مكتبة محمد الحباشة

مكتبة محمد الحباشة

الروائي محمد الحباشة

ألترا صوت – فريق التحرير

يخصّص "ألترا صوت" هذه المساحة الأسبوعيّة، كلَّ إثنين، للعلاقة الشخصية مع الكتب والقراءة، لكونها تمضي بصاحبها إلى تشكيل تاريخٍ سريّ وسيرة رديفة، توازي في تأثيرها تجارب الحياة أو تتفوّق عليها. كتّاب وصحافيون وفنّانون يتناوبون في الحديث عن عالمٍ شديد الحميميّة، أبجديتُهُ الورق، ولغته الخيال.


محمد الحباشة روائي تونسي من مواليد عام 1992.. ناشط في الإعلام الثقافي. صدرت له روايتان: "رجل شارع روما" و"خلدون ميشال".


  • ما الذي جاء بك إلى عالم الكتب؟

إلى حدود الرّابعة عشرة من عمري، لم تكن لي أيّ علاقة بالكتاب. بل كنت أسخر من أخي الأصغر، آنذاك، عندما أراه منزويًا مع كتاب، (أظنّ أنّه كان يقرأ توفيق الحكيم في تلك الفترة) عوضًا عن أن ينضمّ إليّ ولأبناء الحيّ للعب كرة القدم. وهو ما أخجل منه في هذه اللّحظة. ولكن ما حدث هو أنّي قدت أخي إلى عالم كرة القدم، وقادني هو إلى عالم الكتب، دون أن يقصد أيّ منّا ذلك. كانت جائزة نهاية السّنة آنذاك في المعهد عبارة عن كتبٍ كلاسيكيّة لجبران خليل جبران ومصطفى لطفي المنفلوطي بالأساس. لا أنكر بأنّ تلك الكتابات أثّرت فيّ في مراهقتي، نظرًا لأنّها تأخذ العواطف إلى الأطراف، أحيانًا بتوليد انفعالاتٍ مبالغٍ فيها، وليس لها أيّ علاقة بالواقع. ولكن أعتقد أنّه ما من قارئ في العالم العربي، لم يمرّ بـ"المرحلة الجبرانيّة" كما أسمّيها. ولكنّي أذكر أنّي في عطلة شتاءٍ، توجّهت نحو مكتبة بيتنا، والتي تضمّ في الأغلب كتبًا دينيّة، بحكم تدريس أمّي للتّفكير الإسلاميّ، وأخذت كتابًا من الركن الصّغير جدًّا المخصّص للأدب. كانت رواية "موسم الهجرة إلى الشّمال" في طبعة دار الجنوب التّونسيّة. أذكر أنّي قرأتها في يومٍ واحد. كان يومًا طويلًا ممطرًا، لكنّي قضّيته بمتعة كبيرة. أوّل ردّة فعل لي كانت التّالية "أوه، هذا شيء مختلف!". كان أدبًا مختلفًا تمامًا عمّا قرأته في "مرحلتي الجبرانيّة" الـمراهقة، أدبًا شديد الصّلة بالإنسان في علاقته بالجسد (الذي كان موضوعًا محوريًّا بالنّسبة إليّ في تلك السّنّ.) فشخصيّات الطّيب صالح لا تخجل من التّعبير عن رغبتها في ممارسة الجنس وفي الكشف عن أشدّ أسرارها حميميّةً لنفسها وللآخرين. أستطيع القول بأنّي منذ تلك اللّحظة، بدأت أتعلّق بالرواية، لأنّها مسّتني في صميم إنسانيّتي، ورافقتني في رحلة معرفتي بجسدي. لذلك، ما زلت إلى هذه اللّحظة أعتقد أنّ فكرة ربط رواية موسم الهجرة إلى الشّمال بفكرة الثّنائيّة بين الشّرق والغرب، هي محض ادّعاءٍ إيديولوجيّ بائس، للأسف تمّ تطبيقه في "تدريس" هذه الرّواية لسنواتٍ طويلة، فتمّ تجاهل جزء كبير من المعرفة التي تقدّمها، وهي معرفةٌ بالجسد أساسًا وثورة عمّا يقيّده.

