مكتبة محسن القيشاوي

مكتبة محسن القيشاوي

الكاتب محسن القيشاوي

ألترا صوت - فريق التحرير

يخصّص "ألترا صوت" هذه المساحة الأسبوعيّة، كلَّ إثنين، للعلاقة الشخصية مع الكتب والقراءة، لكونها تمضي بصاحبها إلى تشكيل تاريخٍ سريّ وسيرة رديفة، توازي في تأثيرها تجارب الحياة أو تتفوّق عليها. كتّاب وصحافيون وفنّانون يتناوبون في الحديث عن عالمٍ شديد الحميميّة، أبجديتُهُ الورق، ولغته الخيال.


محسن القيشاوي كاتب فلسطيني، من مواليد 1977 في الجزائر. حاصل على دبلوم من معهد الإعلام الآلي. مهتم بالتوثيق والأرشفة.


  • ما الذي جاء بك إلى عالم الكتب؟

حقيقة لا أتذكر متى أو كيف! لكن دعني أقل لك بداياتي الأولى كانت مع مجلات الكوميكس، أهمها كانت مجلة بيف، كل ما أتذكره أن الوالد كان يحضر لنا المجلة وكنت أنتظرها على أحر من الجمر، أولًا من أجل اللعبة الهدية الموجودة داخلها، وثانيًا القصص التي تعرضها، أكثر شيء كان يشدني إليها قصص "بيف وهركول"، مغامرات "رهان"، لكن أمتعها كانت مغامرات الشاب الهندي أوكادا، أو كما تسمى في السلسلة "الكابتن أباش"، كنت أحب متابعة تفاصيلها بشوق الطفل الذي يتوق للمغامرة. كنت أنتظر العدد تقريبًا أسبوعيًّا، بحكم أننا نعيش في مدينة صغيرة، كانت المجلة تصلنا بشكل متقطع والحصول عليها يستلزم توصية وتأكيد على حجز النسخة ومعرفة بصاحب المكتبة.

كان جل اهتمامي ذلك الوقت منصبًّا على الاهتمام بجمع الأعداد حتى السابقة، ومن الصدف أن والد أحد الأطفال الذين يدرسون معي في مرحلة الإعدادي كان أستاذَ تاريخٍ مهووسًا بجمع الكتب والمجلات منها مجلة بيف، المجلة التي يريدُها كلّ أطفال تلك السنوات.

استخدم هذا الولد ذكاءه الطفولي أو لنقل حس التجارة الذي ولد معه فصار يجلب مجلات والده، دون علمه، كي يبيعنا إياها. والمفارقة المضحكة أنه كان يبيعنا بالصفحة. مثلًا أنا كنت أبحث عن ما ينقصني من أعداد المجلة، ولأنه يبيع بالقطعة كنت أشتري مغامرات "الكابتن أباش" التي تنقصني وكانت في حدود أربع صفحات.

تلك بدايات اكتشاف عوالم الكتب، كنا أطفالًا صغارًا، الصورة هي التي أخذت اهتمامنا أكثر من المضمون. انتقلت بعدها إلى ﺳﻠﺴﻠﺔ "ﻟﻴﺪﻳﺒﺮﺩ" ﻟﻜﺘﺐ ﺍﻷﻃﻔﺎﻝ التي كانت تُصدرها مكتبة لبنان. تعتبر السلسلة ﻣﻦ ﺃﺟﻤﻞ ﻛﺘﺐ ﺍﻷﻃﻔﺎﻝ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ في ذلك الوقت، ﻭﺗُﺮﺟﻤﺖ إﻟﻰ ﺍﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻐﺎﺕ. كانت في غاية الجمال، ﺻﻔحاتُها عبارة عن لوحات فنية ترافقها قصص وحكايات ومعلومات مبسطة. وهي مقسمة إلى عدة سلاسل؛ القصص العالمية، الحكايات المحبوبة، أنا أقرأ، الإنجازات الحضارية والكتب الرائدة، قرأت الهر أبو جزمة، سامي وحبوب الفاصولياء، الذئب والجديان السبعة، بياض الثلج والأقزام السبعة، أمير الألحان، جزيرة الكنز، الفرسان الثلاثة، قصة مدينتين، رحلة حول العالم في ثمانين يوم، جزيرة الأحلام.

