مكتبة ميس الريم قرفول

مكتبة ميس الريم قرفول

الشاعرة ميس الريم قرفول

ألترا صوت – فريق التحرير

يخصّص "ألترا صوت" هذه المساحة الأسبوعيّة، كلَّ إثنين، للعلاقة الشخصية مع الكتب والقراءة، لكونها تمضي بصاحبها إلى تشكيل تاريخٍ سريّ وسيرة رديفة، توازي في تأثيرها تجارب الحياة أو تتفوّق عليها. كتّاب وصحافيون وفنّانون يتناوبون في الحديث عن عالمٍ شديد الحميميّة، أبجديتُهُ الورق، ولغته الخيال.


ميس الريم قرفول شاعرة من سوريا، مقيمة في فرنسا. صدرت لها مجموعة شعرية بعنوان "حين ساعدنا الحرب لتعبر"، ومجموعة باللغتين العربية والفرنسية "موجة جبل مقص"، قريبًا كتاب "لا تموت ولا تطير، يوميات شاعرة تدرس الحقوق".


  • ما الذي جاء بك الى عالم الكتب؟

كتاب، كان من السهل فتحه، بينما كانت الحياة يصعب التوغل فيها على مدى الوقت، بالنسبة لي. كنت طفلة انطوائية، وكبرت هذه الصفة معي داخل المراهقة وسني الشباب الأولى. مع كتاب مرمي داخل مكتبة العائلة، عناوين تنقلك من دون مقابل إلى عالم آخر، من دون أن تعرف معنى البندقية ولا معنى تاجر تجد الكتاب مستندًا على كتب أخرى، تمسكه وتغيب. قرأت تاجر البندقية حين كان عمري عشرة سنوات، كانت أمي مدرّسة لغة عربية لذا كان الكتاب متوافرًا في مكتبتنا بحكم أنه كان متبعًا في المنهاج المدرسي للصفوف اللاحقة. لا تنتبه كيف ينمو داخل عقلك عالم جديد وقوده كلمات تعرف فقط تهجئتها. أحاول ان أتذكر التكون الأولى للكتاب داخل حياتي. دخل مرة كضيف على المخيلة ومن ثم صار مسندًا للذاكرة والوقت والواقع واللحظات التي تهرب. كتبتُ مرة: "الكتاب وكأنه تحنيط لطير". هو توقّف لزمن لا يتوقف عن الدوران، نهر يصل راهنك براهن آخرين، بزمن آخر ومن ثم يستمر في المضي بينما تمضي أنت نحو كتب جديدة. لاحقًا وحين بدأت بالكتابة، ثم بالنشر، صدر لي كتاب. لم يكن الامر سحريًا وقتها، أو على الأقل بالنسبة لي.. أعتقد بأن علاقتي بكتابي هي خارج إطار السحر.. علاقة من نوع آخر يصعب توصيفها لكن حين يصير كتابك جزءًا من مكتبتك حاول ألا تضعه في المقدمة لأنك ستقص الخيال بحبرٍ سال منك.. أو حاول التعامل مع عنوان كتابك، جلدته، كما لو أنها لكتاب آخر يعبّر عنك بصوت عالٍ. إنه التجرد والبعد ما يضفي هذا السحر.

  • ما هو الكتاب، أو الكتب، الأكثر تأثيرًا في حياتك؟

لا بد أن الأمر يتعلق باللحظة التي قُرأ فيها الكتاب، كتاب "مايا" لـ جوستاين غاردر أثّر فيّ بطريقة غريبة، أعترف بأني تأثرت بالأدب الغربي/ الأجنبي أولًا. لا أعرف ما طبيعة السبب، ربما محاولتنا الهروب من محيطنا تدفعنا لتشكيل المستحيل بكل أقطابه، ومن ثم ننتمي إليه. بلاد لا تتكلم لغتنا؛ عادات لا تشبه عاداتنا؛ حبكات لا علاقة لها، بالظاهر، بمشاكلنا ومشاكل أهلنا. هذه الاحتمالات توسع الممكن وتشبه مما تشبهه الحلم لذا تشكل مأوى خياري وسهل الوصول إليه. كما هو الحال مع السينما. الإبداع، خاصة الحكائي منه، قد يكون ملجأ يشبه النوم، للنسيان. ربما البعض الآخر يجد في الموسيقى والرسم لغة تحرك عالمه الآخر، عالمه البديل، وذلك لمن يحتاجه. حين اكتشفت لعبة الزمن في آخر الرواية شعرت كأني وقعت على، وحتى قبل ان أسأل، جواب لسؤال الأبعاد والزمن والوجود، كنت مشغولة بالموت باكرًا، ليس بمعنى الانشغال بالعالم الآخر وما وراء الحياة والنهايات، بل بما وراء الواقع، لذا الاحتماليات الحكائية في الرواية وسعت مقدرتي على تخيل غير الممكن، ومن ثم صار غير الممكن خلاصة لحلم يقظة فاكهته الكتب والكلمات، إنه شجرة.

