من إرث العائلة إلى تأثير النجوم.. المنتخبات التي يشجعها اللبنانيون في كأس العالم
11 يونيو 2026
جرت العادة في لبنان أن يختار مشجعو كرة القدم منتخباتهم المفضّلة وفقًا لثلاثة معايير أساسية؛ النتائج والنجاحات التي حققها هذا المنتخب، أجواء التشجيع في العائلة حيث يتوارث الأطفال غالبًا المنتخب المفضل عن آبائهم أو أقاربهم ويحملون معهم هذا التشجيع طيلة حياتهم، وأحيانًا التمرّد على العائلة وتشجيع منتخب لا يحظى بشعبية في المحيط الصغير، كأن تكون من عائلة تشجع البرازيل وتختار تشجيع ألمانيا مثلًا أو العكس لتشعر بأنك مميّز عن الجميع.
وفي حالات أخرى يكون التشجيع لأسباب ثقافية أو قومية أو حتى سياسية، وهناك من يحب التعاطف مع المنتخبات سيئة الحظ التي تقترب من الحلم دون أن تصل، أو منتخبات "الأندر دوغ" التي لا تحظى بشعبية أو ترشيحات كبيرة وتبحث عن الفرصة لمفاجأة الجميع، وفئة أخرى تختار تشجيع منتخب ما لأن لاعبها المفضّل يلعب مع هذا المنتخب، أي أن تشجع المنتخب لأجل اللاعب وليس العكس كما هو سائد.
هيمنة برازيلية ألمانية إيطالية في التسعينيات
أذكر في تسعينيات القرن الماضي، أن خيارات أبناء جيلي، كما خياري، كانت منحصرةً بشكل رئيسي بين منتخبات ثلاثة هي البرازيل وألمانيا وإيطاليا، وليس من قبيل المصادفة أن هذه المنتخبات الثلاثة كان لديها أعلى عدد من الألقاب في كأس العالم، فاختيار المنتخب ابتداءً يكون غالبًا بسبب النجاحات التي يحققها.
يختار مشجعو كرة القدم منتخباتهم المفضّلة وفقًا لثلاثة معايير أساسية؛ النتائج والنجاحات، و توارث الأطفال المنتخب المفضل عن آبائهم أو أقاربهم، وأحيانًا التمرّد على العائلة
بالإضافة إلى الثلاثي المذكور، كان هناك مشجعون للأرجنتين بطلة العالم مرتين يومها، مارادونا لعب دورًا في جذبهم، ومنتخب هولندا بألوانه البرتقالية الجميلة ونجومه المميزين وحظه العاثر الذي يجلب المتعاطفين، وجمهور فرنسي أحيانًا لأسباب ثقافية ومرتبطة بعلاقة فرنسا مع لبنان، وقد ساهم زين الدين، النجم ذو الأصول العربية الذي لمع في مونديال 98، في رفع شعبية الديوك لبنانيًا.
كنت تجد أيضًا مشجعين لإنجلترا خاصة وأن أنديتها تحظى بشعبية في لبنان مثل مانشستر يونايتد وليفربول، أما جمهور البرتغال، برازيل أوروبا، وإسبانيا التي لم تكن يومها بالقوة التي هي عليه اليوم، فكانت غالبًا خيارًا ثانيًا أو بديلًا للكثير من المشجعين.
رونالدو وميسي لا يزالان في الصدارة
خارطة التشجيع اليوم تغيّرت قليلًا، الجيل الجديد ذوقه مختلف، ثنائية ميسي/رونالدو وصراعهما في الكلاسيكو انتقل إلى الكرة الدولية، سيؤكّد لك أي بائع مستلزمات رياضية أن قمصان رونالدو وميسي هي أكثر ما يطلبه الأطفال والفتية اليوم.
كما أن شعبية منتخب فرنسا ارتفعت بشكل واضح، بوجود نجم عالمي مثل كيليان مبابي، وبسبب فوز المنتخب بمونديال 2018 ووصوله إلى نهائي مونديال 2022، فالأطفال سيميلون دائمًا للفريق الرابح، وطفل عام 2018 أصبح شابًّا اليوم ولا زالت فرنسا مرشحة قوية.
إسبانيا اكتسبت أيضًا بعض الشعبية في لبنان مؤخّرًا، فالانتصارات تجذب الجمهور دائمًا، نتحدث عن بطل أوروبا ثلاث مرات في آخر خمس نسخ، وبطل العالم 2010. نجم عالمي بحجم لامين يامال قادر أيضًا على استقطاب بعض الفتية لتشجيع اللاروخا.
إيطاليا تخذل جمهورها للمرة الثالثة
أما المنتخبات التقليدية الثلاثة فقد تراجعت شعبيتها بشكل ملموس لدى الجيل الجديد، فجمهور البرازيل المعاصر شهد الخسارة المؤلمة أمام ألمانيا بسباعية في مونديال 2014، ثم الفشل ببلوغ المربع الذهبي في النسختين التاليتين، خسر المنتخب الكثير من ألقه الذي كان يميزه في الماضي.
فتية اليوم الذين اختاروا تشجيع ألمانيا، ربما البعض ورثوها عن أقربائهم الأكبر سنّا، والبعض الآخر تأثّر بفوز المانشافت بمونديال 2014، وجدوا منتخبهم يخرج في نسختين متتاليتين من دور المجموعات، وهم على الأرجح لن يتقبلوا نكسة ثالثة في مونديال 2026.
أما المصيبة الأكبر اليوم فهي أن تكون مشجعًا لمنتخب إيطاليا، غياب عن ثلاث محطات مونديالية متتالية. منتخبات كثيرة أقل قيمة كروية بكثير من إيطاليا لم تغب لـ12 سنة متتالية عن المسابقة الكروية الأهم.
يقول أحد مشجعي إيطاليا: عندما لعبت إيطاليا آخر مرة في المونديال كنت لا أزال عازبًا، الآن لدي ثلاثة أولاد، بحال تأهلت إيطاليا إلى مونديال 2030 سيكون ابني الكبير عمره 14 سنة، من حسن الحظ أنني لم أورثه تشجيع إيطاليا كما ورثتها عن شقيقي الأكبر، تخيّل أن تشاهد منتخبك للمرة الأولى في المونديال في سن الـ14.
تمرد الجيل الجديد
أمام أحد المحال التجارية وقف طفل في سن العاشرة تقريبًا يرتدي قميص كريستيانو رونالدو مع البرتغال، قال إن والده يحب ألمانيا وأمه تشجع إيطاليا لكنه هو سيشجع البرتغال بسبب "الدون"، ثم قلّد احتفاله الشهير "siuuu".
بالمحصلة يمكن القول إن خارطة تشجيع المنتخبات في لبنان تغيّرت كثيرًا في السنوات الأخيرة، وربما لا يزال الثلاثي البرازيل-ألمانيا-إيطاليا في المقدمة، لكن منتخبات أخرى ظهرت بقوة، بسبب النتائج الجيدة التي حققتها، وبسبب النجوم الكبار لديها من ميسي ورونالدو إلى مبابي ويامال، وبسبب قدرة هذا الجيل الذي ترعرع في زمن "الأيباد" والقدرة على مشاهدة ما يريد، على اختيار فريقه المفضل بعيدًا عن سطوة العائلة والمحيط وتأثيرهما.