ملاحقة جنود الاحتلال.. تحقيق كندي بشأن جرائم الحرب في غزة
21 يوليو 2025
أنشأ الصحفي الكندي دافيد ماستراتشي في شباط/فبراير الماضي موقعًا إلكترونيًا لتوثيق أسماء الجنود الإسرائيليين من حملة الجنسية الكندية، ممن يشاركون في حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة. ويُعرف ماستراتشي بانتقاداته الحادة لإسرائيل، وبتوجيهه اتهامات لجيش الاحتلال بتدبير إبادة جماعية ممنهجة في غزة.
وقد بدأ الاهتمام بهذا الملف قبل اندلاع الحرب الأخيرة، حين كان يوثق خلال عمله في صحيفة "مابل" هويات الكنديين الذين قاتلوا في صفوف جيش الاحتلال خلال العقد الماضي.
وقد بدأت جهود التوثيق التي يقودها ماستراتشي تؤتي ثمارها، إذ أعلنت الشرطة الكندية فتح تحقيق في جرائم حرب محتملة ارتُكبت في قطاع غزة. وبحسب صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، يركّز التحقيق على شبهات بارتكاب جرائم دولية مثل الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، ما أثار قلقًا واسعًا في صفوف الجنود الإسرائيليين من أصول كندية.
وسلّطت الصحيفة الضوء على تصاعد المخاوف بين هؤلاء الجنود، إلى حدّ أن بعضهم بات يخطط لعدم العودة إلى كندا مستقبلًا، خشية مواجهة المحاكمة واحتمال السجن.
قرر جنود إسرائيليون يحملون الجنسية الكندية عدم العودة إلى كندا خوفًا من الملاحقة القضائية والمحاكمة بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة
يُشار إلى أن الشرطة الكندية أجرت في السنوات الماضية تحقيقات مماثلة تتعلق بجرائم ارتُكبت ضد كنديين أو ارتكبها كنديون في سياقات نزاع خارجي، من بينها رواندا ويوغوسلافيا السابقة. غير أن هذه هي المرة الأولى التي تُطلق فيها السلطات الكندية تحقيقًا بشأن جرائم حرب يُشتبه بارتكابها على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقد أثار هذا التطور قلقًا بالغًا، بحسب صحيفة تايمز أوف إسرائيل، في أوساط الجالية اليهودية في كندا، التي تزعم أن معاداة إسرائيل تصاعدت منذ بدء العدوان على غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
انطلقت التحقيقات في مطلع عام 2024، ووصفتها الشرطة الكندية بأنها "هيكلية واستقصائية واسعة النطاق"، تهدف إلى جمع وحفظ وتحليل معلومات محتملة بموجب قانون "الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب" الكندي. وأكد بيان الشرطة حينها أن التحقيق "ليس جنائيًا ولا يستهدف فئة بعينها"، بل يهدف إلى توفير أساس قانوني لأي تحرّك مستقبلي، حال توفرت شروط الولاية القضائية. كما أعلنت الشرطة عن إطلاق بوابة إلكترونية بأربع لغات: الفرنسية، الإنجليزية، العبرية، والعربية، لتسهيل استقبال إفادات الشهود.
وأشار البيان إلى أن لدى الشرطة تفويضًا بموجب القانون لتقييم الادعاءات الموثوقة المتعلقة بارتكاب جرائم حرب، وفي حال ثبوت وجود صلة بكندا، فإنها ستباشر بتحقيق جنائي منفصل.
ورغم أن الشرطة الملكية الكندية لم تنشر تفاصيل إضافية عن طبيعة التحقيقات أو الأشخاص المعنيين بها، فإن بعض الجنود الإسرائيليين من حملة الجنسية الكندية عبّروا عن قلقهم العميق. وقال أحدهم، هوبرمان، إن الإعلان عن التحقيق "كان مُخيفًا"، متسائلًا: "هل السفر إلى كندا لا يزال آمنًا؟ هل سأُعتقل على الحدود؟"
ونقلت تايمز أوف إسرائيل عن جندي احتياط آخر، مدرج اسمه ضمن قائمة نشرها الصحفي الكندي دافيد ماستراتشي، أنه قرر عدم العودة إلى كندا خوفًا من الملاحقة القانونية.