  • من هو كاتبك المفضل، ولماذا أصبح كذلك؟

لا يوجد كاتب مفضل، يوجد كاتب أشعر معه بالسعادة، أو بالصدق. يوجد طريقة تفكير مفضلة عندي، لا تتوانى عن تقديم نفسها كل مرة من خلال روح كاتب بما يعبر من خلاله من أفكار. طريقة التفكير الحبيبة هذه حية جدا وتتغذى من روح الكتّاب، اهتماماتهم ببلدانهم ووجع شعوبهم أو من همّ إنساني يسافر ويتلبس روحهم ولغتهم بطريقة جميلة وجذابة.

  • هل تكتبين ملاحظات أو ملخصات لما تقرئينه عادة؟

نعم أكتب تعليقات. أحيانًا يكون الأمر مستفزًا: أن تستحثك قراءة الآخرين على الكتابة. لم أتعلم بعد أن أتعامل مع الكتاب بهدوء، يفجر داخلي اللغة والخيال. بالنسبة لي، مشكلة القلق مشكلة معيقة جدًا للقراءة، لا أعرف بالنسبة للآخرين. ظروفنا تتبدل بسرعة كبيرة، حين كنت أنعم بهدوء القراءة سابقًا كنت أستسلم لرقة التلقي، حاليًا أشعر بأن عليّ ان أتحرك، أن أثبت شيئًا في مكانه. كأن حركتي الداخلية والخارجية ستثبت هذا الشيء.

مرات أكتفي بوضع خط تحت الجملة الجميلة، مرات أسجلها في دفتر خاص، مرات أعلق عليها على الكتاب نفسه كأنني أدرسها أو أناقش الكاتب، او أنسى الكاتب، تلمع الفكرة كأنها لي أو من داخلي. كأنها جملة كُتب أولها وعليَ الرد، إكمال العزف ليكتمل اللحن الناقص. طبعًا هو شعور ذاتي ومعرفي، متعلق بالتساؤلات الداخلية والقراءات السابقة لكل شخص.

 إذا كان كتابًا بحثيًا نعم أكتب ملخصات

  • هل تغيرت علاقتك بالكتب بعد دخول الكتاب الالكتروني؟

لا لم تتغير أبدًا. لكن عمليًا صار الوقت والمقدرة أقل على تناول الكتاب الورقي. بحكم وجودي في فرنسا، إذا أردت أن أبقى في تواصل مع الكتب الصادرة باللغة العربية غالبًا ما اضطر للجوء إلى الإنترنت، بانتظار حلول تتعلق بشراء كتب عبر الطرق الإلكترونية. الإلكترون لا يتوقف عن التوسط في علاقتنا مع المكتبة، سابقًا كانت المسافات قصيرة بين الكاتب المكتبة والقارئ، فقط المترجم، في حال كانت الكتب مترجمة، هو من كان يهيّء لك عدة السفر والتنقل داخل رحلات الكتابة. أحيانًا أشعر برغبة بالقراءة مباشرة بالفرنسية حتى أقلص هذه المسافة، أو ألعبها، ومن ثم حتى أكتسب بابًا معرفيًا متعلق بتواصل حي مع الكتب التي لا تتوقف عن الصدور في فرنسا، بلد الدعم الثقافي والترجمة. حصل معي في مرات كثيرة أن قرأت كتبًا باللغة الفرنسية لكتب سبق أن قرأتها باللغة العربية، مثل قصة موت معلن لـ ماركيز، والطفلة الخبيثة لـ يوسا. كنت كأني أستعيد طفولتي أنا، بحكم أني قرأت هذه الكتب منذ حوالي عشرين سنة. مع القراءة، تصير أنت بطلًا من الرواية، حاول قراءة رواية قرأتها سابقًا وستجد نفسك بين أحرف معينة، ثمة مقاطع أو مشاهد تثبت ذاكرتك وتعطيك مكانًا لك فيها، يكفي أن تستطيع استعادة هذا حتى تشعر بالإخلاص. لهذا من يحب القراءة لا يستطيع التوقف عن ذلك، لأنه يبحث عن نفسه في عوالم أخرى، في عوالم الكاتب وهوامشه التي تداعب خياله حتى تخرج الحروف والصور بهذه الطريقة أو تلك، في هوامش الكاتب التي شكلت لاوعيك في يوم من الأيام، لذا تحتاج لتنفس هذا اللاوعي وفكفكته، عبر القراءة.

  • حدثينا عن مكتبتك.

