من أزمة محلية إلى اكتساح للسوق العالمي.. ما سرّ صعود السيارات الصينية؟
2 ديسمبر 2025
بينما ينشغل الغرب بالتهديد القادم من السيارات الكهربائية الصينية، تشهد صناعة السيارات العالمية تحولًا مختلفًا تمامًا.
فشركات صناعة السيارات التقليدية في الصين، التي انهارت مبيعاتها محليًا تحت ضغط الثورة الكهربائية، بدأت تبحث عن أسواق بديلة لتصريف إنتاجها الهائل من سيارات البنزين التي لم يعد يشتريها المستهلك الصيني. ونتيجة هذا التحول، تدفقت ملايين المركبات العاملة بالوقود نحو الأسواق الناشئة وأوروبا الشرقية وإفريقيا وأميركا اللاتينية، لتعيد رسم خريطة المنافسة العالمية.
لا يقتصر التهديد الصيني على السيارات الكهربائية كما يظن البعض، بل يمتد ليشمل موجة ضخمة من السيارات العاملة بالوقود التي تغرق العالم اليوم
وحسب تحقيق لوكالة "رويترز"، فخلال سنوات قليلة فقط، استحوذت السيارات الكهربائية على نصف السوق الصيني، مما أدى إلى تراجع حاد في مبيعات شركات عالمية كفولكسفاغن وجنرال موتورز ونيسان. لكن هذه الشركات لم تكن الضحية الوحيدة. فعمالقة الصناعة الصينية مثل SAIC وBAICوجدوا أنفسهم أمام مصانع شبه خالية وطلب محلي ينهار بسرعة. ومع فائض ضخم في القدرة الإنتاجية، كان الحل الذي لجأت إليه هذه الشركات هو التوجه بقوة نحو التصدير.
الأرقام تعكس حجم التحول. صادرات الصين من السيارات ارتفعت من مليون مركبة في عام 2020 إلى أكثر من 6.5 ملايين في 2024، وفق بيانات Automobility، معظمها سيارات تعمل بالوقود. وهذا التدفق الكبير جعل الصين أكبر مصدر سيارات في العالم العام الماضي، متجاوزة اليابان وألمانيا، دون الاعتماد على السيارات الكهربائية وحدها كما يُشاع غالبًا.
تفسير هذا الانفجار في الصادرات يعود إلى السياسات الحكومية التي شجعت على بناء مصانع جديدة للسيارات الكهربائية، ما أدى فعليًا إلى إهمال مصانع السيارات التقليدية. ومع مرور الوقت تراكمت طاقات إنتاجية هائلة بلا استخدام، تُقدّر بنحو 20 مليون سيارة وقود سنويًا. ومع ذلك، ظلت المصانع قائمة، والعمال موجودين، والاستثمارات قائمة، الأمر الذي دفع الشركات الصينية إلى البحث عن أسواق جديدة تستوعب هذا الفائض.
من اللافت أيضًا أن شركات صينية كانت تعتمد لسنوات طويلة على شراكات مع شركات أجنبية للحصول على التكنولوجيا والدعم الهندسي، أصبحت اليوم منافسًا لها في الأسواق نفسها. فعلى سبيل المثال، بدأت SAIC، التي تربطها علاقة وثيقة بشركة جنرال موتورز، في تحقيق نجاحات كبيرة في أسواق كانت تقليديًا معاقل لشركة جنرال موتورز نفسها. أما دونغفنغ، الشريك التقليدي لنيسان وهوندا، فأصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الأسواق الخارجية لتعويض التراجع الحاد في مبيعاتها داخل الصين.
ومع تضاؤل الطلب المحلي، وجدت الشركات الصينية في الأسواق الناشئة فرصتها الذهبية. ففي دول أوروبا الشرقية، مثل بولندا، تنتشر عشرات العلامات الصينية الجديدة التي تقدم طرازات متشابهة وبأسعار تنافسية تجعل من الصعب التمييز بينها. وفي أميركا اللاتينية، لا سيما في المكسيك، باتت الصين المورد الأول للسيارات؛ وهو ما أثار قلقًا سياسيًا واضحًا في واشنطن. وحتى بعد أن رفعت المكسيك الرسوم الجمركية على السيارات الصينية، لا يزال تأثير الشركات الصينية يتزايد.
الأمر ذاته يتكرر في تشيلي، حيث أصبحت السيارات الصينية تستحوذ على قرابة ثلث السوق، وفي جنوب إفريقيا، ترتفع حصة الصين عامًا بعد عام رغم وجود صناعة محلية كبيرة لشركات عالمية مثل تويوتا وفورد وهيونداي. وفي روسيا، ورغم القيود المالية التي فرضتها موسكو مؤخرًا، لا تزال السيارات الصينية تملأ الفراغ الذي تركته الشركات الغربية بعد انسحابها من السوق الروسية.
التجارب اليومية للسائقين تثبت أن السعر يلعب دورًا حاسمًا. ففي أوروغواي، على سبيل المثال، اختارت مزارعة شابة شراء شاحنة "Dongfeng Rich 6"، وهي نسخة معدلة من نيسان فرونتير، لأنها ببساطة أرخص بكثير. المقارنة كانت واضحة: يمكن شراء شاحنتين صينيتين بسعر شاحنة واحدة من علامة تقليدية.
وبينما تستمر الشركات الصينية في التوسع، تعترف الشركات الغربية بأنها أمام منافس شرس، خصوصًا في الأسواق التي طالما اعتبرتها أقل أولوية. فالمعركة، كما يصفها محللو القطاع، لا تدور في أوروبا أو الولايات المتحدة، بل في الأسواق الناشئة التي تجد فيها الشركات الصينية أرضًا خصبة، بفضل أسعار معقولة وتجهيزات حديثة ودعم حكومي كبير.
لا يقتصر التهديد الصيني على السيارات الكهربائية كما يظن البعض، بل يمتد ليشمل موجة ضخمة من السيارات العاملة بالوقود التي تغرق العالم اليوم. ومع استمرار فائض الإنتاج في الصين، والقدرة على تقديم أسعار لا يمكن منافستها بسهولة، يبدو أن الشركات الصينية في طريقها للسيطرة على نحو 30% من سوق السيارات العالمي خلال سنوات قليلة، ما ينذر بإعادة تشكيل المشهد العالمي للسيارات بالكامل.






