ممرضو غزة في دائرة المجهول

ممرضو غزة في دائرة المجهول

احتجاجات لممرضين في غزة(محمد الأسد/الأناضول)

أن تعمل ممرضًا في غزة فهذا يعني أنك تحت طائلة مسؤولية كبيرة وأنك ستكون رأس الحربة في مواجهة تبعات الحرب، والممرضون في أمس الحاجة مؤخرًا لمن يوليهم قسطًا من الاهتمام، بعد أن قذفتهم الظروف السياسية إلى منعطفات خطيرة.

لم يعد أجر مهنة الممرض في غزة كافيًا لدفع المستحقات العائلية ومتطلبات العيش الكريم 

أيمن سليمان، شاب يبلغ من العمر ثلاثين عامًا، أب لثلاثة أطفال، كان يعمل في قسم القلب بمستشفى ناصر الطبي بمدينة خان يونس جنوب القطاع، واضطر إلى تقديم استقالته هربًا من شظف العيش، وتردي الأوضاع الاقتصادية، رغم خطورة هذه الخطوة من وجهة نظر الكثيرين.

لم يعد أجر مهنة الممرض كافيًا لدفع الاستحقاقات العائلية ومتطلبات العيش الكريم، كان هذا حال أيمن وآلاف الممرضين الموزعين على مستشفيات قطاع غزة. كما أن واقعهم سوداوي ويلفه الكثير من الغموض، في ظل تواصل معاناتهم وبقائهم خارج دائرة الأولويات لكافة الأطراف الفلسطينية، حسب تصريحاتهم. وقد ساهم غياب آفاق واضحة لحل أزمات قطاع التمريض المتراكمة في غزة في تشجيع أيمن على اتخاذ قراره وتقديم استقالته.

تعد مهنة التمريض إحدى أهم المهن الاستراتيجية والرئيسية في نظم الرعاية الصحية لأي بلدٍ من البلدان سواء المتقدمة أو النامية، إلا أنها في غزة ليست كذلك. فنحو خمسة آلاف ممرض، يقفون على حافة المناكفات السياسية، وهم لا يعلمون ما إذا كان بمقدورهم المطالبة بحقوقهم كاملة أم لا، و"السبب الرئيسي هو أن القوانين المنصوص عليها في قانون الخدمة المدنية والموجود بالأساس لتحسين حياة الموظفين الحكوميين، لا يطبق منها سوى كل ما يمكن أن يهين كراماتهم"، يؤكد الممرض أيمن سليمان.

تم قبول استقالة أيمن بسرعة فائقة، وغير معتادة بالنسبة للمؤسسات الحكومية وهو ما أثار استغرابه والقلق والخوف لدى غيره من العاملين في هذا القطاع، كما أنهم فهموا قبول الاستقالة بسرعة بوجود مخططاتٍ لتقليص أعداد الممرضين العاملين بشكل رسمي داخل المستشفيات، التي تعاني أصلًا من عجز في الكوادر الطبية.

لم يتحصل الممرضون الحكوميون في غزة، كغيرهم من الموظفين الحكوميين الذين عينتهم حركة حماس عقب توليها زمام الحكم عام 2007، على رواتبهم. وهكذا تراكمت مستحقاتهم المالية لدى خزينة الحكومة، لكن ما تفاجأ به أيمن، بعد استقالته، هو عدم حصوله على مستحقاته كاملة كما كان يتوقع وكما ينص القانون، بل عليه الانتظار للحصول على ما قيمته 40% من قيمة الراتب أي ما يعادل تسعمائة دولار، ولا يسمح له بالحصول عليها إلا كل ثمانين يومًا تقريبًا.

في هذا الإطار، يقول أيمن لـ"الترا صوت": "تقدمت بالاستقالة على أمل الحصول على مستحقاتي كاملة والتي تقدر بنحو عشرين ألف دولار، بهدف إقامة مشروع صغير يوفر لي مصدر رزق دائم حتى لو كان بسيطًا، لكن ما تحصلت عليه أصابني بالذهول، وجعلني أفكر بأن مصيري سيكون التسكع في الطرقات، منتظرًا رحمة الراتب المقطوع، وبعد انقضائه تمامًا سيكون الأمر أكثر سوءًا".

