ملف المدمرة كول يلاحق السودان حتى اليوم.. واشنطن مصرة على التعويضات

ملف المدمرة كول يلاحق السودان حتى اليوم.. واشنطن مصرة على التعويضات

ما زال الابتزاز الأمريكي للسودان بشأن تفجير المدمرة كول مستمرًا (Getty)

ثمة حوادث تاريخية شكلت علامة فارقة في تاريخ العلاقات السودانية الأمريكية، مثل تفجير سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام في السابع من آب/أغسطس 1998. كذلك احال فيما يتعلق بالهجوم الذي شنه تنظيم القاعدة في بداية الألفية على المدمرة "كول" بميناء عدن، فأضحى السودان مدرجًا على القائمة السوداء الأمريكية بمزاعم توفير الدعم اللوجستي للمهاجمين ورعاية الإرهاب.

رغم تبني تنظيم القاعدة مسؤوليته عن حادثتي السفارة الأمريكية في دار السلام والمدمرة كول، إلا أن الغضبة الأمريكية انسحبت على العديد من البلدان من بينها السودان

جاءت حادثتا السفارة الأمريكية في دار السلام والمدمرة كول بفارق عامين تقريبًا، ورغم تبني تنظيم القاعدة وقتها مسؤوليته عن تلك الهجمات، إلا أن الغضبة الأمريكية انسحبت على العديد من البلدان التي كانت تأوي أسامة بن لادن ومن بينها السودان.

تعويض أسر الضحايا

في العام 2016 قضت محكمة استئناف أمريكية في نيويورك بضرورة إلزام الحكومة السودانية بتحويل نحو 300 مليون دولار إلى ضحايا الهجوم على المدمرة الأمريكية "كول" كنوع من التعويضات. وجاء القرار في إطار تنفيذ حكم قضائي سابق على السودان بدفع هذا المبلغ، بينما رفضت الدائرة الثانية بمحكمة الاستئناف دفاع السودان بأن المدعين فشلوا في اتباع الإجراءات الصحيحة للحصول على الأموال.

اقرأ/ي أيضًا: هل هناك دور لإسرائيل في الحوار الأمريكي السوداني؟

كان 15 بحارًا أمريكيًا وثلاث من زوجاتهم قد رفعوا قضية في واشنطن على السودان عام 2010، اتهموه بتقديم دعم مالي لتنظيم القاعدة ساعد في تسهيل الهجوم على المدمرة الأمريكية، وحتى تأخذ تلك الأحكام بعدًا تشريعيًا وافق مجلسا الشيوخ النواب بالتوالي على قانون جاستا، الموسوم بقانون العدالة ضد رعاة الإرهاب، فبدا كما لو أنه موجهًا بدقة نحو الرياض والخرطوم.   

المقارعة بالسيادة

تجاهلت الحكومة السودانية تلك الدعوات القضائية في أول الأمر، لكنها انتبهت لمقارعتها عبر المحاكم الدولية، وذلك بعد نفي أي علاقة ظاهرة أو خفية لها بتلك الحوادث، ونحت أول مرافعة سودانية إلى التشكيك في قرار المحكمة، معتبرة على لسان أحد المسؤولين السودانيين بأنه ليس من اختصاص محكمة أمريكية إدانة دولة ذات سيادة بقانون أمريكي، وهو ما يعني عدم اعترافها بهذا الحكم.

لكن يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية عازمة على بلوغ مرماها في الحصول على تعويضات مالية، وهو غالبًا السبب الأساسي لزيارة عضو مجلس النواب الأمريكي غيس بيلراكيس للسودان منتصف الشهر الجاري، والذي قضى أيامًا في الخرطوم التقى خلالها بالعديد من المسؤولين والصحفيين والمعتقلين أيضًا بسبب المظاهرات الجارية.

كما طالب عضو الكونغرس من السودان الدخول في مفاوضات فيما يتعلق بتعويضات الأحكام العالقة المتصلة بالإرهاب. وقال في بيان مقتضب تلقى "ألترا صوت" نسخة منه أنه كجزء من المرحلة الثانية في الحوار الأمريكي السوداني سيُطلب من السودان الدخول في مفاوضات بحسن نية فيما يتعلق بالتعويضات في عدد من الادعاءات والأحكام العالقة المتعلقة بالإرهاب ضد السودان، والتي رفعت من قبل ضحايا الإرهاب، بما في ذلك أحكام محكمة أمريكية تتعلق بتفجيرات سفارات في العام 1998 في دار السلام ونيروبي، وهجوم عام 2000 على المدمرة الأمريكية كول. مضيفًا "أن هذه مسألة مهمة بالنسبة لدوائرنا الانتخابية ويجب حلها، ولذا سأستمر في البحث عن تعويض عادل للضحايا".

