ملاحظات اجتماعية عن الأحداث الرياضية

ملاحظات اجتماعية عن الأحداث الرياضية

تحولت الأحداث الرياضية إلى مجمعات للفرجة ولتشكل الهويات الاجتماعية والسياسية(ليون نايل/أ.ف.ب)

بقدر ما تشكل التظاهرات الرياضية العالمية، اهتمامًا متزايدًا من الجماهير، فإن اهتمامات وحقولًا بدأت تتشكل في الفلسفة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا، في ارتباط بدراسة الظاهرة الرياضية أيضًا، من منطق اجتماعي، حتى نشأت حقول كاملة على غرار علم اجتماع الرياضة، مختصة بالمجال، وبشكل خاص مع تحول الأحداث الرياضية إلى مجمعات كبيرة للفرجة والمشاركة، ومساحات واسعة لتشكل الهويات الاجتماعية والسياسية.

تحولت الأحداث الرياضية إلى مجمعات كبيرة للفرجة والمشاركة، ومساحات واسعة لتشكل الهويات الاجتماعية والسياسية

سواء الهويات المرتبطة بالمجموعات المتعارف عليها من المشجعين حول العالم، الذين يعرفون أنفسهم ويعبرون عنها من خلال تشجيع أندية معينة، أو التعبير عن مشاعرهم القومية عن طريق الوقوف مع منتخبات بعينها. أو من خلال التقاطع الحاصل في بعض مناطق العالم، بين التوجهات السياسية ولوبيات تشجيع الأندية، مثل المجموعات المعادية للمهاجرين والنازيين الجدد، المتشكلة من مشجعين في دول مختلفة.

اقرأ/ي أيضًا: أبرز أحداث تداخل الرياضة والسياسة في العالم

وبشكل عام فإن تقديم تاريخ الظاهرة الرياضية اجتماعيًا وسياسيًا مرتبط بوضوح بنمط معين من أنماط الحداثة الأوروبية التي تطور من خلالها تصور الإنسان عن الجسد، وتم إعطاؤه وظائف إضافية غير مرتبطة بالإنتاج وبالعمل. إضافة إلى ذلك، فإن علماء اجتماع يرون أن الرياضة بمعناها الحديث، تحاول تقديم نموذج بديل عن تجمعات الفرجة المرتبطة بالطقس الديني والميثولوجي في المجتمعات القديمة، لكنه بالأساس بديل قائم على عناصر المجتمع الجديد، مثل الاستهلاك، الربح، والعولمة.

إجمالًا، بدأت فكرة دراسة الرياضة اجتماعيًا من خلال التقاطع بين مفهومي الرياضة واللعب، إذ قدمت النظريات الأولى في القرن التاسع عشر، مقولات اجتماعية ونفسية حاولت تفسير ظاهرة اللعب، على غرار ما ذهب إليه ماكس فيبر، وسبنسر، وجورج زيميل، وتايلور وفرويد. لكن معظم هذه المقولات انشغلت باللعب بمفهومه الأولي البسيط، الذي يبتعد عن البنية المنظمة والمؤسساتية للرياضة. وانشغلت أيضًا بالشخصية سواءً الاجتماعية أو النفسية، وتجاهلت رصد التغير في مفهوم الرياضة ضمن التحولات الكبرى في بنى المجتمعات الحديثة. ما بعد ذلك، تحديدًا مع ظهور مدارس نقدية تحاول التأريخ للحقول الاجتماعية بانفصال في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي، ودراستها من خلال أدوات علمية وميدانية، بدأ التنظير فلسفيًا للمعنى الاجتماعي للرياضة وارتباطه بالتصورات الجديدة عن الجسد.

وإن كانت هذه التجمعات للوهلة الأولى تبدو طبيعية، فإن التذكير أن مناسبات يجتمع فيها فيزيائيًا عشرات آلاف البشر، إضافة إلى عشرات الملايين الذين يتابعون الحدث من خلال وسائل الإعلام، يعني أنها تستحق أكثر من أي تجمعات أخرى ربما دراسة اجتماعية واقتصادية جدية.