وأنا أتجوّل أيضًا في ذلك الركن الصّغير المخصّص للأدب، عثرت لاحقًا على رواية "الشّحّاذ" لنجيب محفوظ. كانت تلك أولّ رواية أقرأها له. ليس من السّهل أبدًا أن تبدأ نجيب محفوظ بالشّحّاذ أليس كذلك؟ ولكنّ "الشّحاذ" لم تفعل سوى مرافقتي في رحلتي مع جسدي أيضًا، وأثارت لديّ تساؤلاتٍ عديدة حول الإنسان ومكانته في العالم، عن الله والحبّ والقلق الـمصاحب لكلّ معرفة. أذكر أيضًا أنّ كثيرًا من الحيرة انتابتني وأنا أقرأ هذه الرواية حول مفهوم "اللذّة" وارتباطها الكلّي أو الجزئيّ بالجسد وعلاقته بجسد الآخر وأيضًا بالأرض، وكيف يهضم كلّ هذه الكينونات لينتج لنا ما نسمّيه "لذّةً" كأعمق ما نوجد به في هذا العالم ويعرّفنا. وفي سياقٍ آخر، كانت الحيرة منصبّةً على الجانب الرّوحي، لا المادّي، وعلاقته بهذه"اللذّة"، ولكنّي أعترف أنّي لم أعثر على تجسيدٍ حقيقيٍّ لهذا المفهوم سوى في موسيقى الرّوك آنذاك، والباقي كان بالنّسبة إليّ مجرّد تهويماتٍ.

رافقتني الرّواية إذًا، منذ سنين عمري الأولى، في رحلة اكتشافٍ لجسدي، ثمّ بدأت الرّحلة المعرفيّة الشّاملة مع الكتاب في المكتبة العموميّة بـ"منزل تميم"، حيث التهمت كتبًا لا عدّ لها في الأدب والفكر والنقد والفلسفة والشّعر. ما زلت أشعر بحنين كبيرٍ لتلك الفترة الجنينيّة، وكلّما تذكّرتها، تحضر في ذهني مباشرة مقولة بورخس "لطالما تخيّلت الجنّة على شكل مكتبة".

  • ما هو الكتاب، أو الكتب، الأكثر تأثيرًا في حياتك؟

الحياة مراحل بالطّبع، وفي مرحلةٍ من حياتي (بداية العشرينات) تأثّرت كثيرًا بكتابات أدونيس الفكريّة. تعجبني أيضًا رؤيته الخاصّة جدًّا للشّعر، رؤية الخلق لا العاطفة. لكنّي في تلك الفترة كنت بحاجة إلى أدونيس لفكّ العديد من المشاكل مع المسألة الدّينيّة في وطني العربي. ساعدني كثيرًا كتابٌ مثل "النّظام والكلام"، وأعتبره تحفة فكريّة وأدبيّة، وكتبٌ أخرى مثل "موسيقى الحوت الأزرق" و"المحيط الأسود". وصلت إلى الاستخلاص الآتي: لا قوام للمجتمع العربي إلاّ بتحرير الفرد، ولا مجال لتحرير الفرد إلّا بالمعرفة وتحييد الدّين عن مؤسّسات الدّولة.

في مرحلة ثانية، جاءت الرواية لتأخذ الحيّز الأكبر من حياتي. بدأ اهتمامي يتوجّه أكثر نحو الرّواية العربيّة ثمّ الأجنبيّة في مرحلة لاحقة. قرأت جبرا إبراهيم جبرا، وتأثّرت به كثيرًا في فنّه الرّوائيّ وفي نقده ورؤيته الحداثيّة للرواية والأدب. كان أدب جبرا مثالًا حيًّا للفرد المتحرّر من سلطة الدّين والمجتمع والسّياسة، عبر شخصيّات مثل وليد مسعود (البحث عن وليد مسعود) أو وديع عسّاف (السّفينة) أو علاء الدّين نجيب (عالم بلا خرائط). ما جاء به جبرا أيضًا هو اللّغة التي يجب أن يكتب بها السّرد. في تلك الفترة، كانت الرواية العربية (ولا تزال في جزء منها) غارقة في البلاغة الباكية على نكسة 67. أمّا لغة جبرا فشفّافة، تتوخّى الدقّة والبساطة، لتقول الأشياء والأحاسيس الأكثر تعقيدًا وعمقًا (محمد شكري يقول أمرًا مماثلًا عن هذا أيضًا). كلّ هذا خصّص لجبرا مكانةً في ذائقتي.

