ملاعب كرة القدم في اليمن تحنّ لمعلقي الزمن الجميل

ملاعب كرة القدم في اليمن تحنّ لمعلقي الزمن الجميل

من اليمين: علي العصري وجعفر مرشد وسالم بن شعيب (الترا صوت)

منذ بداية الألفية الثالثة، لم تعرف مقصورات التعليق في مختلف ملاعب كرة القدم اليمنية، أصواتًا حماسية تمتع الجمهور اليمني، وتنقل له أجواء المباريات بكلمات احترافية، تمتزج فيها المعلومة بالشعر والطرفة، مثلما كان أداء المعلقين الرياضيين اليمنيين قبل ذلك، وخاصة خلال الفترة من الستينات وحتى التسعينات.

يفتقد الجمهور اليمني أداء المعلقين الرياضيين الرُوّاد، الذي امتاز بالحماسة والمزج بين المعلومة بالشعر والطرفة

ولذلك يفتقد جمهور الساحرة المستديرة في اليمن، حاليًا، معلقين رياضيين اقترنت أصواتهم ببطولات رياضية محلية وعالمية، كانت تتسابق الإذاعات والقنوات التلفزيونية اليمنية على نقلها.

اقرأ/ي أيضًا: رياضيو اليمن.. إلى "الإسلام الجهادي" دُر؟

فمن هم أولئك المعلقون الذين كان لهم السبق في تأسيس أحد أهم فنون الإعلام الرياضي؟ وكيف أصبح حالهم اليوم؟ يرصد "الترا صوت" أوضاع أشهر وأهم المعلقين الرياضيين في اليمن.

الرواد الراحلون

  • جعفر مرشد.. الرائد:

يتذكر اليمنيون أصوات عدد من المعلقين الرياضيين الذين عُرفوا كرعيل أوّل للتعليق الرياضي، رغم رحيلهم عن الدنيا، ومن بينهم المعلق الرياضي جعفر مرشد، وهو أول معلق رياضي في جنوب اليمن، وكذلك هو أول من عمل في الصحافة الرياضية.

جعفر مرشد
المعلق الرياضي اليمني الراحل جعفر مرشد

وكان جعفر معلقًا رياضيًا في نفس الوقت الذي كان يمارس فيه كرة القدم كلاعب محترف في صفوف نادي التلال العدني والمنتخب اليمني. وفي مطلع السبعينات، أعلن جعفر اعتزاله كرة القدم، وتفرغ للإعلام الرياضي، معلقًا ومعدًا ومقدمًا لأشهر البرامج الرياضية في اليمن "ركن الرياضة"، والذي كان أول برنامج رياضي يُبث عبر إذاعة عدن.

استمر جعفر في التعليق الرياضي حتى تسعينات القرن الـ20، إذ عانى من المرض ونكران الجهات الرسمية لدوره الريادي في الإعلام الرياضي، حتى توارى عن الأنظار، قبل أن يتوفى في 24 تموز/يوليو 2014.

  • سالم أحمد بن شعيب.. شيخ المعلقين: 

ولد سالم أحمد بن شعيب سنة 1943 بمدينة شبام بمحافظة حضرموت اليمنية. في بداية مشوار حياته المهنية، عمل ابن شعيب مدرسًا بمحافظة شبوة، قبل أن ينتقل لعدن للعمل في التدريس أيضًا، وذلك حتى عام 1978.

في نفس العام، التحق سالم أحمد بإذاعة عدن، وأظهر تميزًا في التعليق الرياضي، وإعداد وتقديم البرامج الرياضية، حتى لقب بـ"شيخ المعلقين"، قبل أن يتوفى في تشرين الثاني/نوفمبر 2005.

  • عبدالواحد الخميسي.. أول حكم في اليمن:

ولد عبد الواحد الخميسي في عام 1961. ويعد الخميسي أول حكم رياضي يمني يحصل على الشارة الدولية. وفي عام 1979 دخل الخميسي عالم التعليق الرياضي، بالتوازي مع عمله حكمًا لمباريات كرة القدم.

وتميز في عمله حكمًا للمباريات، بالحركات التي كانت تشد انتباه الجماهير إليه، كما اشتهر بقوة شخصيته التي كانت تضع بشكل مسبق، حدًا لمخالفات اللاعبين في المباريات التي كان يُحكّمها.

في عام 2002 حصل الخميسي على وسام الاستحقاق الرياضي من الدرجة الأولى. وفي عام 2010 عُيّن مديرًا للشؤون الإعلامية لبطولة الخليج 20 لكرة القدم. ثم في 2011 اختير من قبل الاتحاد العربي للصحافة الرياضية، لتكريمه مع أبرز رواد الإعلام الرياضي في العالم العربي، وذلك أثناء انعقاد دورة الألعاب العربية في قطر، غير أنه لم يلحق التكريم، إذ وافته المنية بجلطة قلبية.

وتكريمًا للجهود التي بذلها الخميسي في المجال الرياضي باليمن، نظم الاتحاد اليمني للرياضة للجميع، دورة "الفقيد الخميسي للألعاب الرياضية"، وهي دورة تقام كل عام.

إلى السياسة

يُعد محمد سعيد سالم، الشهير بـ"أبو إسلام"، أحد أبرز المعلقين الرياضيين اليمنيين، الذين تركوا مهنة التعليق الرياضي ليدخلوا معترك السياسة، بعد مشوار حافل بالإنجازات والشهرة.

