ممداني المزعج لإسرائيل
19 يوليو 2026
"إسرائيل تمارس نظام فصل عنصري ضد الفلسطينيين، وترتكب حرب إبادة جماعية في غزة، ويجب اعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إذا زار نيويورك".
قبل سنوات قليلة، كان من الصعب تخيل صدور مثل هذه التصريحات عن مسؤول أميركي منتخب، إذ كان من المرجح أن تنهي أي انتقادات بهذه الطريقة مستقبله السياسي. لكن هذه المواقف جاءت على لسان عمدة نيويورك زهران ممداني، في مؤشر على التحولات التي يشهدها الخطاب السياسي الأميركي تجاه إسرائيل.
ولم يعد ممداني حالة استثنائية بالكامل، إذ بات كثير من الديمقراطيين، وبعض الجمهوريين أيضًا، يوجهون انتقادات علنية للحكومة الإسرائيلية، وإن جاءت غالبًا بصياغات أكثر دبلوماسية، على عكس ممداني، كما أن دعم الحقوق الفلسطينية وانتقاد الحرب في غزة لم يعد يُنظر إليهما بالضرورة على أنهما عبء انتخابي، بل أصبحا، لدى شريحة متزايدة من الناخبين الأميركيين، عاملًا يعزز شعبية بعض السياسيين ويمنحهم تأييدًا أوسع، والدليل على ذلك هو ممداني نفسه، الذي تحوّل خلال فترة قصيرة إلى أحد أكثر السياسيين الأميركيين إزعاجًا لتل أبيب، بعدما تبنى خطابًا غير مسبوق في حدته تجاه الحرب على غزة وسياسات الحكومة الإسرائيلية.
هو عمدة مدينة نيويورك، التي تضم واحدة من أكبر التجمعات اليهودية، ليس فقط في أميركا، وإنما في العالم
ممداني المختلف
رغم أن شخصيات أميركية بارزة، من بينها نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، وجهت انتقادات إلى الحكومة الإسرائيلية، فإن ممداني يختلف عن غيره في طبيعة خطابه. فهو لا يكتفي بانتقاد أداء حكومة نتنياهو، بل يستخدم توصيفات قانونية وسياسية مباشرة، مثل "الفصل العنصري" و"الإبادة الجماعية"، ويتحدث عن ضرورة محاسبة المسؤولين الإسرائيليين، وهو ما تعتبره تل أبيب تجاوزًا لكل الخطوط التي اعتادت عليها في الخطاب السياسي الأميركي.
ولا يرتبط الانزعاج الإسرائيلي بمضمون تصريحات ممداني فحسب، وإنما أيضًا بالموقع الذي يشغله. فهو عمدة مدينة نيويورك، التي تضم واحدة من أكبر التجمعات اليهودية، ليس فقط في أميركا، وإنما في العالم، خارج دولة الاحتلال الإسرائيلي، إذ يُقدَّر عدد اليهود فيها بنحو 1.37 مليون شخص، وفق تقديرات الاتحاد اليهودي في نيويورك.
ولذلك تنظر إسرائيل إلى أي تحول في الخطاب السياسي داخل المدينة باعتباره تطورًا يتجاوز حدود السياسة المحلية، لما قد يحمله من تأثير على الرأي العام داخل واحدة من أهم المدن الأميركية وأكثرها تأثيرًا في صناعة القرار والإعلام والاقتصاد.
تأثير عالمي
ويزيد من هذا القلق الإسرائيلي أن ممداني يتمتع بحضور إعلامي لافت، كونه تصريحاته تحضا بتغطية واسعة في وسائل الإعلام الأميركية، كما تنتقل بسرعة إلى وسائل الإعلام العربية ومنصات التواصل الاجتماعي، لتصبح جزءًا من النقاش العالمي حول الحرب في غزة. وبذلك لا تقتصر آثار مواقفه على الداخل الأميركي، بل تمتد إلى صورة إسرائيل في الخارج، وهو ما يمنح تصريحاته وزنًا سياسيًا وإعلاميًا أكبر من مجرد تصريحات لمسؤول محلي.
كما أن الشخصية السياسية لممداني أسهمت في تضخيم تأثيره. فخطابه المباشر، وأسلوبه الصريح، وقدرته على جذب الاهتمام الإعلامي، جعلته أحد أبرز الوجوه السياسية الصاعدة في الولايات المتحدة، وهو ما يثير قلق إسرائيل من أن يتحول هذا الخطاب إلى نموذج تتبناه شخصيات أميركية أخرى، في ظل التراجع الملحوظ في مستوى التأييد المطلق الذي كانت تحظى به داخل الأوساط السياسية الأميركية.
هجوم إسرائيلي على ممداني
ونتيجة مواقف ممداني، يشن مسؤولون إسرائيليون هجمات متكررة عليه، واتهموه بمعاداة السامية والتحريض ضد إسرائيل، معتبرين أن تصريحاته تتجاوز حدود النقد السياسي إلى استهداف إسرائيل.
وبعد إعلان ممداني أن إدارته تبحث آليات التعامل مع مذكرة التوقيف الصادرة بحق نتنياهو، هاجم السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة، داني دانون بالقول: "إن عمدة نيويورك منشغل بإثارة العداء لإسرائيل بدل الاهتمام بإدارة المدينة، مؤكدًا أن نتنياهو سيشارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة كما هو مخطط له.
ولم يكتف دانون برفض تصريحاته، بل أضاف: إن "من يجب اعتقاله هو ممداني"، في تصعيد يعكس حجم الغضب الإسرائيلي من الخطاب الذي يتبناه عمدة نيويورك.
وتُظهر هذه المواجهة أن تل أبيب باتت تنظر إلى ممداني بوصفه أكثر من مجرد مسؤول محلي ينتقد سياساتها؛ فهو يمثل، بالنسبة إليها، مؤشرًا على تحول أوسع داخل المشهد السياسي الأميركي، حيث أصبحت المواقف المؤيدة للحقوق الفلسطينية والمنتقدة للحرب في غزة أكثر حضورًا في الخطاب العام، وأكثر قدرة على تحقيق صدى شعبي وسياسي.
تقرؤون المزيد في: غزة تلاحق تل أبيب إلى نيويورك.. ممداني يقاطع "يوم إسرائيل"