من استعراض الثقة إلى

من استعراض الثقة إلى "دبلوماسية الكوارث".. كيف تواجه كوريا الشمالية كورونا؟

اختارت كوريا الشمالية استعراض الثقة أمام أزمة تفشي فيروس كورونا (رويترز)

بعد ساعات من إعلان وكالة الأنباء الرسمية في كوريا الشمالية تأكيد انعقاد جلسة مجلس الشعب الأعلى الشهر القادم، أقدمت بيونغ يانغ على إطلاق صاروخين بعيدي المدى سقطا قبالة سواحل شبه الجزيرة الكورية، ما اعتبر رسالة استعراض للقوة تريد توجيهها فيما تكافح دول العالم للتصدي لجائحة فيروس كورونا الجديد (كوفيد-19)، الذي سجل حتى صباح الأحد  أكثر من 337 ألف إصابة و14 ألفًا و647 وفاة على مستوى العالم.

على الرغم من إبلاغ بيونغ يانع عن عدم تسجيل أي إصابة لديها، فإن خبراء الصحة ينتابهم خشية من أن الفيروس متفشٍ بالفعل في الدولة المعزولة، مما دفع بمنظمات الإغاثة العالمية بتوجيه نداءات عاجلة للأمم المتحدة

وقالت هيئة الأركان المشتركة في كوريا الجنوبية إن الصاروخين انطلقا من إقليم بيونغان الشمالي قبل أن يسقطا في البحر قبالة الساحل الشرقي لشبه الجزيرة الكورية السبت، وأشار مسؤولو الدفاع في سيول إلى أن الصواريخ أطلقت من مقاطعة سونتشون في مقاطعة شمال بيونغان في الشمال الغربي، وحلقت على بعد 255 ميلًا إلى الشمال الشرقي قبل أن تهبط في المياه بين كوريا الشمالية واليابان.

اقرأ/ي أيضًا: اتحاد أوروبي بلا أوروبيين.. كورونا والقوميّة المتخيّلة

ووصفت هيئة الأركان المشتركة العمل العسكري الذي أقدمت عليه بيونغ يانغ بأنه "يفتقر للياقة بشدة" في وقت يسبب فيه فيروس كورونا مصاعب في أنحاء العالم، وتأتي التجربة الأخيرة بعد تجربتين مماثلتين نفذتهما بيونغ يانغ في وقت سابق من الشهر الجاري، نشرت في أحدهما صورًا للزعيم الكوري كيم جونغ أون قالت إنها أثناء حضوره تدريبات "مدفعية بعيدة المدى"، فيما أشارت طوكيو إلى أنها رصدت إطلاق صواريخ باليستية في التجربتين.

بيونغ يانغ تستعرض قوتها العسكرية لمكافحة الفيروس التاجي

عمل الزعيم الكوري الشمالي على زيادة الأنشطة العسكرية بالتزامن مع تصاعد تفشي الفيروس التاجي في أنحاء العالم خلال الشهر الجاري، وعلى الرغم من إبلاغ بيونغ يانع عن عدم تسجيل أي إصابة لديها، فإن خبراء الصحة ينتابهم خشية من أن الفيروس متفشٍ بالفعل في الدولة المعزولة، مما دفع بمنظمات الإغاثة العالمية بتوجيه نداءات عاجلة للأمم المتحدة تسمح فيها بإرسال المساعدات الطبية لدعمها في مكافحة الفيروس، ومن المتوقع وصولها في غضون أيام قليلة بعدما حصلت على الموافقات المطلوبة.

وعلى الرغم من تحذير السلطات المحلية عبر وسائل الإعلام الرسمية من التجمعات الكبيرة، فضلًا عن إلغائها العديد من النشاطات الثقافية والرياضية الاقتصادية البارزة خلال الأسابيع الأخيرة، بما فيها ماراثون نيسان/أبريل السنوي، ومهرجان بيونغ يانغ السينمائي الدولي، فإنها ظهرت في مشهد مناقض للإجراءات الصحية المفروضة بتنظيمها حفل وضع حجر الأساس لمشروع بناء مستشفى جديد في البلاد خلال العام الجديد.

وأمام حشد من آلاف الجنود يقفون جنبًا إلى جنب يضعون الكمامات على أفواههم، ظهر الزعيم الأول في البلاد يتحدث إليهم بدون وضع كمامة إلى جانب مجموعة من القادة كانوا يضعون الكمامات، في صورة رمزية تشير لقوة الزعيم الأول على مواجهة الفيروس سواء محليًا أو دوليًا، في مشهد وصفته وسائل إعلام غربية بأنه تلميح "لاكتساب (بيونغ يانغ) ثقة أكبر" في إدارتها لمكافحة الفيروس التاجي، وهو ما يندرج في انعقاد اجتماع مجلس الشعب الأعلى بحضور قرابة 700 من كبار المسؤولين في البلاد داخل مكان مغلق في العاشر من الشهر القادم.