كنت أريد أن أؤجل الجواب عن هذا السؤال حتى يغدو لي مكتبة حقيقية، مكتبة في مقدمة صالة المعيشة أو في غرفة النوم أو فوق الكنبة. لم تسنح لي الفرصة بعد بأن أحقق هذا الحلم. لدي مكتبة صغيرة تتنقل معي من غرفة إلى غرفة، أضطر أحيانًا ان أضع الكتب التي أعرف أنني لن أقرأها في القبو حتى يتسع المكان لي وللكتب التي سأقرأها وتفاصيلي الصغيرة. إذًا، بعض الكتب التي أحضرتها معي من سوريا، مجلات دورية في السينما والفلسفة باللغة الفرنسية، روايات وكتب شعرية استطعت شراءها حين زرت معارض كتب في أوروبا أو في دول عربية، كتب باللغة الفرنسية من شعر وغيره.

في المدينة مكتبة كبيرة تدعى الظلال البيضاء، في داخلها مقهى وتستطيع أن تأخذ الكتاب الذي يروقك لتقرأه. بعيدًا عن بيتي بعدة كيلومترات حديقة هي أيضًا مكتبة، أحمل إليها الكتب وتصير علاقتي بمحتوى الكتاب أكثر نقاء، داخل المترو عودت نفسي أن أحمل كتابًا، يغدو الناس حولك جزءًا من الحكاية أو من محتوى الكتاب وتصير أكثر هدوءًا وأقل قلقًا. بحكم تنقلنا، قلقنا، وانتمائنا المشكوك فيه، مفهوم المكتبة توسع عندي ليشمل كل هذه المساحات، طالما بقدرتنا أن ننقل الكتاب معنا.

عن المكتبة، أو ربما عن الرجال، لست متأكدة، كتبت مرة قصيدة ونشرت في كتابي الأول "حين ساعدنا الحرب لتعبر: "بعض النساء يفضّلن/ الرجلَ الكرسي/ الرجلَ السرير الفاخر/ الرجلَ السيارة/ الرجل َعضلتي السّاعد المنتفختين/الرجلَ التلفازَ اللامع/ أو المليءَ بالغبار/ أنا أحبُّ الرجلَ المكتبة/ بغبارٍ أو بدونه/ لا يهمّ/ هي مسألةُ وقت/ وذاكرة".

أعتقد أنها الحاجة الماسة للاتقاء مع ذلك الغبار. من الغريب وأنني أجيب على أسئلتك أطلع على الترجمة الفرنسية لمختارات لعباس بيضون "تذكرة لشخصين"، وفيه نص بعنوان المكتبة، حيث لا يوجد أمام الكتب سوى الغبار لتبتلعه، أو ليبتلعها. كما لا يوجد سوى العناكب السامة والذباب، إنها كتب لا تستطيع فتح نفسها.

  • ما الكتاب الذي تقرئينه في الوقت الحالي؟

"بورخيس في حوار، أجراه معه أوزفالدو فيراري". كتاب مليء بروح بورخس، لطالما شعرت بأن الحوار هو من أحد أجمل الطرق الأدبية للوصول لما يريده الشاعر والتعرف عليه بعيدًا عن النص. ربما التحليل النفسي هو قراءة أخرى بجانب قراءة المنتج الأدبي، وتشكل إحدى هواياتي المتعلقة بالقراءة. القراءة النفسية والتاريخية والتوثيقية التي تدفعك أكثر نحو عالم الكتب والكاتب، لاستشفاف مواطن ضعفه، تواضعه، غروره، قياسه ودرجة تقديره لغروره وتواضعه، نصائح مدهشة يقدمها وفي متناول الجميع، من دون المحمول المكثّف الذي قد يحتويه نص شعري. ثمة من يقول بأنه من المؤسف أن يكون الشاعر قادرا على التعبير عن نفسه في الحوارات أو المحاضرات أكثر من النص الشعري، أنا أقول ليس الأمر بهذا السوء، بالعكس، الحوارات أحيانًا نصوص إبداعية آخر، بين محاور ورغبة لا لبس فيها من الكاتب/ المبدع بالتعبير عن نفسه، كأنها مرآة يتسنى لنا بأن نراها لما نقرأه من إنتاج إبداعي وفكري، أو يجب علينا، حين تسنح لنا الفرص، لأن نقرأ.

أحب أن أنوه، مرات كثيرة نألتقي بأشخاص يقرؤون كثيرًا، لكن لا يستطيعون أن يخرجوا لك من الكتاب محارات تجعل روحهم أكثر لمعانًا، سواء ميلًا إلى الحزن أو إلى الأمل. الكمية مهمة، لكن أن تقرأ، هو أيضًا ألا تتوقف عن المراقبة بين داخلك والخارج المتضمن كتبًا وغيرها، أن تستطيع الربط بينهما... وذلك بانتظار مكتبتك وكتب كثيرة تشتهي الاستسلام لها والتوقف قليلًا عن التفكير.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة كريمة سماعلي

مكتبة نبيل مملوك