منتخب بلادنا اللعينة

منتخب بلادنا اللعينة

من مباراة سوريا وإيران (Getty)

لا أذكر كم كان عمري حين ركلت الكرة للمرة الأولى، لكن ومثلي مثل كلّ أطفال جيلي من أبناء المدن المنسيّة، كانت الكرة شغفنا الذي لا ينتهي. كرات بكل الأشكال والأنواع والأحجام نقذفها بأقدامنا في شوارع القامشلي. حتى حين كنّا نلعب رياضات أخرى ككرة السلة مثلًا، كنّا نلعب كرة القدم في استراحاتنا.

بعد الثورة، لم نعد نقبل أن يحسب فريق كرة قدم "سوري" على شخص واحد

كنّا نحب البرازيل وروماريو وبيبيتو ونقلد حركاتهم، ومن ثم أصبح الظاهرة رونالدو معشوقنا. كان البعض يشجع منتخبات دول أخرى، لكن الجميع يحب البرازيل. لم نكن نعرف أين تقع البرازيل فوق خارطة العالم. لم نكن نعرف من يحكمها ومن يعارض حكمها. لم نكن نعرف إن كان البرازيليون يبادلوننا الحب أم لا. لم نكن نسأل مثل هذه الأسئلة.

اقرأ/ي أيضًا: سوريا في تصفيات كأس العالم.. منتخب بلا جمهور ورياضة بلون الدم

في ذلك الزمان لم يكن المنتخب السوري يعني لنا أي شيء، كان "نادي الجهاد" في القامشلي هو فريقنا الذي نذهب للملعب لنشجعه. لا أدري كيف ولا أدري في أي زمان بدأنا نتابع أخبار الفريق السوري. أذكر السيد بيازيد وماهر السيد ومحمد البيروتي. كانوا يخسرون دائمًا. حين كنّا أطفالًا لم نكن نحب الخاسرين.

لا أدري بالضبط متى بدأت بتشجيع المنتخب السوري. لا أدري كيف انقلبت الأحوال فجأة. في زمن من الأزمان كانت متابعة مباريات هذا المنتخب تحتل الكثير من وقتي. بدأت أصحب رفاقي إلى الملعب لتشجيع هذا الفريق رغم رفضي رفع هذا علم البلاد الذي لم أشعر بالانتماء إليه يومًا، ورغم رفضي لترديد النشيد الوطني مع الآخرين إلا أنّ هذا الفريق كان يعني لي الكثير.

كنت مع عدد من صحبي نتشارك الرأي في قبول الفريق خلال المباراة، وفي قبول مشجعي الفريق، وفي رفض كلّ شيء آخر من أخبار هذا الفريق. كنّا نرفض مثلًا، أو بالأخرى نتغاضى، عن الأخبار المتعلقة بتكريم بشار الأسد لفريق ما حين فوزه، أو الأخبار المتعلقة بإدارات الفرق وفسادها، وأخبار التلاعب بالنتائج والمحسوبيات والواسطات واستغلال اللعبة لترويض الجماهير. كنا نتغاضى عن صور عائلة الأسد المعلقة في الملاعب حين كنا نشجع فريقنا هناك. لم نكن ننظر إليها… هكذا كنّا نسافر إلى حمص لنشجع "نادي الكرامة" أو نذهب إلى ملعب العباسيين، الذي حوّله جنود الأسد بعد الثورة إلى ثكنة عسكريّة، لنشجع المنتخب الوطني. ربما كنا أغبياء.

أذكر أنّني غضبت وكنت على وشك البكاء حين لم يتأهل المنتخب السوري إلى الدور الثاني من التصفيات في مباراتهم مع منتخب الإمارات. كان الفارق هدفًا واحدًا. لم نصل. بقيت صورة وقوف اللاعبين السوريين في إحدى ملاعب كأس العالم حلمًا.

لا مؤسسات في سوريا ولا نظام حكم. لا شيء. كلّ شيء ملك لعائلة الأسد

لا مؤسسات في سوريا ولا نظام حكم. لا شيء. كلّ شيء ملك لعائلة الأسد. نحن نعيش في مزرعته. صور عائلة الأسد وأقوالهم تحتل الجدران وتماثيلهم تحتل الساحات ومخابراتهم وشبيحتهم يحتلون الفضاءات العامة. لا شيء لنا.

اقرأ/ي أيضًا: "باسل الأسد".. الاسم الدائم لفرق سوريا الرياضية!

قبل بدء الثورة كنّا نقبل بالخبز الطيب والماء الشهي وبعض القصائد التي تتغنى بالشام وبفريق كرة قدم يرفع اسم سوريا عاليًا وطنًا. لكن بعد الثورة تغير كلّ شيء. لم نعد نقبل بالذلّ الذي كان. لم نعد نقبل أن يحسب فريق كرة قدم "سوري" على شخص واحد. لم نعد نقبل أن يشكر اللاعبون "سيادة الرئيس" على دعمه للرياضة بينما هناك لاعبون قد قضوا تحت التعذيب. لم نعد نقبل لثم حذاء الجندي، وإن فعل بعض اللاعبين ذلك فلن نقبل بأن يلعبوا باسمنا ولن نشجعهم. سنشجع الفرق المنافسة كائنًا من كانت.

بالطبع لو كنت ولدت في مكان ما، غير سوريا، كنت فرحت لفريق يصل إلى كأس العالم وبلاده تعيش حربًا أهلية مفتوحة. ولو كنت ولدت في زمان آخر غير هذا الزمان كنت فرحت لهذا الفريق. لكنني أعيش الزمن الحالي وولدت في سوريا وما زلت أرى بأم عيني كيف يجيّر هذا النظام أي نصر أو فرح لنفسه ويجيّر الخسارة إلى كلّ السوريين. ما زلت أرى بأم عيني كيف أنّ هذا النظام يقتل ويهجّر ويعذّب ويعتقل السوريين أنفسهم الذين من المفترض عليهم تشجيع هذا المنتخب.

هذا المنتخب "الوطني" ليس لنا. هذا المنتخب، مثل كلّ سوريا، ملك لبشار الأسد وحاشيته. حتى وإن افترضنا أن بعض اللاعبين معارضين، لكن الفوز هو للأسد فقط. أنت لا تلعب لنصر سوريا، أنت تلعب لنصر الأسد الذي سيجلس بجانب فلاديمير بوتين على المنصة الرئيسية في إحدى ملاعب بطولة كأس العالم القادمة، وبجانبهم يجلس رؤساء دول أخرى بدأوا الاعتراف بالأسد، قاتل السوريين، رئيس نظام الكيماوي، السبب المباشر في المنفى القسري الذي أعيش فيه.

على كل حال "من أنا لأقول لكم ما أقول لكم" من أراد تشجيع المنتخب السوري فليشجعه ومن أراد أن يشجع المنتخب الأسترالي في مباراة الملحق الآسيوي القادمة فليفعل، ومن أراد دعم النظام بأيّ شكل فليفعل، ومن أراد معارضته فليمت في سجون النظام أو وحيدًا في المنفى، لكن الحق أقول لكم إن كان لا شيء في هذا "الوطن" غير هذا الفريق يجمع الموالين والمعارضين فليذهب هذا الوطن إلى الجحيم، ولنتابع دوريات كرة القدم الأوروبيّة بكلّ حب وحماس.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الكاراتيه السوري.. ضربة قاضية من النظام

حافظ الأسد وساسوكي