ولد سالم في منتصف خمسينات القرن الماضي بمدينة الشيخ عثمان في محافظة عدن. لعب كرة القدم في نادي الشبيبة المتحدة (الواي)، قبل أن يتجه لكتابة المقالات الرياضية في عدد من صحف عدن.

بعد ذلك امتهن أبو إسلام التعليق الرياضي على مباريات كرة القدم، انطلاقًا من إذاعة عدن ثم تلفزيون عدن. ولعقود استمر أبو إسلام في التعليق الرياضي، مكونًا قاعدة جماهيرية واسعة من عشاق كرة القدم.

وهكذا حتى جاء عام 1994، ليقرر سالم دخول معترك السياسة، بداية من ظهوره في البرامج السياسية بتلفزيون عدن، مرورًا بانضمامه في 2007 للحراك الجنوبي المطالب بالانفصال عن صنعاء، حتى صار وكيلًا لمحافظة عدن.

الذين أنهكهم المرض

ولا يزال عدد من المعلقين اليمنيين المخضرمين على قيد الحياة، شهودًا على العصر الذهبي للتعليق الرياضي في اليمن، لكنهم باتوا غير قادرين على استكمال المشوار بعد أن أنهكهم المرض.

  • محمد يسلم البرعي: 

بدأ البرعي لاعبًا لكرة القدم، قبل أن يلتحق بإذاعة الشعب في 1976 مذيعًا ومقدمًا، ومنها إلى إذاعة عدن في 1988، ومنها امتهن التعليق الرياضي.

اكتسب البرعي شهرة واسعة وشعبية كبيرة بين جماهير كرة القدم في اليمن، خاصة في البلدات والقرى البعيدة عن محافظة عدن، وذلك بسبب كثرة تنقله بينها لتدريب الشباب على التعليق الرياضي، حتى لُقّب بـ"سندباد التعليق".

بعد سنوات طويلة من خدمة المجال الرياضي في البلاد، والعمل في التعليق الرياضي ضمن زمرة من رواده في اليمن؛ يمكث الآن محمد يسلم البرعي في منزله بمحافظة عدن، وقد أنهكه المرض، وحاصرته ظروف مادية متعسرة.

  • علي حمود العصري:

ومثل سالم، يعاني المعلق الرياضي علي حمود العصري، الملقب بـ"عميد الإعلام الرياضي"، والمولود في منطقة عصر بصنعاء عام 1952. ومنذ الصبا كان العصري شغوفًا بكرة القدم التي مارسها في شوارع حيه، ومنها برزت موهبته التي أهلته للانضمام إلى نادي الوحدة عام 1968.

وفي مطلع السبعينات أراد العصري الحصول على منحه لدراسة  الطيران، لكنه لم يوفق، فاتجه للعمل في إذاعة صنعاء، وقدم فيها أول برنامج رياضي عرفته. واستمر العصري في العمل الإذاعي لسنوات طويلة، قبل أن ينتقل للعمل في التلفزيون اليمني مقدمًا لأشهر برامجه الرياضية "عالم الشباب والرياضة".

تمتع العصري بصوت مميز وكاريزما ميزته عن غيره من زملائه المعلقين، فتخطت شهرته إلى دول المنطقة العربية، حتى اختير للتعليق على أحداث رياضية عالمية مثل أولمبياد سدني 2000 وأولمبياد أثينا 2004 وأولمبياد بكين 2008 وأولمبياد لندن 2012.

يقول الصحفي عبد الرحمن بحاش عن صديقه علي العصري: "لم يكن لاعبًا فقط، إذ أجاد اللعب أيضًا لسنوات على الشاشة، ونقل إلى الأسماع مباريات أندية البلاد كلها وخاصة المتنافسين التقليديين: الوحدة وأهلي صنعاء"، مضيفًا: "رسم لنفسه صورة مهنية وردية، جعلته محل احترام الجميع". 

علي العصري
الإعلامي والمعلق الرياضي اليمني علي حمود العصري

في شباط/فبراير الماضي تعرض الإعلامي علي العصري لمرض في قلبه، وبسبب ذلك أجريت له عملية القلب المفتوح الجراحية بإحدى المستشفيات المصرية.

عرف اليمن إذًا عصرًا ذهبيًا للتعليق الرياضي، غير أنه، وفقًا للصحفي وعضو مجلس إدارة الجمعية اليمنية للإعلام الرياضي، يحيى الحلالي؛ "لم يشتهر معلقو اليمن عربيًا مثل معلقي مصر والمغرب وتونس والجزائر".

عدم شهرة رواد التعليق الرياضي اليمني دفعت الأجيال الجديدة من المعلقين اليمنيين إلى التأثر بالمعلقين المصريين والمغاربة

ويقول الحلالي لـ"الترا صوت" إن "بعض المعلقين الرياضيين اليمنيين الرواد، استطاعوا أن يؤسسوا لمدارسهم الخاصة في التعليق الرياضي"، لكن عدم الحصول على الشهرة عربيًا، دفعت الأجيال الجديدة من المعلقين الرياضيين في اليمن، إلى التأثر بمدارس معلقين مصريين ومن المغرب العربي. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

شواطئ عدن.. حوّلتها الحرب إلى ملاعب رياضية

رغم توقف النشاط الرياضي في اليمن.. لماذا تشهد المصارعة ازدهارًا استثنائيًا؟