وتفيد الصحيفة بأن مجموعة من الجنود الإسرائيليين الكنديين يعيشون حالة من الترقب والقلق إزاء هذا التحقيق غير المسبوق، ونقلت عن أحدهم قوله: "كنتُ أنوي السفر إلى كندا الأسبوع الماضي، لكن بعد إعلان التحقيق، تراجعت خوفًا من العواقب".
كما عبّرت الأوساط الرسمية الإسرائيلية عن استيائها؛ إذ قال السفير الإسرائيلي في كندا، إدو موئيد، إنه "مذهول وقلق"، بينما وصف "مركز إسرائيل والشؤون اليهودية" التقارير حول التحقيق بأنها "مقلقة للغاية".
أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن السابق يوآف غالانت لارتكابهما جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين في غزة
يُذكر أن التوتر بين تل أبيب وأوتاوا تصاعد في الأشهر الأخيرة. ففي أيار/مايو، انضمت كندا إلى بريطانيا وفرنسا في التهديد باتخاذ "إجراءات ملموسة" إذا لم توقف إسرائيل حربها على غزة، كما أوقفت أوتاوا تصدير الأسلحة وصوّتت ضد إسرائيل في الأمم المتحدة.
وفي هذا السياق، صرّح موريس هيرش، ضابط احتياط سابق ورئيس النيابة العسكرية الإسرائيلية سابقًا في الضفة الغربية، أن التحقيقات الكندية "تثير مخاوف جدية بشأن مستقبل العلاقات الثنائية". وأضاف: "لستُ متفاجئًا... كندا تتظاهر بصداقتها لإسرائيل، لكنها تتهم جنودها بارتكاب جرائم حرب".
وإذا بدأت كندا بالفعل في التحقيق مع جنود محددين، فستنضم إلى قائمة متزايدة من الدول التي فتحت ملفات مشابهة. فحتى كانون الثاني/يناير الماضي، رصدت الخارجية الإسرائيلية ما لا يقل عن 12 شكوى قانونية في دول مثل البرازيل، بلجيكا، أيرلندا، هولندا، سريلانكا، وتايلاند، جميعها تستهدف جنودًا إسرائيليين متورطين في الحرب على غزة.
وتشير التقارير الإسرائيلية إلى أن غالبية تلك الدعاوى تستهدف جنودًا إسرائيليين زاروا تلك الدول، وليسوا من مواطنيها.
وعلى الرغم من أن معظم الشكاوى لم تسفر حتى الآن عن اعتقالات، فإنها أثارت مخاوف دبلوماسية في تل أبيب. ففي كانون الثاني/يناير الماضي، حثّت السلطات الإسرائيلية أحد جنود الاحتياط على مغادرة البرازيل، بعد أن أمرت محكمة فيدرالية هناك الشرطة بفتح تحقيق ضده بتهمة ارتكاب جرائم حرب. وقبل ذلك بشهر، فرّ جندي إسرائيلي آخر من قبرص في ظروف مماثلة، بعدما قدّمت مؤسسة "هند رجب" شكوى ضده إلى المحكمة الجنائية الدولية.
وقد رفعت مؤسسة "هند رجب" خلال الأشهر الأخيرة عشرات الشكاوى القانونية ضد جنود الاحتلال في دول أوروبية وأميركا اللاتينية. ومن جهته، أطلق "المركز الدولي للعدالة من أجل الفلسطينيين" في آذار/مارس الماضي مبادرة "غلوبال 195" لملاحقة الإسرائيليين المتورطين في جرائم حرب ضد الشعب الفلسطيني في غزة.
كما اعترف عدد من جنود الاحتلال بارتكابهم جرائم حرب، ووثّق بعضهم جانبًا منها عبر مقاطع فيديو نشروها على مواقع التواصل الاجتماعي. من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن السابق يوآف غالانت لارتكابهما جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين في غزة.