة.
فهذه الدولة – إذا افترضنا إمكان قيامها – ستولد داخل بيئة جيوسياسية شديدة التعقيد، محاطة بدول ترى في وجودها تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وفي مقدمتها تركيا وإيران والعراق، وهو ما يجعلها تواجه منذ اللحظة الأولى ضغوطًا أمنية واقتصادية وسياسية هائلة.
كما تكشف التجربة الكردية أن التحالفات الخارجية ارتبطت غالبًا بظروف مرحلية لا بالتزامات استراتيجية، إذ دعمت قوى دولية الأكراد في مراحل معينة ثم تراجعت مع تغير مصالحها، مما يجعل التعويل على الدعم الخارجي رهانًا محفوفًا بالمخاطر.
كما لا يمكن الجزم بأن أي دولة كردية ستكون امتدادًا للمشروع الإسرائيلي أو أنها ستدخل تلقائيًا في مواجهة مع جيرانها، إذ تفرض أولويات البقاء على الدول الناشئة البحث عن تسويات قد تتعارض مع رهانات داعميها السابقين. لذلك، تستثمر إسرائيل استمرار المسألة الكردية أكثر مما تصنعها.
في المحصلة، تبدو القضية الكردية اليوم أبعد من أن تكون مجرد نزاع على الحدود أو مطالب بالحكم الذاتي. إنها أصبحت مرآة لأزمة الدولة الوطنية في الشرق الأوسط، واختبارًا لقدرة الأنظمة الإقليمية على إدارة التنوع داخل حدودها دون تحويله إلى تهديد دائم.
وما لم تنتقل هذه القضية من منطق الاحتواء الأمني إلى منطق التسوية السياسية، فإنها ستظل قابلة لإعادة التشكل مع كل تغير إقليمي، وستبقى ورقة مفتوحة في صراعات الشرق الأوسط، مهما تبدلت التحالفات وتغيرت موازين القوى.