أمّا عن المرحلة الرّاهنة من حياتي، فإنّ الرّواية الأمريكيّة تأخذ الحيّز الأهمّ. شكّل روائيّو الولايات المتّحدة، عبر قرن من الزّمن، مدوّنةً ضخمةً عن الإنسان الأمريكيّ وحياته التي تلعب فيها الجغرافيا دورًا رئيسيًّا في بلدٍ كبير مثل أمريكا. وعلى اختلاف التيّارات الأدبيّة المرتبطة بالطبقات الاجتماعية والأحداث السياسية والاجتماعيّة (مثل روائيّي جيل البيتْ وعلاقتهم بثورة الشّباب في السّتّينيات والاحتجاج على حرب الفيتنام، وصولًا إلى تيّار الواقعيّة القذرة الذي أعتقد أنّه امتداد لهذا التيّار ووصف لحياة الطّبقة الوسطى ومخلّفات الحرب والرّأسمالية عليها)، فإنّ هذه المدوّنة الكبيرة تبدو كأنّها روايةٌ واحدة، وذلك للاتّفاق، غير المضمر، بين الرّوائيّين عن كيفيّة كتابة رواية وكيفيّة حكاية حكايةٍ، من حيث اللغة والبنية والحبكة. هذا "الوعي" الفنّي قلّ نظيره، ربّما رأينا ملامح منه في رواية أمريكا اللاتينيّة السّحرية، ولكن بدرجةٍ أقلّ، بعد ظهور تيّارات تجريبيّة تمثّلت أساسا في تجربتي روبرتو بولانيو وخوليو كورتاثار فكّكت هذه الرواية في أشكالها الكلاسيكيّة وعارضتها. ولكنّي أعتقد أنّ الرواية الأمريكيّة تظلّ متقدّمة في العالم بفضل هذا "الوعي" الفنّي المشترك، كيف لا والولايات المتّحدة هي الدّولة الأولى التي جعلتْ من تدريس الكتابة الإبداعيّة فرعًا من فروع الدّراسة الجامعيّة، ويشرف على هذا الفرع المتمثّل في ورشات، روائيّون لهم سمعة وانتشار في العالم؟

  • من هو كاتبك المفضل، ولماذا أصبح كذلك؟

ربّما أفاجئكم بالقول، بعد هذا الحديث الأخير عن تأثّري بالرّواية الأمريكيّة، أنّ كاتبي الـمفضّل ليس أمريكيًّا، مع إعجابي الكبير بتجارب روائيّة أمريكيّة كبيرة (روائيّو الواقعية القذرة وما بعدها: ريتشارد فورد، رايموند كارفر، توبياس وولف، جون آرفنغ، فيليب روث، بول أوستر) لكنّ روائيّ الـمفضّل هو ميلان كونديرا، ذلك لأنّه أخذ فنّ الرّواية إلى مناطق لم يأخذه إليها روائيّ آخر من جيله على الأقلّ، حسب اعتقادي. يظهر ذلك في الجانب التّجريبي. يختلف كونديرا بشكلٍ جذريّ عمّا عرف بالتّجريب في أوروبا وهو ما تجسّد في ما سمّي تيّار "الرواية الجديدة" في فرنسا، بقيامها على مبدأ إلغاء الرّاوي والحكاية وإحلال "العين" السّاردة "للـشّيء" مكان ذلك. هذا التيّار الذي ولد ميّتًا في رأيي، على ثوريّته، لأنّه لم يقدّم شيئًا للرّواية في رأيي. وهو ما جعل أحد روّاده، آلان روب غرييه، يعدل عنه ويفاجئ الجميع بالعودة إلى الحكاية من باب الـمذكّرات والسّيرة الذّاتيّة. أمّا التّجريب عند كونديرا فهو خاصّ به وحده: أوّلًا: الانتقال الـمفاجئ في رواياته، من الحديث عن شخصيّة إلى شخصيّة أخرى، لنكتشف في ما بعد العلاقة بينهما، وذلك بالحفر النّفسي في كلّ شخصيّة وضبط ملامح حياتها الفرديّة والعامّة. ثانيًا: توظيف مذكّراته الخاصّة ويوميّاته في رواياته، محوّلًا نفسه إلى شخصيّة روائيّة، وبهذا المعنى يصبح الكاتب أيضًا على علاقة خاصّة بشخصيّاته (كتاب الضّحك والنسيان مثلًا). ثالثًا: توظيف الفلسفة والعلوم الإنسانيّة (نيتشه، فرويد، ماركس) وذلك خدمةً للرّواية ولا بمنطق الإسقاط. أي كيف يمكن لهذا الحدث أن يحيلنا إلى فرويد؟ كيف يمكن لهذه الفكرة أن تحيلنا إلى ماركس؟ كيف يمكن لشخصيّة مثل توماس وحياته في "خفّة الكائن" أن تحيلنا إلى نظريّة العود الأبديّ لنيشته. وعبر هذا تتجسّد فكرة المعرفة الرّوائيّة، المعرفة النّابعة من الرّواية، لا الـمسقطة عليها. رابعًا: توظيف سير الشّخصيات الأدبيّة والسياسيّة الشهيرة في قالب روائي غالبًا ما يكون ساخرًا مثل غوته وبترارك وستالين ولينين وغيرهم. لقد كتب ميلان كونديرا تاريخ أوروبا في القرن العشرين بطريقةٍ ساخرة قلّ نظيرها وسبر غور الإنسان في كامل تمظهرات حياته، المخفيّ منها والظاهر، النّفسيّ والمادّي، الفرديّ والعامّ، مستلهما في ذلك روائيّين كبار سبقوه مثل هرمان بروخ وفرانز كافكا وويتولد غومبروفيتش وروبرت موزيل، ولا أحد في اعتقادي أنجز ما أنجزه ميلان كونديرا في هذه المدوّنة النّاطقة بالعبقريّة والمعرفة والخيال. كلّ هذا يجعل منه كاتبي المفضّل.