تحاول الرياضة بمعناها الحديث تقديم نموذج بديل عن تجمعات الفرجة المرتبطة بالطقس الديني والميثولوجي في المجتمعات القديمة

اقرأ/ي أيضًا: البيانات والإحصاءات تُمسكان بخناق الرياضة العالمية

فضاءات جديدة للتعبير وهويات متخلقة

يجد الشباب في معظم مناطق العالم، في الحدث الرياضي تعبئة لأوقات الفراغ، التي تعتبر أيضًا بمعناها الجديد ظاهرة حديثة. لكن هذه الظاهرة لا تقتصر فقط على وجود ممارسات اجتماعية عمومية، بقدر أنها توجد أماكن للتعبير عن ذواتهم، بحيث يتقاطع تعريفهم لذواتهم الاجتماعية، مع الهويات المناطقية، والطبقية والطائفية في بعض الأحيان. وهذا يبدو واضحًا في ظاهرة "نادي المدينة أو نادي المنطقة"، وتذهب أكثر من ذلك إلى نادي الطائفة. والدور الذي تلعبه هذه المجموعات في تعزيز نزعات الانفصال القومية.

فتتخلق بالتوازي مع هذه التكتلات روابط للمشجعين، وصحفًا خاصة متفرغة للشأن الرياضي أو لتمثيل أندية بذاتها، ووجود خبراء مختصين فقط بهذا الشأن. إضافة إلى استغلال هذه التجمعات وممثليها، وأنديتها ونجومها في التأثير على نشاطات ومواقف سياسية. ويتم التعامل مع فرق الدولة كجزء من الإنجاز السياسي، ويتم من خلال تحليلات بحثية جاهزة، ربط المنجزات الرياضية بمفاهيم التطور، أو بالدخول القومية للدول ومستويات الحياة، إلخ.

وبالتوازي مع هذه الهويات المحلية، فإن تكتلات معولمة عابرة للحدود تتشكل من خلال الأدوار التي تلعبها وسائل الإعلام التقليدية، ووسائل الإعلام البديلة وفضاءات التواصل الاجتماعي. ما يوجد نوعًا من الحيزات العامة الواسعة، الحاملة لأنواع مختلفة من الحوارات والتفاعلات والصراعات أحيانًا.

ملاحظات حول اللاجئين والدورة الأولمبية القائمة

الرد على من يعتقد أن هذه الأحداث بعيدة عن الشأن السياسي، وصراعاته وميادينه، رد بسيط واستعراض لأحداث واضحة. فإضافة إلى انطباق كل ما تم وصفه عن الظاهرة الرياضية، على النسخة القائمة اليوم من الدورة الأولمبية في البرازيل. فإن هناك ما يميز هذه النسخة، تميزًا مرتبطًا بالأحداث السياسية الجارية، والانشغال غير المسبوق بمفاهيم على غرار الإرهاب، واللجوء، الأمن، إلخ. ولعل التحذيرات التي سبقت إجراء هذه النسخة، والهوس بمخاطر إرهابية محتملة، يندرج ضمن مجموعة من الإشكاليات الأساسية.

الأهم أن هذه التجمعات تشكل مساحة خصبة للتهديد المسبوق ذكره، وللمعالجات الأمنية التي ترتب أحقية الدول في تنظيم المسابقات والتظاهرات الرياضية العالمية، من خلال قدراتها على الضبط والتحكم. وهذه إشكالية متعلقة بالأساس بالمقولة الرائجة اليوم عن علاقة "حداثة" الدول، بقدراتها الأمنية. مع الإشارة المهمة هنا إلى كون هذه التهديدات تجبر المنظمين على الدخول في سوق شركات الحماية، وشراء خدمات شركات معروفة من أجل إظهار قدرتها على تنظيم آمن. والطريف أن هذا السوق يتميز بتفوق الشركات التي تتعرض لاحتكاك مع "الإرهابيين" أو المهاجرين، وتملك خبرة إثر وجودها في مناطق الحروب والنزاعات، والشركات الإسرائيلية للحماية الأبرز في العالم، ومثال مباشر على ذلك. 

التناقض في وصف اللاجئين هنا، كأنهم مصدر محتمل للأخطار، وتهديد دائم، وأن الاحتكاك معهم يضع شركات الحماية في سلم الأولويات، هو منطق رائج في الخطاب السياسي الأوروبي هذه الأيام. حيث يتقاطع هذا الوصف مع الاحتفاء بمجموعات اللاجئين الطيبين، الذين يشاركون في فريق مخصص. وهو منطق متكرر أيضًا في الرؤية الأوروبية المحملة بكثير من النقائض، عن المهاجرين والمهمشين.

اقرأ/ي أيضًا:

انفوجرافيك: أبرز حالات المنشطات في تاريخ الرياضة

أندية كرة القدم الأمريكية على عرش أموال الرياضة