من الإحباط إلى البكاء: البيروقراطية الأوروبية كما لم تُرَ من قبل
27 نوفمبر 2025
في وقت يبدو مشهد ساعي البريد وهو يسند دراجته الهوائية جانبًا، ويلقي برسائل ورقية في صندوق بريد أحد الأبنية، مشهدًا جذابًا بفيلم سينمائي، فإن هذا المشهد في الواقع يروي حكاية مختلفة لفرد يعيش في أوروبا، يلاحق معاملاته بثقل وتذمر، ويرتب مئات وربما آلاف المستندات الورقية المكدسة في خزانته.
ساعي البريد هنا، على الأرجح، يحمل رسائل تتضمن كشفًا مصرفيًا، أو موعدًا في أحد المكاتب الحكومية أو استدعاء أو أوراق قانونية رسمية، أو فواتير غاز وكهرباء، وربما ورقة لتحديد مقابلة لحجز موعد لاستخراج ورقة تلزم لمتابعة معاملات أخرى، كأن تأخذ موعدًا لفتح حساب بنكي، ثم تنشئ الحساب، ثم تنتظر فترة طويلة لاستكمال إجراءات كاستلام البطاقة عبر البريد، ثم تفعيلها وتفعيل التطبيق الإلكتروني، ثم استخدامه في إحدى المعاملات التي تحتاجه، وقد يستغرق هذا الأمر شهرين أو ثلاثة أشهر.
كذلك تتمثل هذه البيروقراطية أحيانًا، بإجراء بسيط كتسجيل طفل في المدرسة، ففي هذه الحالة، تحتاج لسلسلة من المواعيد والمستندات من المؤسسات الحكومية، من أجل الحصول على أوراق تقدمها للمدرسة لقبول الطفل، كل هذا يجعل النظام الإداري في أوروبا سلسلة لا متناهية من الأوراق التي تسير ببطء شديد، تضيّق على المواطن الأوروبي واللاجئ على حد سواء.
معظم من تحدث إلى "الترا صوت" عن البيروقراطية في أوروبا، عاش تجربة البكاء فجأة أمام أحد الموظفين الحكوميين، بسبب التعقيد والبطء بإنجاز المطلوب
ورغم أن الهدف من البيروقراطية هو التنظيم الإداري، بما يبسط العمليات ويوزع العمل بتسلسل هرمي دقيق ضمن مؤسسات الدولة، إلا أن الأمر تحوّل إلى نظام يعرقل العمل بدلًا من تنظيمه في كثير من الأحيان، يمتد لسلبيات وكوارث أكبر من تعطيل الفرد وتشتيته، ليشمل خسارات على مستوى اقتصاد الدول ككل.
"الترا صوت" يفرد مساحة في هذا التقرير لتجارب أشخاص يعيشون في أوروبا، ويعانون من البطء الشديد بإنجاز المعاملات وأثره على حياتهم، كما يسلط الضوء على الجانب الثقيل والمكلف نفسيًا وماديًا للبيروقراطية في أوروبا.
والمثير خلال إعداد هذا التقرير، أن معظم من تحدث إلى "الترا صوت" في هذا الموضوع، عاش تجربة البكاء فجأة أمام أحد الموظفين الحكوميين، بسبب التعقيد والبطء بإنجاز المطلوب.
كيان مترهل
مسؤولين أوروبيين قالوا إن بلادهم بحاجة لتطوير بأنظمتها الإدارية، إذ يبدو الاتحاد الأوروبي "كيانًا بيروقراطيًا مترهلًا"، وفق ما جاء على لسان رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في وقت سابق.
وعن البيروقراطية الأوروبية، تقول لاجئة سورية في فرنسا إنها تنتظر صدور ورقة التأمين الصحي منذ عام ونصف العام، وإلى اليوم لم تُمنح هذه الورقة التي تحتاجها لمراجعة الطبيب ومتابعة حملها البالغ عمره ثلاثة أشهر، علمًا أن القانون الفرنسي يمنح التأمين الصحي للمقيمين هناك، حتى وإن كانوا بمرحلة تقديم طلب اللجوء، وذلك بعد ثلاثة أشهر من وجودهم على الأراضي الفرنسية.