  • هل تكتب ملاحظات أو ملخصات لما تقرأه عادة؟

كنت أفعل ذلك في السّابق، لكنّي توقّفت لأنّي اكتشفت بأنّها عادة سيّئة. الأفكار الجيّدة تبقى راسخة في الذّاكرة، والمقاطع الجيّدة ستجد نفسك تفتح الكتاب وتذهب إليها مباشرةً في ما يشبه الحركة اللاإراديّة.

  • هل تغيّرت علاقتك مع الكتب بعد دخول الكتاب الإلكتروني؟

أبدًا، لم تتغيّر مطلقًا. لا أحبّ قراءة الكتب الإلكترونيّة. فقط أحتاجها للاطلاع من حين لآخر، ومنذ أن تتوفّر لي الفرصة فإنّي أشتري الكتاب لأستمتع بقراءته ورقيًّا.

  • حدّثنا عن مكتبتك؟

لديّ مكتبتان، واحدة في تونس العاصمة حيث أعيش وأشتغل، والأخرى في منزل تميم، في بيت العائلة. هذه المكتبة الأخيرة، تضمّ كتبي الأولى، قراءاتي الأولى وتوجّهاتي الجماليّة الأولى في الرواية والفكر والشعر والفن التشكيلي والسينما. ومكتبة تونس تضمّ ما جمّعته طوال تسع سنوات تقريبًا من إقامتي هناك، ومعظمها روايات عالميّة مترجمة. كلّ مكتبة تكمّل الأخرى، وأنا في انتظار لحظة تجميعها. مؤكّد ستكون لحظة فارقة. لكن من المدهش حقًّا أن تراقب نفسك وأنت تكبر وتتغيّر وتتجدّد عبر الكتب. مكتبة الكاتب هي سيرته.

  • ما الكتاب الذي تقرأه في الوقت الحالي؟

حاليًّا أقرأ رواية صغيرة "نوفيلّا" لإيتالو كالفينو بعنوان "الفيسكونت المشطور"، وهي واحدة من أمتع رواياته. ما يثير إعجابي في تجربة كالفينو هو قدرته على التنوّع في فنّه الرّوائيّ والقصصي، وهو يعتمد في هذا تجريبيّةً خاصّة به (مثل كونديرا) تجربةً كالفينيّة إن صحّ القول. الرّواية فانتازيّة بالأساس، ولكن بنكهةٍ واقعيّة خالصة، تتحدّث عن "ميدار دي تيرالبا"، فارسٌ من جنوى أصيب بقذيفة في معركة ضدّ الجيش التّركيّ (في القرن الثامن عشر حسب السياق التاريخي)، قسمته إلى نصفين بالطّول. يعود نصفه إلى قصره حيث أهله وعائلته. وسرعان ما يبدأ في ارتكاب أفعال شرّيرة مثل قسم كلّ شيءٍ يعترضه إلى نصفين، النّباتات والحيوانات وكلّ شيء. ليعترف في حديث بوح إل ابن أخيه (الراوي الرّئيسي) بأنّ حياة النّصف هي حياة الكلّ في الحقيقة. فكلّ إنسانٍ مكوّن من ثنائيّة، وعليه التخلّص من نصفٍ وعيش النّصف الآخر بكلّيّته مهما كان خيّرًا أم شرّيرًا، وأنّه في حالته لم يختر، فاضطرّ للعيش بنصفه الشّرّير لا الخيّر. وفي النّهاية على الإنسان اختيار "نصفه" الذي سيكون "كلّه" كي يدرك كيكونته القصوى ويعيشها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة شيخة حليوى

مكتبة ابتسام الوسلاتي