ملف إبستين يُشعل الكونغرس.. مواجهة حادة بين وزارة العدل والمشرّعين
13 فبراير 2026
لم تكن جلسة الاستماع التي عقدتها اللجنة القضائية في مجلس النواب الأميركي مجرّد محطة رقابية روتينية، بل تحولت إلى ساحة مواجهة سياسية وقانونية مفتوحة حول ملفين متداخلين: طريقة إدارة وزارة العدل لملفات جيفري إبستين، وحدود السلطة التنفيذية في التعامل مع ممثلي السلطة التشريعية في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وأعادت الجلسة ملف إبستين إلى واجهة المشهد في واشنطن، ووضعت إدارة ترامب ووزارة العدل تحت مجهر الكونغرس، في ظل مناخ سياسي شديد الاستقطاب.
بوندي في قلب المواجهة
في قلب المشهد وقفت المدعية العامة الأميركية بام بوندي، التي وجدت نفسها أمام انتقادات ثنائية الحزب، الديمقراطي والجمهوري، تراوحت بين اتهامات بـ"التجسّس" على النواب الذين اطّلعوا على وثائق غير منقّحة، وبين اتهامات مضادة باستغلال الملف سياسيًّا لتصفية الحسابات.
وبحسب ما أوردته تغطيات صحفية، انحدرت الجلسة في لحظات عدة إلى مشادات كلامية وعبارات حادة، بينها وصف بوندي أحد الديمقراطيين بـ"الخاسر الفاشل"، وانسحاب أحد المشرّعين بعد سجال ساخن، في جلسة استمرت نحو أربع ساعات.
وقفت المدعية العامة بام بوندي، التي وجدت نفسها أمام انتقادات ثنائية الحزب، الديمقراطي والجمهوري، تراوحت بين اتهامات بـ"التجسّس" على النواب الذين اطّلعوا على وثائق غير منقّحة، وبين اتهامات مضادة باستغلال الملف سياسيًّا لتصفية الحسابات
صورة فجّرت الأزمة
بدأت شرارة الأزمة من صورة التُقطت خلال جلسة الاستماع، ظهرت فيها بوندي وهي تحمل ملاحظات تضم ما وُصف بأنه "سجل بحث" للنائبة براميلا جايابال، يتضمن تفاصيل عن عمليات البحث التي أجرتها أثناء مراجعة الوثائق غير المنقّحة داخل منشأة تابعة لوزارة العدل.
ورأى نواب في ذلك دليلًا على أن الوزارة لا تكتفي بإتاحة الوصول إلى الملفات عبر أجهزة حكومية، بل تسجّل وتوثّق بالتفصيل ما يطّلع عليه أعضاء الكونغرس داخل أنظمتها.
تبرير لم يُقنع المنتقدين
دافعت وزارة العدل عن نفسها بالقول إن تسجيل عمليات البحث يهدف إلى "حماية معلومات الضحايا ومنع التسريب". غير أن هذا التبرير زاد الجدل بدل أن يخففه.
فالاعتراض لم يكن على مبدأ الإجراءات الأمنية بحد ذاته، بل على مستوى تفصيل البيانات المجمّعة، وكيفية استخدامها، ولماذا ظهرت مطبوعة بيد المدعية العامة خلال جلسة رقابية يفترض أن تُحاسَب فيها الوزارة أمام المشرّعين.
واعتبر النائب الديمقراطي جيمي راسكن أن ما جرى "إساءة استخدام فاضحة للسلطة"، وأعلن عزمه طلب تحقيق من المفتش العام لوزارة العدل. كما وصفت قيادات ديمقراطية القضية بأنها مسّ مباشر بمبدأ الفصل بين السلطات.
وفي المقابل، قال رئيس مجلس النواب مايك جونسون إنه لا يرى أن تتبّع عمليات بحث النواب "أمر مناسب"، مرجّحًا أن يكون ما حدث خطأً إداريًّا، في موقف يعكس الحرج داخل المعسكر الجمهوري الحليف لإدارة ترامب.
جدل الوثائق وحقوق الضحايا
بالتوازي مع ملف تتبّع النواب، تفجّر جدل آخر حول طريقة إدارة وزارة العدل لنشر ملايين الوثائق المرتبطة بتحقيقات إبستين.