بدوره، يتحدث شاب سوري في هولندا لـ "الترا صوت" عن وضعه، "مضى على تقديمي طلب اللجوء هنا أكثر من عام، ولم يتم تحديد موعد للمقابلة الأولى التي يجب أن أجريها، كنت آمل أن تكون الأمور أسرع لأقدم لمّ شمل لأمي وأبي، لأنني كنت قاصرًا قبل عام، المواعيد بطيئة جدًا، حتى لو كان الموعد من أجل استفسار بسيط فقط".
أزمة المواعيد البعيدة والإجراءات البطيئة لا تكلف القاطنين في أوروبا الوقت والجهد والمال أحيانًا، بل تشمل كذلك الجانب النفسي أيضًا، فعلى سبيل المثال وبحسب من قابل "الترا صوت"، يعيش الكثير من اللاجئين - إن لم يكن جميعهم - حالة نفسية صعبة في عامهم الأول على الأقل أثناء رحلة تقديم اللجوء.
ولا تكون الحالة النفسية فقط لأجل الظروف المعيشية غير الملائمة أحيانًا من حيث السكن والعزلة وغيرها، بل لأجل التعقيد الحاصل بالمواعيد والأوراق، وآلية التعامل الجديدة والمبهمة بالنسبة لكثير من اللاجئين، الأمر يشمل المواطنين أيضًا، ممن يحتاجون لمعاملات ووقت طويل، من أجل إنجاز هدف ما.
في هذا السياق، تقول سيدة فرنسية وهي أم لطفل، إنها تعيش حالة نفسية صعبة خلال الفترة التي تسبق أي قرار جديد يتعلق بحضانة طفلها، إذ يستغرق حجز موعد مع محاميها ومن ثم جلسة مع القاضي وقتًا طويلًا قد يصل إلى أشهر، "والد طفلي مؤذٍ نفسيًا، في كل مرة يزوره ابني يعود مضطربًا وباكيًا، وأحاول اتخاذ إجراءات جديدة بخصوص الحضانة المشتركة لجعلها لصالحي بالكامل، لكن لا أحد يعرف كيف تمر علي هذه الفترة، بانتظار سلسلة من المواعيد البطيئة".
من جانبه، يروي مواطن ألماني لـ "الترا صوت"، معاناته خلال رحلة الحصول على سكن جديد، "مهمة الانتقال تمرّ بالكثير من المواعيد مع الشركات الخاصة والمكاتب الحكومية، وتنتهي بإجراءات تغيير العنوان على الأوراق الشخصية القانونية، والمؤسسات الحكومية، لتكتشف في نهاية المهمة أنها استغرقت ما لا يقل عن عام".
وفي سياق ليس ببعيد، التقى عدة لاجئين بنقطة مشتركة خلال حديثهم مع "الترا صوت"، وهي الضيق النفسي الذي عاشوه عند سعيهم للحصول على سكن ملائم، ما يعني ربما أن البيروقراطية تفاقم من أزمة السكن هناك، وقد تكون هي السبب الأساسي في ذلك.
ضرورة الرقمنة
الدول تتأثر بالبيروقراطية كما الفرد في أوروبا، والخسارات تعظم إذا ما كان الحديث عن المال المهدور والذي يقدر بمليارات اليوروهات، وهذا ما أكدته دراسة حديثة صادرة عن الاتحاد الألماني لشركات الأدوية البحثية.