ورأى محللون أن الإصرار على عقد اجتماع مجلس الشعب الأعلى في مثل هذا الوقت ليس إلا استعراضًا للقوة في ظل تفشي الفيروس التاجي في أنحاء العالم، وقالت الصحفية في موقع NK نيوز الإخباري راشيل مينيونج إنه في حال انعقدت الجلسة فإن ذلك "أكبر استعراض للثقة في إدارة الوضع المتعلق بفيروس كورونا".

وكان العديد من المسؤولين الأمريكيين قد شككوا بعدم وجود أي إصابة بالفيروس التاجي في بيونغ يانغ، بالنظر إلى أن نشوء الفيروس كان في الصين المجاورة لها قبل أن ينتقل إلى جارتها كوريا الجنوبية، ووفقًا لأحدث الإحصائيات فإن ما يزيد على 81 ألف مصاب مسجل في الصين، فضلًا عن تسجيل أكثر من ثلاثة آلاف حالة وفاة، فيما سجلت سيول ما يزيد على 8.9 ألف إصابة، و104 حالة وفاة حتى صباح الأحد.

وأكد الخبير السابق في وكالة المخابرات المركزية الكورية جونغ باك استحالة عدم وجود أي إصابة بالفيروس التاجي في كوريا الشمالية، فيما أشار قائد القوات الأمريكية في سيول روبرت أبرامز إلى انخفاض النشاط العسكري خلال الأيام الـ30 الماضية في كوريا الشمالية بإجرائها تدريبين روتينيين، الأمر الذي يرجح وجود إصابات بالفيروس التاجي لديها لكنها لم تعلن عنها رسميًا.

انتشار الفيروس سيكون له عواقب قاسية على الاقتصاد الهش  

عند النظر لتصريحات المسؤولين الكوريين الشماليين بخلو البلاد من أي إصابة بالفيروس التاجي، لا بد من الوقوف أمام عدم استعداد بيونغ يانغ لحالة طوارئ طبية بمثل هذا الحجم، نظرًا لوجود نظام رعاية صحي هش، لذلك يمكننا القول إنها أكثر دولة من الممكن أن تكون عرضة لتفشي الفيروس التاجي على أراضيها.

وعلى الرغم من تأكيد الجهات الصحية الرسمية في البلاد أن عدد الإصابات يقف عند الرقم صفر، فإنه في حال تمكن الفيروس التاجي من الانتشار بالبلاد – إن لم يكن حصل ذلك فعليًا – فإنه من المرجح أن يكون له عواقب إنسانية شديدة، حتى في حال تمكنت من منع تفشي الفيروس باتخاذها الإجراءات الصحية اللازمة، فإن هذه الإجراءات سيكون لها آثار اقتصادية ستثبت أنها مدمرة، ما قد يضعف قبضة النظام الشيوعي في السلطة.

وتشير التقارير المرتبطة بهذا السياق إلى أنه رغم عدم وجود قلق من انتقال الفيروس إلى بيونغ يانغ عبر المنطقة منزوعة السلاح مع جارتها سيول بسبب انتشار آلاف الجنود على طول 150 ميلًا، فإن الخوف الأكثر من انتقال الفيروس عبر الحدود التي تملكها مع الصين بطول 880 ميلًا، حيثُ يسهل اختراق هذه الحدود بسبب اعتماد السكان على تهريب البضائع من أجل العيش، وكان قد سُجل أكثر من مائتي إصابة في إقليمي جيلين ولياونينغ المحاذين للحدود مع الجارة الشمالية.

وفي حال تمكن الفيروس من الوصول لكوريا الشمالية فإن التوقعات تتحدث عن إمكانية انتشاره بسرعة كبيرة، فقد ذكرت الإحصائيات وفقًا لما أوردت مجلة فورين أفيرز الأمريكية أن 43 بالمائة من السكان أو قرابة 11 مليون نسمة يعانون من سوء التغذية، مما يجعلهم عرضة للإصابة بالأمراض المعدية، فضلًا عن عدم امتلاك بيونغ يانغ لبنية تحتية صحية تجعلها مستعدة لمكافحة الأوبئة، حتى أن الرعاية الصحية في البلاد سجلت نسبة أقل من أي دولة أخرى في العالم، بمعدل يقل عن دولار واحد لكل شخص سنويًا، ما يجعل السكان يعتمدون على العلاج ذاتيًا.

إذ إن البنية التحتية للمرافق الصحية في بيونغ يانغ لا تتوفر فيها المياه أو أنظمة الصرف الصحي الكافية، كما أن المشاكل في توليد الطاقة أدت لانحسار الطاقة الكهربائية لدرجة أن العديد من المستشفيات تعمل بشكل متقطع، وهو ما يجعل من الصعب أن يكون لدى بيونغ يانغ القدرة على إجراء اختبارات الإصابة بالفيروس التاجي، رغم أنها أشارت في وقت سابق إلى أن ـ5.2 ألف شخص ثبت عدم إصابتهم بالفيروس بعد إجرائهم للاختبار.