ركّز نواب ديمقراطيون على أن عملية التنقيح لم تكن منضبطة، وأن بعض المواد المنشورة كان ينبغي حجبها قانونيًّا لحماية الضحايا، وهي نقطة ازدادت رمزية مع وجود عدد من الناجيات والناجين في القاعة خلف بوندي.
تعاطف بلا اعتذار رسمي
حاولت بوندي إظهار تعاطفها مع المتضررين، ووصفت إبستين بأنه "وحش"، وقدّمت عبارات اعتذار عمّا تعرّض له الضحايا. لكنها رفضت تقديم اعتذار رسمي عن أداء وزارتها في إدارة التنقيح، مؤكدة أن أي أخطاء يتم اكتشافها تُصحّح فورًا، وأن الوزارة تعمل ضمن مهلة زمنية فرضها القانون لإتاحة الوثائق.
ورأى منتقدوها أن هذا التوازن بين الخطاب الأخلاقي والدفاع الإداري كان أحد أسباب احتدام الجلسة، لأن التعاطف دون مساءلة إجرائية لا يكفي.
ملف ماكسويل يثير تساؤلات
في السياق نفسه، طُرحت أسئلة حول وضع غيسلين ماكسويل، شريكة إبستين المدانة في القضية، بعد نقلها من منشأة منخفضة الحراسة في فلوريدا إلى معسكر نسائي أدنى حراسة في تكساس، عقب لقاء مع نائب المدعي العام تود بلانش.
وأثار هذا النقل اعتراضات ديمقراطية طالبت بإعادتها إلى منشأة أشد حراسة، فيما قالت بوندي إن القرار يعود لمصلحة السجون، وإنها علمت به بعد تنفيذه.
حاولت بوندي إظهار تعاطفها مع المتضررين، ووصفت إبستين بأنه "وحش"، وقدّمت عبارات اعتذار عمّا تعرّض له الضحايا. لكنها رفضت تقديم اعتذار رسمي عن أداء وزارتها في إدارة التنقيح
انقسام داخل الجمهوريين
لم تكن الانتقادات حكرًا على الديمقراطيين. فقد عبّر بعض الجمهوريين عن اعتراضهم، لكن من زاوية مختلفة، معتبرين أن الوزارة بالغت في الحذف والتنقيح، وحجبت أسماء شخصيات لا يشملها القانون بالحماية.
وذهب النائب الجمهوري توماس ماسي إلى وصف القضية بأنها "أكبر من ووترغيت"، مطالبًا بمعرفة من قرر الحذف ومن سيُحاسَب عليه، ومشيرًا إلى أن القضية تمتد عبر إدارات متعددة.
ووترغيت هي أشهر فضيحة سياسية في تاريخ الولايات المتحدة، وقعت في سبعينيات القرن الماضي، وأدّت إلى استقالة الرئيس الأميركي، ريتشارد نيكسون. وهو الرئيس الأميركي الوحيد الذي استقال من منصبه في تاريخ الولايات المتحدة.
ملف إبستين كسلاح سياسي
تعكس قضية إبستين شبكة معقدة من العلاقات بين السلطة والمال والنفوذ، في ظل ضعف آليات المساءلة. فالوثائق تكشف حجم التواطؤ والصمت الذي أحاط بالقضية، لكنها تفتح أيضًا نقاشًا أوسع حول طبيعة النخب الحاكمة، وحدود العدالة، وحق الضحايا في محاسبة جميع المتورطين.
ورغم وفاة إبستين عام 2019، لا يزال صدى قضيته يغذّي الاستقطاب السياسي في واشنطن.
فالجمهور يطالب إدارة ترامب بـ"كشف كل شيء"، بينما تحاول وزارة العدل إظهار أنها تمضي في الشفافية دون انتهاك خصوصية الضحايا، وفي الوقت نفسه لا تريد فتح الباب أمام اتهامات باستخدام أجهزة الدولة لمراقبة الكونغرس.
وهنا يتقاطع القانون بالسياسة: هل كانت إجراءات الوزارة جزءًا من بروتوكول أمني طبيعي داخل أنظمتها؟ أم تحولت، إلى وسيلة لتتبّع نشاط رقابي يهدف أصلًا إلى مساءلة السلطة التنفيذية؟