بعدها انتقلت إلى سلسلة "الناجحون" التي كانت تصدر عن دار العلم للملايين، وهي تشبه السلسة السابقة لكن للفئة العمرية الأكبر، قرأت سير الشخصيات التي تركت أثرًا في التاريخ، الاسكندر الأكبر الذي كنتُ مغرما جدًا بشخصيته وإنجازاته. امتلكتُ تقريبًا في ذلك الوقت حوالي أربع كتب عنه، هنيبعل، مدام كوري، إديسون، الأخوين رايت، غاندي، ابن بطوطة، زنوبيا، نابليون، صلاح الدين الأيوبي، هذه الشخصية نقلتني إلى مجموعة أخرى، كانت تصدر عن الدار نفسها اسمها "الأيام" والتي اهتمت بالتاريخ الاسلامي للناشئة.

كل تلك البدايات كانت بمثابة مفتاح وجواز سفر لمكتبة الوالد، هنا بدأتْ رحلة اكتشاف أسماء لا أعرفها، كتاب أوّل مرّة أسمع عنهم؛ نجيب محفوظ، يوسف إدريس، طه حسين، ألبيرتو مورافيا، أندريه مالرو، محمد حسنين هيكل، همنغواي، دوستويفسكي، روايات الهلال وسلسلة اقرأ، كنت أقرأ وأجد صعوبة في استيعاب أغلبها. الكتابان الدائما الحضور معي وأظل أتصحفهما خلسة هما "زوربا" و"لمن تقرع الأجراس" لغلافيْهما الحميميْن، والصادريْن عن دار المعرفة، وكان لا يزال للصورة الأثر الأكبر.

هنا انتقلت إلى مرحلة جديدة، بتلك الفترة صدرت سلسلة "الأنيس" بالجزائر، التي احتوت على أهم مختارات التراث والآداب والفكر الإنسانيّ، بسعرٍ رمزيّ وكانت بمثابة الرافد للقراءة الجدية.

وبعد أن تشكّل لديّ الوعي القرائي، واتّضحَت الرؤية في حدود السادسة عشر، بدأت هواجس تشكيل مكتبتي الخاصة تُؤرقني.

البداية كانت بالسَّطو على بعض العناوين من مكتبة الوالد لأضعها في ركن صغير بغرفتي اعتبرته مكتبة، وهكذا بدأت تتشكل ملامح أولى لمكتبتي، ومع كل فرصة كنت أشتري كتابًا من مصروفي الخاص.

المكتبة العامة في المدينة أعادت فتح أبوابها وكانت فرصة لأن أكتشف عناوين جديدة لا أجدها في أمكنة أخرى، فورًا سجلت اشتراكي، كنت أقرأ في المكتبة، وأقوم باستعارة الكتب، تلك العناوين حفزتني على المضي قدمًا في هذا العالم الجميل، وكان اهتمامي الأول المجال التاريخي.

لعل أكثر شيء رسخ في ذاكرتي، هو قراءتي لكتاب الحربين العالمتين الأولى والثانية، عرض مصور بجزئين لرمضان لاوند، صادر عن دار العلم للملايين.

ولك أن تتصور كم التفاصيل عن تلك الحرب التي حفظتها غيبًا. حتى الصور التي يحتويها. وقد قرأت المجلدين كاملين أكثر من مرّة حتى أن أمين المكتبة حين أدخل للقاعة، كان مباشرة يضع أمامي المجلديْن، أول كتاب أستطيع أن أقول إني قرأته حتى لا زلت أتذكر لون الغلاف وتفاصيله، الجزء الاول أزرق، بيد أن الثاني كان بلونٍ برتقالي.

كما أسلفت مع اهتمامي بالكتب التاريخية، كان هدية الوالد بعيد ميلادي وبطلب مني "المنجد في اللغة والأعلام" الذي تصدره المكتبة الشرقية في لبنان، لم يكن يعنيني إلا قسم الأعلام المهتم بتعريف الأعلام وتاريخ الأحداث السياسية عبر التاريخ، كان بمثابة خزانة أنهل منها كل ما أردت معرفته بطريقة مُبسّطة، بقي رفيقي لمُدَّة طويلة من الزمن.

