ملف المخفيين قسرًا في اليمن: السجون السرية تعود للواجهة بعد التطورات في الجنوب
15 يناير 2026
عاد ملف المخفيين قسرًا في المحافظات الجنوبية اليمنية إلى الواجهة، مع تصاعد الاهتمام الحقوقي والسياسي بعد سنوات من الإهمال والمعاناة لأسر هؤلاء المخفيين.
على امتداد جنوب البلاد الخاضع لسلطة الحكومة الشرعية، انتشرت سجون سرية تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، الذي تتهم الحكومة اليمنية دولة الإمارات بدعمه. ورغم أن الانتقالي شريك في السلطة الرسمية، ظل يمارس أنشطته بعيدًا عن القانون، وفقًا لمصادر حقوقية.
شهد الجنوب سنوات طويلة من "الجنون الأمني"، حيث توسعت شبكات السجون والمراكز غير القانونية، ووقعت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، شملت الاختطاف والاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب، دون أي إجراءات قضائية واضحة. ومع حل المجلس الانتقالي الجنوبي وهروب رئيسه عيدروس الزبيدي إلى أبوظبي، وانسحاب القوات الإماراتية من الجنوب، بدأ الأمل يتجدد لدى الأسر الباحثة عن مصير أبنائها.
خلال سنوات الحرب، ظلت الأسر تطالب بالكشف عن مصير أبنائها في سجون الانتقالي بالجنوب، وفي سجون الحوثيين بالشمال، دون أي إجابات. ومع انهيار المجلس الانتقالي وسيطرة القوات الحكومية على المحافظات الجنوبية والشرقية، أعيد فتح ملف إنساني مهم. أما بالنسبة للمحتجزين في سجون الحوثيين، فلا بوادر حل ملموس، سوى اتفاق أممي عقد مؤخرًا في سلطنة عمان يشمل الإفراج عن نحو ثلاثة آلاف أسير ومحتجز بين الحكومة اليمنية والحوثيين.
قصة المخفي قسرًا عادل محمد صالح حداد
مع التطورات الأخيرة في المحافظات الجنوبية، عاد الأمل إلى كثير من الأسر للبحث عن مصير أبنائها المخفيين قسرًا. تقول زوجة المخفي قسرًا عادل محمد صالح حداد، البالغ من العمر 47 عامًا، في حديث لـ"الترا صوت" إن زوجها اختطف عام 2016 من قبل عناصر تابعين للانتقالي الجنوبي في "جولة الكراع" وسط العاصمة المؤقتة عدن.
وأضافت أن هناك حديثًا آنذاك عن نقله إلى مقر تشرف عليه قوات إماراتية، إلا أن مصيره بقي مجهولًا منذ ذلك الحين. عادل، وهو من أبناء مديرية كريتر في عدن، لم تُوجه له تهم رسمية أمام القضاء، وفق زوجته، بل ظل مخفيًا بشكل قسري.
شهد الجنوب سنوات طويلة من "الجنون الأمني"، حيث توسعت شبكات السجون والمراكز غير القانونية، ووقعت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، شملت الاختطاف والاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب
وأوضحت زوجته أن قرار الرئيس رشاد العليمي بإغلاق السجون السرية أعاد الأمل لدى أسر المخفيين، إلا أنه وحتى بعد فتح عدد من هذه السجون، لم يتم العثور على عادل حداد. وناشدت الحكومة اليمنية السماح بدخول المعسكرات التي تحتوي على سجون سرية للكشف عن مصير المخفيين والمختطفين.
كسر جدار الخوف
تقول رئيسة رابطة أمهات المختطفين، أمة السلام الحاج، في تصريح لـ"الترا صوت" إن الرابطة وثقت حتى الآن 62 حالة إخفاء قسري في مدينة عدن وحدها، العاصمة المؤقتة لليمن. وأكدت أن العديد من الأسر كانت تتردد في الإبلاغ عن اختفاء أبنائها خوفًا على حياتهم، في ظل غياب الدولة. وأضافت أن الوضع تغير بعد سقوط سلطة المجلس الانتقالي الجنوبي، حيث سارعت الكثير من الأسر إلى توثيق وتسجيل المخفيين قسرًا لدى المنظمات الحقوقية والجهات الرسمية المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان.
من السجون السرية إلى مطالب العدالة
طالبت رابطة أمهات المختطفين السلطة الشرعية اليمنية، بعد فرض سيطرتها على العاصمة المؤقتة عدن، بالتحرك العاجل للكشف عن مصير المخفيين منذ عام 2015، وتمكين أسرهم من حقهم الإنساني والقانوني في معرفة مصير أبنائهم المحتجزين في السجون السرية التابعة للمجلس الانتقالي.
