ملفات إبستين.. المنهج لا يُحاكَم
2 فبراير 2026
قال بايليش بثقة من فهمَ العالمَ والسلطة لسيرسي: "المعرفة قوة". بدا الرجل وقحًا للغاية أمام الملكة المتخمة بالقوة، لا سيما أنه مجرد لورد، فقالت لجنودها بكل هدوء: "اقطعوا رأسه". وفي اللحظة التي وُضع فيها السيف على عنقه ألغت الأمر قائلةً: "غيّرت رأيي". وقبل أن تغادر المكان نظرتْ إلى القوّاد الأكبر في الممالك السبع وقالت له ما أدركه جيدًا: "القوة هي القوة".
تلك الدقائق العنيفة مجرد مجادلة فكرية بين أبرز معاني السلطة، التي رأى مشاهدو مسلسل "صراع العروش" مثلها الكثير كاختصارات بارعة لفلسفة السلطة.
ربما بدا اللورد بايليش مهزومًا هو وفلسفته التي تُراهن على المعرفة طريقًا إلى القوة، على يد ملكته التي تملك الجنود والسلاح والقرار، وتؤمن أن السلطة قوة لا تحتاج إلى تبرير. لكنّ هذا ليس صحيحًا تمامًا، فسلطة المعرفة بطيئة، في حين أن سلطة القوة سريعة. وفي ضبط الإيقاع بين السلطتين يكمن النصر لمن يبحث عنه.
على كل حال، لم يكن اللورد بايليش وحده من أخطأ التقدير، ففي عالمنا الواقعي، حيث لا يوجد مؤلف ينهي القصص المروعة التي تحدث أمامنا طوال الوقت، ارتكب جيفري إبستين الخطأ نفسه، إذ اتبع المنهج نفسه وعرف كثيرًا، أكثر مما ينبغي، وحين وُجد ميتًا في زنزانته قبل سنوات وقيل إنه انتحر، لم يكن هناك من يصدّق تلك الخاتمة.
يقولون إن السلطة في الدولة الحديثة تُمارَس عبر القوانين والمؤسسات، لكنّ خلف الوجه الرسمي المقبول لها، ثمة سلطات فتّاكة تُمارس سرًّا، ولعل واحدة من أعنفها هي سلطة الأرشيف حين تصبح علنية.
جيفري إبستين جزء من منظومة استغلال، تعرف كيف تحوّل الرغبات، بمختلف أنواعها، إلى ورقة ضغط، وليس مجرد وسيط. كثيرون يتعاملون مع قصته بوصفها جريمة فردية، لكنها في جوهرها أقرب إلى طريقة مألوفة في الحكم: إدارة الرغبات، ثم جمع الأسرار، وبعد ذلك حفظها في ملفات تُفتح وتُغلق حسب الحاجة.
ليست قضية إبستين قضية رجل ساقط، بقدر ما هي قصة نظام يُتقن استخدام المعرفة لتأجيل العدالة، وتحويل الأرشيف إلى سلطة، في لعبة تُغيِّر فيها السلطة مواقعها على الدوام، من دون أن تُغيِّر من وظيفتها
بعيدًا عن المجاز، عملت شبكة إبستين في ظل حمايةٍ وتساهلٍ مؤسسيّ لتكون جهازًا موازيًا، مرنًا وصعبَ التتبع في آن، فالرجل الثري استثمر في رغبات النخب ونقاط ضعفها، حيث قدّم لهم القاصرات، وسهّل اللقاءات وحفلات العربدة، وسجّل كل شيء، بالرسائل أو بالصور، ولم يردْ في مقابل ذلك كله سوى أن يعرف.
ومع الوقت، صار ما يعرفه أثمن من كل ما يملكه. لم تكن شبكة الدعارة التي بين يديه شبكة تقليدية، بل أقرب إلى نظام لإنتاج الولاء عبر المشاركة في أشياء وطقوس لا يمكن الاعتراف بها علنًا.