الاهتمام بالكتب ولَّد لديّ اهتمامًا بالمجلات الثقافية، فكانت مجلة العربي الكويتية، الفيصل، الآداب، لكنني أدين للقسم الثقافي لمجلتيْ الهدف والحرية اللتين عرَّفتاني بأهمّ الكتاب العرب والفلسطينيين وكان لهما الأثر الأبرز. أصبح الاهتمام يأخذ نوعًا ما خيارًا سياسيًّا وإيديولوجيًّا بدأت تتكون ملامحه في تلك الفترة المبكّرة، وفي خضم قصايا التحرر في العالم، انجذبت لأهم شخصية ثورية عالمية: تشي غيفارا. كانت تجربته في أفريقيا بالنسبة لي لغزًا، وللتعرف على تلك القارة وجدتُ مجلة "أفريقيا آسيا" التقدمية التي تصدر بالفرنسية. للأسف كانت قد توقفت من مدة طويلة، إلا أن أرشيفها كان يتواجد بكثرة عند باعة الكتب المستعملة وبعض المكتبات. صرت أبحث عنها وأشتريها، وقد كونت أرشيفًا معتبرًا مكّنني من الوصول إلى تصور جيّد عن هذه القارة المجهولة، فيما يخص الجانبيْن السياسي والتاريخي، ولأنني تعلقت بكل تلك التفاصيل حاولت أن أقدم شيئًا، أخذتني أحلام المراهقة للتفكير بإنشاء مركز للأبحاث الأفريقية، وبطبيعة الحال كان حلمًا مستحيلًا.

كنت أرى المكتبة، تكبر شيئًا فشيئًا مدعَّمة بأرشيف معتبر من المجلات والجرائد، وكله من مصروفي الشخصي الذي آخذه من الأهل ولا أروي به سوى عطشي المتزايد للكتب.

مع بداية أي دخول مدرسي كان يقام معرض لبيع الأدوات المدرسية كل سنة، كان هنالك صديق أكبر مني شارك بجناح في المعرض، كنت أذهب لأساعده تطوّعًا، إلى غاية انتهاء المعرض الذي امتد لأسبوع، في اليوم الموالي أتى إلى زيارتنا في البيت وأعطاني ظرفًا مغلقًا، قال لي هذا نظير جهدك في العمل معنا، في بادئ الأمر رفضت أن آخذ المبلغ لكن هو أصر، وكان أول مبلغ أتحصل عليه من مجهودي الخاص، سعدت كثيرًا ولم أفكر مرَّتين بما سأفعله بتلك القيمة المالية، في الغد توجهت مباشرة لإحدى المكتبات، اقتنيت "العلم في التاريخ" بمجلداته الأربعة، كتاب لمارون عبود، كتاب عن ميخائيل نعيمة، ورسائل مي زيادة لجبران خليل جبران، ديوان إلياس أبو شبكة وديوان إيليا أبي ماضي، تاريخ الفلسفة لإميل براهيمية الجزء الخاص بالقرن السابع عشر، ومجموعة من مجلات أفريقيا آسيا. كان يومًا مشهودًا لن أنساه أبدًا.

بعد انتقالي لمدينه ثانية إلى الدراسة أصبحت الخيارات المتاحة أكبر، تعرفت على كل مكتبات المدينة واكتشفت شارعًا فرعيًّا هناك أطلقت عليه تسمية "المغارة". كان يجتمع فيه أساتذة الجامعة، الفنانون، الموسيقيون، المسرحيون، مثقفو المدينة، والطلبة كحالتنا. الشيء الذي يجمعنا الاهتمام بالكتاب أو من يأتي للتخلص منه، هناك قرأت أعمال الطاهر وطار، عمار بلحسن، رشيد بوجدرة، سارتر، غسان كنفاني، محمود درويش، أدونيس، نزار قباني، عبد المعطي حجازي، أحمد فؤاد نجم، لويس عوض، جرجي زيدان، وليام رايش، جان جنيه، ريجيس دوبريه، وأسماء عديدة لا تحضرني، كنت أحرم نفسي من كل شيء في سبيل اقتناء الكتب.