وتوضح الدراسة أنَّ التكلفة الإجمالية للبيروقراطية في ألمانيا بلغت نحو 67 مليار يورو خلال عام 2024، وهو ما يعادل 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وأشارت الدراسة إلى أن هذه الأعباء لم تعد مجرد تكاليف مالية يتحملها الاقتصاد الألماني، بل تحولت إلى خطر استراتيجي يهدد مكانة ألمانيا كوجهة استثمارية عالمية، مع ظهور مؤشرات واضحة على أن بعض الشركات بدأت تفكر جديًا في إعادة النظر بوجودها داخل السوق الألمانية.
وكشفت الدراسة أن الإجراءات الإدارية تستهلك جزءًا كبيرًا من ساعات العمل، حيث يضيع ما يقارب 20% من الوقت في بعض القطاعات على استيفاء متطلبات التوثيق والالتزام باللوائح، ففي قطاع الصناعات الدوائية يتم تخصيص ساعة كاملة من كل خمس ساعات عمل للأعباء الإدارية وحدها، ما يمثل نزيفًا حقيقيًا للإنتاجية.
وفي التفاصيل، نحو 51 مليار يورو من هذه التكاليف ترتبط بلوائح عامة، مثل قوانين العمل والضرائب وإجراءات محاسبة الرواتب، وحوالي 16 مليار يورو ناتجة عن لوائح خاصة بكل صناعة، مع تحمّل قطاع الخدمات المالية النصيب الأكبر بسبب القواعد الصارمة لحماية المستهلك، أما قطاع التصنيع فيتكبّد خسائر سنوية تصل إلى 2.5 مليار يورو، أي ما يعادل نحو 1400 يورو لكل موظف.
وقد أكَّد الاتحاد في دراسته أن البيروقراطية لم تكن في الأصل عبئًا، بل وسيلة لضمان الجودة والسلامة وسيادة القانون، وهي أعمدة أساسية لاقتصاد السوق الألماني، إلا أنَّ تضخم الإجراءات وتعددها حوّلها إلى عائق مباشر أمام النمو، ما دفع شركات كبرى للتفكير في نقل أنشطتها إلى دول أوروبية أكثر مرونة مثل هولندا وأيرلندا، حيث تكاليف الامتثال أقل والرقمنة متقدمة بدرجة تسمح بإنجاز الإجراءات خلال ساعات بدلاً من أسابيع.
وقال كبير خبراء الاقتصاد في الاتحاد، كلاوس ميشلزن، إن الهدف ليس إلغاء القوانين المنظمة، بل تحديثها وتبسيطها بما يتماشى مع المعايير الدولية، وأضاف: "البيروقراطية المرنة يمكن أن تتحول من عائق إلى ميزة، لكن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى تراجع مكانة ألمانيا كموقع اقتصادي مفضل"، مؤكدًا أنَّ تسريع الرقمنة وتبسيط اللوائح يمثلان الحل الأمثل لتقليل الهدر في الوقت والموارد.
وأظهرت المقارنة مع تجارب أوروبية أخرى حجم الفجوة، ففي هولندا تسمح منصات إلكترونية موحدة بإنجاز معظم الإجراءات الحكومية خلال ساعات، بينما تحتاج نفس العمليات في ألمانيا لأسابيع، هذا التفاوت جعل المستثمرين يفضلون أسواقًا بديلة، وهو ما يُفاقم من خطر تراجع التنافسية الألمانية عالميًا، خاصة مع تباطؤ النمو الصناعي وتراجع موقع البلاد في سلاسل القيمة.
ومن هنا يمكن التأكيد، أن البيروقراطية القائمة على المعاملات الورقية، جعلت رقمنة المعاملات ضرورة في أوروبا، إن كان في مجال الهجرة أو اللجوء أو التوظيف أو التجارة وغيرها، وفي ضوء ذلك، ما زال التحول الإلكتروني في القطاع العام بدول أوروبية عدة بطيئًا، فوفقًا لخبراء اقتصاد، لدى البيروقراطية في أوروبا "ولع بالمعاملات الورقية والأختام".