وحتى في حال نجحت بيونغ يانغ بالسيطرة على الوباء فإن التدابير التي ستتخذها ستلحق الضرر فعليًا باقتصادها الهش أصلًا بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، نظرًا لأن السبب الرئيسي وراء صمودها في وجه العقوبات ليس اقتصادها الموجه من قبل الدولة إنما بفضل القطاع الخاص غير الرسمي، وتوضح المحللة المختصة بالقضية الكورية سو مي تيري ذلك، بقولها إنه منذ استلام الزعيم الكوري للسلطة في عام 2011 لم يعد معظم الكوريين الشماليين يعتمدون على الحكومة المركزية في الغذاء أو العمل بعد سماحه بافتتاح الأسواق الخاصة.

هل تساعد دبلوماسية الكوارث على تعزيز المفاوضات مع بيونغ يانغ؟

كانت بيونغ يانغ قد غيرت من سياستها الدبلوماسية التي انتهجتها مع واشنطن خلال العامين الماضيين، قبل أن تتعقد بإجرائها عدة تجارب لصواريخ قصيرة أو بعيدة المدى خلال الأشهر الماضية، بعد فشل المفاوضات التي وصلت لطريق مسدود بين الطرفين، لرفض واشنطن تخفيف حزمة العقوبات المفروضة على بيونغ يانغ ما لم تبدأ الأخيرة بتفكيك برنامجها النووي.

ويثير في هذا السياق الكاتب إيلان كيلمان في تقرير نشر في مجلة فورين بوليسي الأمريكية سؤالًا مهمًا حول ما إذا كان هناك أي فرصة يمكن استغلالها دبلوماسيًا من وراء انتشار الفيروس التاجي، قد تؤدي في نهاية المطاف إلى تقدم سياسي في المفاوضات سواءً مع كوريا الشمالية أو إيران، أو قد تسمح بفتح قنوات تسمى بـ"دبلوماسية الكوارث" للمساعدة مما يؤدي لمزيد من التقارب، رغم أن جميع الأمثلة السابقة تخبرنا بعدم إمكانية حدوث ذلك.

وخلال العقود الماضية أظهرت التجارب عدم نجاح دبلوماسية الكوارث، إن كان من جانب محاولة استغلال المنظمات الطبية لاتفاقيات وقف إطلاق النار في مناطق النزاعات المسلحة لإجراء عمليات تلقيح للأطفال من الأمراض والأوبئة، والتي غالبًا ما كانت تعود مع عودة الاشتبكات مجددًا في المناطق التي شملتها حملات التلقيح،أو من جانب عدم تليينها للخلافات الدبلوماسية المتأزمة بين الدول، كما الحال عندما رفضت واشنطن المساعدات الطبية المقدمة إليها من روسيا وكوبا والمكسيك للمساعدة على احتواء أزمة إعصار كاترينا الذي ضرب ساحل الخليج الأمريكي في عام 2005.

ويشير كليمان في تقريره إلى أن هذه المبادرات لن تؤدي بالضروري لتقارب دبلوماسي مع بيونغ يانغ أو طهران، رغم قبول بيونغ يانغ منذ عام 1995 لأربع مرات على الأقل مساعدات إنسانية لمكافحة الكوارث البيئة والغذائية في مقابل تقديم تنازلات سياسية، إضافةً لعمل علماء أمريكيين وبريطانيين وكوريين شماليين سابقًا على دراسة جبل باكيتو الواقع على الحدود مع الصين، أو مساعدات سيول لاحتواء انفلونزا الخنازير، إلا أن كل ذلك لم يساعد على إحداث تقارب دبلوماسي طويل الآمد.

اقرأ/ي أيضًا: كورونا من منظور أوروبي.. أسئلة الوحدة والتفكك

فإذا كانت الأولوية في الوقت الراهن تتطلب إنقاذ أكبر عدد ممكن من الأرواح فإنه يتعين على الدول نسيان العداوات الدبلوماسية فيما بينها، لأن تجارب فصل معالجة انتشار الأمراض عن الخلافات الدبلوماسية أدت في النهاية لبعض النجاحات الطبية، بما فيها القضاء على أمراض الجدري والطاعون البقري، إضافةً لتركيز اللوائح الصحية الدولية على عدم ربط مكافحة الأمراض مع الخلافات الدبلوماسية.

تجارب فصل معالجة انتشار الأمراض عن الخلافات الدبلوماسية أدت في النهاية لبعض النجاحات الطبية، بما فيها القضاء على أمراض الجدري والطاعون البقري

وعلى أنه دائمًا ما كان الهدف السياسي الواضح لدبلوماسية الأمراض عقد السلام، إلا أن ذلك لم يكن الحال بالنسبة لواشنطن وبيونغ يانغ وطهران، نظرًا لأن الصراع الدبلوماسي يعزز سلطة قادة تلك الدول محليًا، كما أنها تزيد من آمال واشنطن بأن تؤدي الكوارث لزعزعة النظام القائم في إحدى الدولتين، كما الحال سابقًا مع نظام الرئيس الكوبي الشيوعي فيديل كاسترو.