من أجل أنوار جديدة

من أجل أنوار جديدة

عمل للفنان التونسي نجا المهداوي في مسجد جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية

متى سنخلص الفكر من جنود المراقبة الذين طالما أسّسوه على الجمود والتحجر العقائدي؟ متى سنحرره من قبضة الأجوبة اليقينية الصارمة الشائكة؟ متى سنشرع في تشييد فكر يفضح ويعري ويحفر في أعماق الساحة العربية والإسلامية العطشى للحقيقة؟

أكبر مشكلة هي ألا تشعر بوجود مشكلة، وأعلى درجات العبودية أن تشعر بأنك حر وأنت مقيد

لقد آن الأوان للانتقال من المرحلة الأيديولوجية إلى المرحلة الإبستمولوجية، كما عبر عن ذلك هاشم صالح في كتابه "الانسداد التاريخي"، خصوصًا بعد ما حصل في العالم العربي من أحداث، حيث تراجع الحس التاريخي عند أصحاب الأيديولوجيات المتنافرة، سواء كانت ماركسية أو قومية أو أصولية إسلامية، بابتعادها عن مفهوم الحقيقة. وبات ضروريًا للخروج من "الانسداد التاريخي" أن يظهر خطاب فكري جديد مسلح بدرجة عالية من الحس التاريخي بموازين القوى العالمية. 

اقرأ/ي أيضًا: الثورات وصعود التيارات الإسلامية

لكن قبل ذلك، ينبغي تحرير الروح العربية الإسلامية من قيودها التاريخية، في معركة طويلة من أجل الكشف عن الحقيقة الرازحة تحت ركام القرون. فأكبر مشكلة هي ألا تشعر بوجود مشكلة، وأعلى درجات العبودية أن تشعر بأنك حر وأنت مقيد بالأصفاد.

إن ما تعيشه الثقافة العربية اليوم من مشاكل قد عاشته كذلك الثقافة الغربية جراء الهيمنة الكنسية على العقل والجسد خلال عصور الظلام، حيث عانى الناس من القمع والاضطهاد والإرهاب، لكنهم تمكنوا من الخروج من النفق بعد أن طبقوا المنهج التاريخي الحديث على الإنجيل والتوراة، وحصلوا على نتائج ومكتسبات كبيرة، منها التفريق بين قشور الدين وجوهره، هكذا حصلت المصالحة التاريخية بين المسيحية والحداثة. 

لكن كل ذلك لم يكن عملية سهلة لأن الثمن كان غاليًا والطريق صعبًا، والمعركة كانت قوية وحاسمة. وهذا ما يحدث للعرب اليوم حيث وقع الانسداد نتيجة للتناقض بين النص والواقع، لأن الالتزام بحرفية النص يؤدي إلى إنكار منجزات الحداثة من طرف المسلمين، بل والحقد عليها ومحاربتها كما يفعل الأصوليون اليوم. إن الخروج من هذا المأزق لا يتم إلا بالاعتراف بتاريخية النص، وهذا لا يعني إنكار تعاليه بل التمييز بين ما هو عرضي وما هو دائم بين التاريخي وما فوق التاريخي، فالأحكام والحدود هي تاريخية مرتبطة بعصرها ولها ظروفها التي وردت فيها، ومن ثم فهي غير ملزمة لنا فالفقه والشريعة مثلًا لم ينزلا علينا من السماء، وإنما هما من وضع البشر وتتحكم فيهما شروط العصر الذي ظهرت فيه أحكامهما.

إن هذه المهمة ليست سهلة، بل تحتاج إلى فتح أوراش كبرى للعمل الجاد والمستمر:
- فتح الملفات القديمة المغلقة منذ ألف سنة أو أكثر: كملف خلق القرآن الذي أغلق بعد الانقلاب الحنبلي وانتصاره على المعتزلة في عهد المتوكل، وهو انقلاب على العقلانية العربية الإسلامية، فلو أن أطروحة المعتزلة انتصرت لاستطعنا إعادة تأويل القرآن بسهولة من جديد، ولما حصلت كل هذه المشاكل التي نعاني منها.
-تحقيق المصالحة بين الدين والعقل، أو بين الإسلام والحداثة.
- تطوير القوانين والتشريعات في المجتمعات العربية المعاصرة حتى تواكب تحولات العصر.
- مناقشة كل القضايا التي وقفت حاجزًا أمام تطور هذه المجتمعات.