وهنا يصبح السؤال الجنائي غطاء على السؤال الأخطر: كيف استطاع رجل بلا سلطة رسمية أن يعمل هذه السنوات كلها؟ ومن فتح له الأبواب.. والشبابيك حتى؟
ما لا يتحدث عنه أحد هو اختزال هذا الأرشيف الأسود لمأساة الضحايا إلى أضرار جانبية، فالفتيات اللواتي كنّ وقودًا لأهداف سلطوية بقي الحديث حولهن مقتصرًا على كونهن وسيلة للإيقاع بالنخب، وبينما غُيبت أصواتهن لسنوات، وأُقصين عن أي مسار قانوني يُنصفهن، فهذا يعني أمرًا واحدًا هو أن التضحية بالبشر لا تزال شرطًا لبقاء المنظومة.
قانونيًا، كانت قضية إبستين اختبارًا فاشلًا لعدالة لا تجرؤ على مس النخب.
يستشهد كثيرًا باتفاق الادعاء الذي أُبرم عام 2008، على أنه أحد أسوأ وجوه الحصانة القضائية في تاريخ النظام الأميركي الحديث، إذ إنه لم يُحاسِب الشبكة التي حمت المتّهم بقدر ما حمى صمتها، وهو ما جعله يبدو اتفاقًا مع منظومة إفلات من العقاب.
أما الوثائق التي يتناقلها الناس في مختلف أصقاع العالم فلم تكشف الحقيقة بمقدار ما أغرقتها في التفاصيل، بخلق ضجيج بلا أثر من وراء اللهاث خلف آلاف الصفحات والصور ومقاطع الفيديو، التي طالها بالتأكيد تنقيح متعمّد، والنتيجة هي أنهم يستعملون منهج إبستين نفسه، ومن قبله بايليش، حيث المعرفة هي القوة، بما أنهم احتفظوا بجزء كبير منها.
وهذا يعني أن "الشفافية" واجهة شكلية، والتحقيقات أداة تأجيل لعدالة لا لتحقيقها. وسوى فضيحة موت إبستين الغامض لدينا فضيحة أخرى تتمثّل في ادعاء الدولة الأميركية أنها لم تكن تعرف، في حين أن بنيتها القانونية والمؤسسية سمحت بحدوث ذلك، وباستمراره أيضًا.
في العمل الخيالي، حين كُشفت خيانة اللورد بايليش في نهاية المسلسل، وقف مرتجفًا أمام آريا وسانسا وبران، وكان لا بد أن يُعاقب. فلا يمكن للسرد الأدبي أن يكتمل دون لحظة عدالة. أما في الواقع، فلم يُحاكم إبستين، ومات قبل لحظة المواجهة، وبقي بعض هذه الشبكة يُمارس سلطة المعرفة، التي تُخفي وتُظهر وتتلاعب بالعقول.
تُدار الفضيحة بدون نية لحل الغز الذي تحمله. وبتلك الطريقة تُغرق الحقيقة في كمّ هائل من الوثائق، وتتحوّل الجريمة من شبكة سلطة إلى مجرد انحراف فردي، مع أن إبستين يكشف عن أحد أكثر وجوه النظام فجاجةً حين يتوقف عن التمثيل.
علينا أن نعترف أن عالمه أشد خبثًا من خيالات الكتب الفانتازية، حيث تُرتكب الخطيئة وتُوزع تبعاتها بذكاء، لتعجيز أي صوت يحاول المحاسبة.
وبعيدًا عن منطق "صراع العروش"، تبقى الحقيقة ثغرة لا يمكن للنظام ردمها مهما راكم من وثائق. فليست قضية إبستين قضية رجل ساقط، بقدر ما هي قصة نظام يُتقن استخدام المعرفة لتأجيل العدالة، وتحويل الأرشيف إلى سلطة، في لعبة تُغيِّر فيها السلطة مواقعها على الدوام، من دون أن تُغيِّر من وظيفتها.