مناوشات أردوغان

مناوشات أردوغان

(Getty)

صعد نجم رجب طيب أردوغان في المنطقة العربية في أواخِر العِقد الأول من القرن الواحد والعشرين، بعد صعود نجمه في أوروبا بفترة وجيزة، وقد ترافق ذلك مع ممارسات انتهجتها الحكومة التركية، برئاسة زعيم حزب العدالة والتنمية، تجاه القضية الفلسطينية، وعلى وجه التحديد تجاه حصار قطاع غزة. 

ظهرت كتب ودراسات وأفلام ومقالات تسوِّق لحزب العدالة والتنمية التركي وتعمل على بيع سياساته

انخرط رئيس الوزراء التركي آنذاك في مشدات كلامية وتصريحات جريئة عن "إسرائيل"، وحصلت توترات دبلوماسية، في وقت اكتفت فيه الأنظمة العربية بالتنديد الرتيب والمعهود. وقد شاركت قناة الجزيرة في الترويج "للعثمانيين الجدد" بشكل واضح. كما عملت مراكز دراسات ودوائر بحث وأحزاب سياسية، في قطر ومصر والمغرب، على تعريب أيدولوجيّ لتجربة "حزب العدالة والتنمية" التركي في الحكم، وقد ارتبطت عملية النقل والترجمة تلك، وبالأساس، بجهود حثيثة تعمل على لبرلة ودمقرطة الحركة الإسلامية في المشرق والمغرب العربيين. وبالتالي، ظهرت كتب ودراسات وأفلام وثائقية ومقالات تسوِّق للحزب وتعمل على بيع سياساته.

في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2012، زار أردوغان مصر. وقد حضرتُ خطابه في دار الأوبرا المصرية، حيث اعترضه شاب سوري، كان يجلس في بَلْكون على يساري، بكلمات تركية لم أفهم منها شيئًا، لكن سرعان ما اختفى الشاب بصحبة الحرس الخاص برئيس الوزراء التركي. لا أعرف ما حصل على وجه التحديد لهذا الشاب فيما بعد، وهل طُرد فقط، أم تم ضربه أيضًا. أُعقبت زيارة أردوغان بزيارات لمجموعات شبابية من حزبه، ضمن موجة الأفواج التي أُرسلت من قِبل الأحزاب الأوروبية والأمريكية إلى القاهرة، للمساهمة في "عملية التحول الديمقراطي".

فيما بعد، ظهرت تقارير صحفية لا حصر لها توضح أن علاقة أنقرة بتل أبيب، في المجالين العسكري والاقتصادي، أكثر رسوخًا من المناوشات الإعلامية والدبلوماسية التي تثير شبق النشطاء العرب. كذلك باءت محاولات "الاستثمار" في إسلاميي مصر، وفي "التحول الديمقراطي"، بالفشل، بعد انقلاب يونيو 2013. لكن في حال خسرت تركيا ذلك كله، فهل تقف فعلًا بجانب السوريين؟

كان أردوغان صديقًا شخصيًا لبشار الأسد، وقد عمل الأخير، على ما يُروى، على تشييد قصر في دمشق يُخصص لزيارات الزعيم التركي. بيد أن ذلك كله قد انتهى مع سرطان العنف الذي تفجَّر في الأراضي السورية، خلال السنوات الماضية. وبينما يوجد ما يقترب من 1.8 مليون لاجئ سوري في تركيا، تعمل الحكومة التركية على ما يبدو أنه يضرب مصالح السوريين.

الماء ليس أقل تلك المصالح. منذ السبعينيات ثمة مشاكل حول المياه العذبة بين تركيا، من ناحية، والعراق وسوريا، من الناحية الأخرى، بسبب السدود التي تشيدها الحكومات التركية المتعاقبة، وقد وصل الأمر إلى تهديدات متبادلة بالقيام بعمل عسكري. وبعد جهود مضنية، وقَّعت كل من سوريا وتركيا على اتفاق مائي في عام 1998. لكن تظل المشكلة قائمة، بل هي تتوغل، في الوقت الذي يستمر فيه الخطاب التركي في اتهام الشعبين العراقي والسوري بعدم الرشادة في استخدام المياه.

ومن بين ذلك أيضًا تركيز تركيا على الأزمة الكردية في الأزمة السورية، وهو التركيز الذي أدى إلى مناوشات بينها وبين حليفتها أمريكا، التي رأت، حتى وقت قريب، أن أردوغان لا يعبأ كثيرًا بالخطر الداعشي بينما يكافح بلا هوادة حلفاءها الأكراد على الأرض. وانضم إلى ذلك، مؤخرًا، تسهيل تركيا لدخول قوات ومساعدات روسية إلى النظام الأسدي. وهو الأمر الذي بدا مربكًا ومضجرًا للجميع. وإذ يعود المرء بالذاكرة ليتساءل عن أي شيء جيد قدَّمته تركيا الأردوغانية للشعوب العربية، لا يجد غير المناوشات.