إن مواجهة الخطاب الأصولي ينبغي أن تكون على أرضيته أي أرضية الفكر الإسلامي، والبدء بتأويل آخر للإسلام ، تأويل تاريخي ونقدي مستنير يواجه التأويل التقليدي الذي يحتل الساحة الآن، فالمعركة المادية بالسيف غير كافية لأنها تزيد من قوته، لذلك ينبغي أن تكون المواجهة فكرية حقيقية.

اقرأ/ي أيضًا: أدونيس.. من شاعر إلى ناشط

نعم لقد آن الأون لتشييد مشروع نبحث من خلاله عن مخرج للثقافة العربية من الفضاء العقلي للقرون الوسطى والدخول في الفضاء العقلي للعصور الحديثة، مشروع عنوانه الرئيسي هو: القيام بعملية نقد جذري للتراث الثقافي العربي الإسلامي، مدركين في نفس الآن بأن هذه المهمة ليست بسيطة بل ستنجر عنها تجارب مريرة، تتطلب معركة مفتوحة وشاملة وعلى عدة مستويات. 

لا يمكن لهذه الجيوش من الشيوخ التي منحت لنفسها مهمة حراسة الفكر وتكليسه إلا أن تنتج أرثوذكسية عقائدية، تؤدي إلى تشكيل مثل هذه السياجات الدغمائية حول نفسها، وحول عقيدتها وأفكارها ويقينياتها ومسلّماتها، بل تعمل على حصرها وحصر أتباعها في تلك المنطقة المسوَّرة والمسيجة والمغلقة من كل الجهات الشيء الذي يؤدي إلى الانقطاع والانعزال، السياج الدوغمائي يضع حدودًا بين المفكر فيه والمستحيل التفكير فيه، ومن جهة أخرى يؤدي إلى الاعتقاد بامتلاك الحقيقة دون الغير واتخاذ مواقف مسبقة وإصدار أحكام جاهزة تؤدي إلى تكفير الآخر الديني وبالتالي استباحة دمه. 

يتعلق المفكر فيه بما يسمح به الفكر والتصوُّرات والعقائد والنظم الخاصة بالجماعة التي ينتمي إليها أو يخاطبها المتكلم، وبالفترة التاريخية من فترات تطوُّر تلك الجماعة. ثم إنه يتعلَّق كذلك بما تسمح به السلطة القائمة في المجتمع أو الأمة التي يتضامن معها المتكلم. أما ما لا يمكن التفكير فيه فيعود إلى ما تمنعه السلطة السياسية أو الرأي العام، إذا ما أجمع على عقائد وقيم مقدسة وجعلها جوهرًا مُؤسِّسًا لكينونته ومصيره وأصالته.

تبدو اليوم الحاجة ملحة إلى إحلال الرؤية الإنسانية العقلانية للعالم وللإنسان محل الرؤية اللاهوتية المنغلقة، وهذا يقتضي إعطاء قيمة للإنسان واعتباره غاية ومصدرًا للمعرفة يفتح آفاقًا جديدة لمعنى السعي البشري لإنتاج التاريخ. هذا هو الشرط الأساس لتحرير العقل من القيود التي كبلته على مر العصور، وبالتالي فتحه على التأويل الحر لذاته وللعالم.

إذن، فالمهمة صعبة لأن الأمر يتعلق بالتفكيك أولًا قبل التركيب والبناء الجديدين، لابد من تفكيك المسلمات الدوغمائية والتي تفرض نفسها كحقيقة مطلقة تجثم على السجناء داخل السياجات الدوغمائية المغلقة. ولأن الأمر يتعلق أيظا بنظام سياسي هو نتاج لهذا المناخ الموبوء، نظام لايمكنه إلا أن يخضع لسلطة هذه المسلمات الدوغمائية ويقف بالمرصاد لكل محاولة تسعى إلى العمل الفكري والعلمي والاقتصادي المتواصل لإخراج الوطن من التخبط في التخلف والعشوائية.  

من هنا ينبغي إذن العودة إلى الأجواء الثقافية الغنية التي ظهرت خلال النهضة العربية الأولى، التي انقطعنا عنها، خاصة في مجال المعرفة والانفتاح والتفاعل مع تطور الإنسانية. ينبغي إذن العودة إلى هذه النهضة والاعتماد عليها، خصوصًا في المجال المعرفي والتعمق في دراسة التراث العربي الإسلامي، لا سيما في الفلسفة وعلم التاريخ وعلم الاجتماع.

اقرأ/ي للكاتب:

جنود السماء

الإسلام المغربي.. تسييس وأصولية