قضية هذا الممرض المقهور كما يصف نفسه، تفتح الباب على مصراعيه أمام تفاقم معاناة غيره من الممرضين، الذين يفكرون مليًا بترك أماكن عملهم، حتى لو كان الشارع ملاذهم. يقول حسام عبد الله، ممرض في مستشفى الشفاء بغزة منذ نحو ثماني سنوات لـ"الترا صوت": "المشكل يتجاوز عدم تقاضي الراتب والمنع من الحصول على ترقية مالية يفترض أنها تقدر بـ 35% من إجمالي الراتب الأساسي بينما يحصل عليها الموظفون الذين عينتهم السلطة الفلسطينية بل هناك مشاكل كثيرة تعيق عملنا في التمريض".

ساهم غياب آفاق واضحة لحل الإشكالات في قطاع التمريض إضافة إلى المناكفات السياسية في تأزم وضع الممرضين بغزة 

يوضح حسام تلك المشاكل: "في غزة، لا تصلح بيئة المرافق الصحية للعمل، فهناك نقص في الكوادر الطبية والمعدات اللازمة لتسهيل عمل الممرضين، عدا عن تعرضنا في كثير من المواقف للشتائم وربما الضرب من قبل بعض الأهالي الغاضبين من نقص الخدمات التي تخرج عن نطاق سيطرتنا". ويتابع: "التعامل الإداري داخل أروقة المستشفيات، ومضاعفة ساعات العمل على حساب حياتنا الاجتماعية يزيد الوضع تأزمًا، بعض الأسابيع ترتفع فيها عدد ساعات العمل إلى حوالي خمسين ساعة ولا يحق لنا خلالها طلب الحصول على إجازة رغم أن القانون يسمح بذلك".

ويتهم حسام النقابات المهنية بالتقصير، فهي بحسبه "تعمل وفق أجندة حزبية لصالح أبناء هذا الحزب أو ذاك، دون مراعاة لدورها الحقيقي في مساندة الممرضين كافة على اختلاف انتماءاتهم"، ويضيف حسام: "على غير المتوقع تساند النقابات القرارات الحكومية المجحفة كما شكل تخلي حكومة التوافق الوطني عن مسؤولياتها تجاه غزة معضلة بالنسبة لنا".

سعى بعض الممرضين والفاعلين في القطاع إلى الدعوة إلى إضرابات واحتجاجات ضد تعاطي حكومتي غزة ورام الله مع قضيتهم لكن محاولاتهم باءت بالفشل. والسبب وفق ما يؤكده حسام هو "تخدير الموظفين من حين لآخر من خلال بعض الوعود بتحسين وضعهم لكن لا تغيير يحصل على أرض الواقع كما يعيقهم عن الإضراب الواجب الإنساني".

ومن أهم إشكالات قطاع التمريض في غزة أيضًا عدم وجود إدارة عامة للتمريض، والتي تم إلغاؤها وفق القرار رقم 34 الصادر عام 2005، من وزير الصحة السابق في الحكومة العاشرة ذهني الوحيدي. ويتضمن نصه: "أن يتبع التمريض في كل مؤسسة صحية، المدير الطبي لهذه المؤسسة.. وهو من يقرر اللازم بالنسبة لسلك التمريض". في هذا السياق، يشير عمار أبو سمرة، ممرض يعمل في قسم الصدرية بمستشفى الشفاء، إلى أن هذا القرار يُلغي كافة الوظائف المتعلقة بوحدة التمريض ويكون دورها فقط صوري، يجب أن يلغى هذا القرار قبل كل شيء فهو يشكل عقبة في طريق تسهيل كل طلب".

ويضيف: "تكمن أهم مطالبنا إجمالًا في صرف علاوة المخاطرة التي تعادل حوالي 35% من الأجر الأساسي، والعمل على تعديل قانون الخدمة المدنية لرفع علاوة المهنة من ثلاثين إلى ستين في المائة إضافة إلى احتساب عدد الساعات الدراسية للممرضين الذين يستكملون دراستهم الجامعية، كما يجب توظيف عدد من الخريجين لسد العجز في الطواقم العاملة وتخفيف الأعباء الملقاة علينا".

اقرأ/ي أيضًا: 

أبراج المراقبة أشواك في حلق غلاف غزة

غزة.. عودة إلى المدارس المقصوفة

سكان كرافانات غزة يتأهبون لشتاءٍ طويل