مكتبة محمود هدهود

مكتبة محمود هدهود

الكاتب والباحث محمود هدهود

ألترا صوت - فريق التحرير

يخصّص "ألترا صوت" هذه المساحة الأسبوعيّة، كلَّ إثنين، للعلاقة الشخصية مع الكتب والقراءة، لكونها تمضي بصاحبها إلى تشكيل تاريخٍ سريّ وسيرة رديفة، توازي في تأثيرها تجارب الحياة أو تتفوّق عليها. كتّاب وصحافيون وفنّانون يتناوبون في الحديث عن عالمٍ شديد الحميميّة، أبجديتُهُ الورق، ولغته الخيال.


محمود هدهود طبيب وصحافي وباحث مستقل من مصر، من مواليد طنطا، مهتم بالفلسفة والنظرية السياسية، له العديد من الكتابات على مواقع عربية. يعمل مديرًا لتحرير منصّة إضاءات.


  • ما الذي جاء بك إلى عالم الكتب؟

هذا السؤال مثير حقًا، لأنه يعبر عن واقعة تستحق التأمل: أن يكون عالم الكتب هو العالم الذي قلّما يذهب إليه الإنسان، وبالتالي ينبغي أن نسأل من ينتمي إليه عن سبب ذهابه إلى تلك المنطقة المهجورة. الكتاب هو طريق المعرفة الأصلي لدى البشرية، كان وما زال، رغم تنوع وسائلها اليوم. نقرأ في القرآن: "الذي علّم بالقلم" إشارة إلى مركزية القلم والكتابة في التعلم والمعرفة. الأديان كذلك عامة تجسدت بالأساس في كتبها المقدسة. بالتالي كل إنسان يسعى إلى المعرفة سيذهب إلى هناك.

لم أكن في طفولتي القصوى (أي قبل العاشرة) أعرف مقولة بيكون الشهيرة: "المعرفة قوة"، لكن ربما هي بديهة بشرية، جعلتني أتحرك بدون وعي تام، وبدافع من إرادة القوة، نحو نهم المعرفة والولع بالكتب والقراءة. كنت أحمل نزوعًا أنانيًا نحو التميز والتفوق، وكانت المعرفة متجسدة في الكتب والقراءة هي سبيلي نحو تلك الطموحات الأنانية. ربما انضاف لاحقًا ذلك الشك الإبراهيمي الذي يصيب الإنسان في مراهقته، سؤال الدين بكل ما يحمله من ثقل وجودي على النفس البشرية، أعطى دفعة جديدة لولعي الأصيل بالكتب والقراءة والمعرفة، لذلك تركزت قراءتي حتى عمر متقدم في كتب التراث والتاريخ.

  • ما هو الكتاب، أو الكتب، الأكثر تأثيرًا في حياتك؟

بالطبع لا تكتسب الكتب مكانتها في حياة الإنسان لميزاتها الأصيلة بالضرورة، وإنما ربما للدور الذي لعبته والمنعطفات التي حدثت عندها. مع ذلك، لا شك أن الكتاب القادر على إحداث أي أثر في حياة الإنسان هو كتاب ذو قيمة وليس فارغًا.

"الإسلام بين الشرق والغرب" شكّل منعطفًا أساسيًا في حياتي، لأنه مثل بالنسبة لي، وبكلمات مؤلفه نفسها، محاولة لترجمة الإسلام إلى اللغة التي يعرفها ويفهمها أبناء هذا العصر، رأيت الإسلام، والدين عامة، بعيون مختلفة كثيرًا عن تلك التي اعتدت النظر عبرها، بوصفه رؤية للعالم أكثر منه بوصفه جدلًا لاهوتيًا أو شريعة جامدة، ورأيته بوصفه كذلك أكثر قدرة على الحضور اليوم كمظلة ثقافية ونمط حياة للإنسان دونما الفصام الذي يعتاده المتدينون في العالم بأسره مع الحداثة التي تشكل إطارًا واقعيًا لحياتهم شاءوا أم أبوا. كان لذلك الكتاب أثره كذلك في توجيه اهتمامي إلى الفلسفة بوصفها، كما أحب أن أعرفها، علم رؤية العالم.

هناك كتابات أخرى كثيرة أثرت فيّ وغيرت اهتماماتي من بينها إجمالًا مؤلفات مارتن هيدجر، كارل بوبر، محمد أبو القاسم حاج حمد، عزمي بشارة، دانيال بيل، وهو عالم اجتماع أمريكي من رواد المحافظين الجدد، ألسادير ماكنتير، إرنستو لاكلو وشانتال موف؛ علاوة على الأدبيات الماركسية الشهيرة لماركس وروزا لوكسمبرج ولينين وجرامشي ومهدي عامل.

  • من هو كاتبك المفضل، ولماذا أصبح كذلك؟

أعتقد أن هناك مشكلة في تحديد كاتب مفضل في مساحة الكتابة النظرية، حيث إن الكتابة النظرية لا يكون تميزها غالبًا في الكتابة نفسها، وإنما فيما تحمله من أفكار. لذلك يكون السؤال في ذلك الحقل: من هم المفكرون الذين تتبنى أفكارهم أو تعجب بها؟ وفي تلك المساحة يمكنني أن أكرر بعض الأسماء السابقة ككارل بوبر وإرنستو لاكلو وعزمي بشارة.