وفي السياق ذاته، أكدت منظمة "سام للحقوق والحريات" اليمنية، أن "معتقلات وسجون المجلس الانتقالي في جنوب اليمن تشكل نمطًا من الانتهاكات الجسيمة والمنهجية لحقوق الإنسان، شملت الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري وسوء المعاملة والتعذيب".
وطالبت المنظمة بفتح تحقيق قضائي شامل لا يقتصر على حصر السجون السرية وإغلاقها، بل يشمل التحقيق في طبيعتها القانونية والجهات المتورطة في إنشائها وإدارتها، إلى جانب القيادات والمؤسسات الرسمية التي وفرت لها الغطاء.
توجيه رئاسي بإغلاق السجون السرية
في تطور مهم، وجه رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، بإغلاق جميع السجون غير الشرعية ومراكز الاحتجاز السرية في المحافظات الجنوبية، أبرزها عدن ولحج والضالع، والتي كانت خاضعة لسيطرة المجلس الانتقالي وتشكيلات مسلحة خارج الإطار القانوني للدولة.
وتضمن التوجيه الرئاسي الإفراج الفوري عن المحتجزين الذين لا توجد بحقهم تهم قانونية أو أوامر قضائية، ونقل المحتجزين المثبت عليهم التهم إلى مرافق رسمية وقانونية تابعة للدولة، إلى جانب حصر مواقع الاحتجاز غير القانونية ووضع خطة عاجلة لإغلاقها.
من جهتها، أعلنت النيابة العامة أنها باشرت تنفيذ توجيهات العليمي، والتي تقضي بإغلاق السجون ومراكز الاحتجاز غير الشرعية في عدد من المحافظات، والإفراج عن المحتجزين خارج إطار القانون.
ووجّه النائب العام، ورئيس شعبة السجون، ورؤساء النيابات المعنية بالنزول الميداني الفوري لتفتيش أماكن التوقيف والاحتجاز الواقعة ضمن نطاقهم، والإفراج الفوري عن كل من ثبت احتجازه دون مسوغ قانوني. كما شدد على نقل المحتجزين الذين لديهم قضايا أو أوامر ضبط قانونية إلى السجون الرسمية، وإحالة قضاياهم إلى النيابات المختصة، وإغلاق كافة أماكن التوقيف والاحتجاز غير المعتمدة، وتوثيق ذلك بمحاضر رسمية مع تحديد المسؤولية عن أي احتجاز غير قانوني واتخاذ الإجراءات اللازمة حيال المخالفين.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تأتي كجزء من جهود بسط سيادة الدولة وسيادة القانون في جنوب اليمن، بعد تغير موازين القوى السياسية والأمنية وعودة سلطة الدولة، عقب سنوات من هيمنة المجلس الانتقالي الجنوبي على المشهد المحلي.
طالبت رابطة أمهات المختطفين السلطة الشرعية اليمنية، بالتحرك العاجل للكشف عن مصير المخفيين، وتمكين أسرهم من حقهم الإنساني والقانوني في معرفة مصير أبنائهم المحتجزين في السجون السرية التابعة للمجلس الانتقالي
مطالبات بإنصاف الضحايا
في السياق، أشادت رئيسة رابطة أمهات المختطفين، أمة السلام الحاج، بالقرار الرئاسي بإغلاق السجون السرية، معتبرة أن توجيهات رئيس مجلس القيادة اليمني، رشاد العليمي، بإغلاق مراكز الاحتجاز غير القانونية تبث الفرح وتثمن جهود الأمهات الباحثات عن أبنائهن منذ العام 2018.
وأكدت الحاج أن العديد من الأسر تعرضت لأزمات متعددة نتيجة اختفاء أبنائها، حيث توقفت رواتب الكثير من المخفيين الموظفين، ما جعلهم منقطعين عن العمل، مشددة على استمرار الرابطة في توثيق حالات الإخفاء القسري، ودعت الأسر إلى سرعة تسجيل أبنائها، مطالبة السلطات الحكومية بـ العمل الجاد لمعالجة هذا الملف الإنساني ومحاسبة المتورطين.
من جانبه، أشاد المركز الأميركي للعدالة، وهو منظمة غير حكومية، بقرار إغلاق السجون السرية، مطالبًا بـ تحقيق محاسبة القائمين على السجون غير القانونية، وإنصاف الضحايا، وجبر الضرر، وإيجاد ضمانات تشريعية لمنع تكرار هذه الجرائم.
في هذا الإطار، يرى حقوقيون أن السلطة الشرعية أمام تحدٍ كبير يتمثل في تحقيق مساءلة حقيقية وكشف شامل للحقائق وإنصاف ضحايا الإخفاء القسري وأسرهم.