مآرب أخرى للزيارة

بينما كان الهدف المعلن لزيارة النائب الأمريكي هو التمهيد لمرحلة ثانية من الحوار بين واشنطن والخرطوم لرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب والتعرف على الحقائق على الأرض، إلا أن غيس بيلراكيس حرص على إثارة هذه القضية، دون أن يتلقى إجابة قاطعة من الحكومة السودانية. إذ بات واضحًا أن الخرطوم لا تود خلط أجندة هذا الملف مع أوراق الحوار الذي قطع شوطًا بين البلدين، لكنها في الوقت نفسه تحفزت لخوض معركة قانونية طويلة، وقد أوكلت بالفعل لمكتب محاماة أمريكي مباشرة القضية، تحديدًا بعد قبول محكمة فرجينيا التماس السودان بإعادة النظر في تلك القضايا، والسماح لقانونيين بالترافع عن السودان مجددًا، بينما رفضت محكمة نيويورك التماس السودان، رغم تدخل وزارة العدل الأمريكية لصالح الخرطوم.

ويتركز النزاع حول دفاع السودان بأنه لم يتم إخطاره بشكل صحيح بالدعوى القضائية عندما تم تسليم المطالبات لسفارته في واشنطن في عام 2010، وليس إلى وزير الشؤون الخارجية في العاصمة الخرطوم بموجب القانون الأمريكي والدولي.

صمت الحكومة السودانية حول إثارة عضو الكونغرس القضية من مسرح جديد لم يكن إيحاءً بالموافقة على دفع التعويضات، حيث شن عدد من الإعلاميين المقربين من النظام هجومًا ضاريًا على غيس بيلراكيس. فيما تعود تفاصيل حادثة دار السلام إلى آب/أغسطس 1998 حيث توقفت شاحنة صباح ذلك اليوم محملة بأطنان من المتفجرات قبالة سفاراتي أمريكا في نيروبي ودار السلام، ودوى انفجار هائل أسفر عن مقتل أكثر من مئتي شخص وجرح العشرات معظمهم من الكينيين، وعلى الفور قام الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون وقتها بقصف عدة أهداف في السودان وأفغانستان؛ بصواريخ كروز التي دمرت مصنع الشفاء للأدوية في ضاحية بحري شمال الخرطوم، وزعمت إدارة كلينتون أنها تمتلك أدلة كافية لإثبات أن المصنع ينتج أسلحة كيميائية، وهو ما اتضح لاحقًا عدم صحته بعد تحقيق شاركت فيها بعثة أمريكية. 

مذكرات شاهد عيان

حكى وزير الدفاع السوداني الأسبق اللواء عثمان عبد الله في مذكراته تفاصيل واقعة المدمرة كول، حين كانت تجوب المياه العميقة لميناء عدن في اليمن عام 2000، وكانت المدمرة الأمريكية يو إس إس كول، حاملة الصواريخ الموجهة، التي تزن 8330 طن، متوقفة عند عوامة تزويد للوقود، وكلف بناؤها مليار دولار.

اقرأ/ي أيضًا: السودان وإسرائيل.. المصالح المشتركة للأعداء

ودون عثمان عبد الله الذي شهد تداعيات تلك الحادثة عن قرب تفاصيل ما جرى على جدار صفحته فيسبوك قائلًا: "بينما كانت المدمرة كول تعبئ خزّاناتها، تقدم نحوها زورق صيد من الفيبر غلاس محملًا بمتفجرات بلاستيكية، أوقف رجلان كانا في الزورق البخاري زورقهما وسط السفن وابتسما ولوحا بيديهما، ثم أديا التحية العسكرية"، بعدها حدث انفجار هائل حطم المدمرة كول، ولقى 17 بحارًا أمريكيًا مصرعهم في الحال.

يبدو أن واشنطن عازمة على الحصول على تعويضات مالية من السودان على خلفية تفجير المدمرة كول، وهو غالبًا السبب الأساسي لزيارة عضو مجلس النواب غيس بيلراكيس للسودان

بينما سبح عدد من البحارة عبر الفجوة التي أحدثها الانفجار للنجاة من لهيب النيران وقد بدت المدمرة الحربية الكبيرة كحوتٍ عملاق مبعوج البطن، وفقًا للواء عثمان، الذي أشار إلى أن أمريكا كانت حريصة منذ البداية على إقحام السودان في الحادثة لاتهامها له بالإرهاب، ولإيوائه ابن لادن في وقت سابق، وجاء الاتهام الأمريكي للسودان بافساح المجال للقاعدة عبر سواحله لتنفيذ مخطط تدمير كول، وهو ما اعتبره القضاء الأمريكي دعمًا لوجستيًا يستوجب تعويض أهالي الضحايا.

 

 

اقرأ/ي أيضًا: 

التصالح الأوروبي السوداني على جثث اللاجئين.. ضوء أخضر للقتل والتنكيل