في المقابل، إذا كان السؤال عن الكتابة الأدبية العامة، فلا أقارن أحدًا في إعجابي به بنجيب محفوظ. محفوظ كاتب آسر لغة وأفكارًا وبناء، عبقرية نادرة وظاهرة أدبية بالتأكيد. أحب الصحفيين اللبنانيين وأسلوبها في الكتابة، على تنوع ميول كُتّابها الأيديولوجية، فمثلًا يمكنني أن أقرأ حازم صاغية وعامر محسن معًا وأستمتع بكتاباتهما معًا رغم البون الشاسع بين أفكارهما، ورغم الهوة العميقة بيني وبين أفكارهما.

  • هل تكتب ملاحظات أو ملخصات لما تقرأه عادة؟

نعم، أنا ممن لا يقتنعون بالقراءة دون الإمساك بورقة وقلم. في تراثنا أثر شهير نُسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى كثير من الصحابة والأعلام: "قيدوا العلم بالكتاب". أعتقد أن الكتابة فعل وجودي، أي أنها فعل لا يتعلق بعلاقة الإنسان بالعالم وإنما بوجوده هو نفسه، وبالتالي هو فعل غير غائي. عندما تكون بداخلك أفكار أو معارف، تشعر بحاجة إلى إثباتها على الورق كأنك بذلك تحقق وجودك وتتخلص من التوتر المفجّر لكيانك. لذلك من الضروري أن يكتب الإنسان حتى لا ينفجر، أو كما يقول درويش: "اكتب تكن".

  • هل تغيّرت علاقتك مع الكتب بعد دخول الكتاب الإلكتروني؟

بالطبع. أنا أنتمي أصلًا إلى جيل الكتاب الإلكتروني. الكتاب الإلكتروني بالنسبة لنا كان نقلة، لأنه أعطانا قدرة على الاطلاع على كتب كان من الصعب أن نحصل عليها لعدم توفرها في المكتبات، أو لارتفاع ثمنها ماليًا، أو لصعوبة الحصول عليها سريعًا. بالتالي كان يمكننا أن نرجع سريعًا إلى أي مرجع نحتاجه، دون حاجة إلى المكتبات العامة أو إلى شراء كل كتاب ربما لا تحتاجه وإنما فقط تود مراجعة معلومة أو فقرة أو فصل فيه. بالتالي كنت أضع برامجي للقراءة بأريحية لمعرفتي بأنني من السهل أن أحصل على الكتب التي أحتاجها وأن أراجع ما أحتاج إلى مراجعته.

وعلى خلاف كثير من المثقفين الذين يظهرون عزوفًا عن الكتاب الإلكتروني، ويخضعون لرومانسية الكتاب الورقي، فإنني أميل إلى القبول بالحداثة وتقنيتها.

  • حدّثنا عن مكتبتك؟

للمفارقة، لست من هواة اقتناء الكتب. لدي مكتبة لا بأس بها، فيها معظم الأدبيات الأساسية للفكر العربي والإسلامي الحديث، علاوة على بعض كتب التراث الأساسية وبعض المراجع في الفلسفة. بشكل عام، لا أحب المكتبات الضخمة، لكن الكتب التي أحبها وأتأثر بها، تنشأ بيني وبينها علاقة خاصة، أحرص على اقتناء نسخة جيدة منها، وعلى مراجعتها باستمرار والتأكد من أنها بحالة جيدة، وإعادة قراءتها، لذلك غالبًا ما تتراكم لدي أكثر من نسخة لبعض الكتب.

  • ما الكتاب الذي تقرأه في الوقت الحالي؟

أقرأ حاليا بالتوازي كتابين. الأول هو كتاب "النظرية السياسية الرابعة" للمفكر الروسي المثير للجدل ألكساندر دوجين. يحاول دوجين أن يطرح فكرًا محافظًا ضد الليبرالية، ولكن خارج الصيغ الفاشية والشيوعية التقليدية. فكر كهذا يجد أرضًا خصبة في اللحظة التي نعيش فيها، حيث تعاني الديمقراطية الليبرالية في بلدانها الأصلية نفسها، أي البلدان الأوروبية الكبرى والولايات المتحدة، ويعاني العالم كذلك من فشل تلك البلدان الديمقراطية في دعم النزوع الديمقراطي العالمي، ودعمها للأنظمة الدكتاتورية. مع ذلك أعتقد أنه، في إطار عدائه لليبرالية، وعودته للتقاليد، يسقط في العداء للديمقراطية والرفض الجذري لحقوق الفرد، وهذه هي نقطة الضعف الأساسية في مشروعه برأيي.

الكتاب الثاني هو كتاب "من وجهة نظر منطقية" للفيلسوف الأمريكي ويلارد كواين. هذا الكتاب هو مجموعة مقالات فلسفية لكواين. على الرغم من أن كواين ينتمي إلى التجريبية بشكل عام، أي أنه يرى أن الخبرة الحسية والعلم الطبيعي هما السبيل الأساسي للمعرفة السليمة، إلا أنه يرفض ادعاء الوضعية المنطقية (وهي فلسفة منحازة جذريًا للمعطيات العلمية وترفض أي مفاهيم غير محسوسة) أن التصورات غير الحسية لا يمكن التعامل معها منطقيا وبلا معنى.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة أسماء حسين

مكتبة علي مولا