انتهت مرحلة التحصيل العلمي ودخلتُ مجال العمل، أصبحت مستقلًّا ماديًّا وهذا جعل عملية شراء الكتب أريح. انصبَ اهتمامي بمعارض الكتاب التي تقام في مدينتي، اقتنيت جل أعمال حنا مينا وقرأتها كاملة، بالإضافة للأسماء التي واكبت تلك الفترة.

ولأن العمل لم يكن ضاغطًا عليّ، كان الكتاب هو رفيقي وأستمتع بقضاء الوقت الأكبر معه.. تلك كانت عوالم بداية تأسيس وتشكيل المكتبة لديّ.

  • ما هو الكتاب، أو الكتب، الأكثر تأثيرًا في حياتك؟

في الحقيقة لا يمكنني تحديد كتاب بعينه، ومن الإجحاف القيام بذلك، كون قناعاتنا تتغيّر والعمر، إضافة إلى هذا لا يمكن لكتاب واحد أن يغير حياتنا، فالكتب بصفة عامة وتطور علاقتنا بها هو ما يصنع الفارق الذي يشكل وجودنا الحالي ونظرتنا للحياة، لذا القناعات أمر ثابت. لكن دعني أقل إن بداياتي مع الكتب التي شعرت أنها لامستني والتي لي قصص معها بفترات مختلفة من حياتي، "يوميات بوليفيا" مثلما قلت أعلاه أهم شخصيه تأثرت بها بمراهقتي هو تشي غيفارا كان هنالك رغبة لاقتناء مذكراته "يوميات بوليفيا"، سعيت جاهدًا لفترة طويلة للحصول عليها ولم أوفق، لكثرة شغفي بالكتاب كنت أعتبر نفسي قرأته من خلال ما كان يرويه صديق لي لطالما حدثني عنه، بالإضافة حفظت تفاصيل تلك اليوميات، ناهيك عن قراءة كل ما يقع بيدي مما يتحدث عن تلك اليوميات.. بعد سنوات طويلة تحصلت عليها ضمن الأعمال الكاملة التي صدرت عن دار الفارابي. الكتاب الثاني كان "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية" للشهيد حسين مروّة، تلك الشخصية اللافتة التي انتقلت من وسط ديني الى رحاب أكثر تقدمية ونهايته المأسوية شكلتا لدي حافزًا لقراءة أعماله، وكانت النزعات أهم تلك الكتب، ولهذا الكتاب قصة، اطلعت عليه بمكتبة المدينة العامة كنت أستعيره وأجهد في قراءته ولم أكمله للأسف بعد أن تم إغلاق المكتبة، هنا دخلت في مغامرة الحصول عليه، بعد بحث طويل لم أستطع امتلاك النسخة لأنها كانت نافذة فتعثرت كل تلك الجهود الحصول. وبعد سنوات في زيارة لي إلى مدينة غزة مثل ما جرت العادة مع كل مدينة أزورها أول عمل أقوم به هو البحث عن المكتبات، لكن للأسف لم أجد فيها مكتبات بالشكل الذي أجد ضالتي فيها، بآخر أيام تواجدي بتلك الزيارة كنت أنا مع قريب لي في انتظار "طلبية" أكل من أحد المطاعم لفت انتباهي وجود مكتبة بجانب المطعم، استأذنه لدخولها، أصبت بالذهول وكأنني في عالم آخر اكتشفت مغارة علي بابا، عدد مهول من إصدارات الكتب التي لم تكن تسنح لي الفرصة إلا القراءة عنها بالصفحات الثقافية للجرائد وبعض المجلات، من مجمل ما اقتنيه من تلك المكتبة التي كان اسمها "المكتبة العلمية" آخر نسخة موجودة عندهم من النزعات المادية، بآخر ليلة لي في القاهرة أثناء طريق العودة للجزائر لم أستوعب كيف تمت مصادرته مني، تجاوزت الأمر وسقط من بالي الحصول عليه، بعد سنوات صدرت بالجزائر طبعة مشتركة بأربع أجزاء ضمن مشروع كان قائما بين مؤسسة ANEP بالجزائر ودار الفارابي لإعادة طباعة مجموعة من الأعمال، كان أهمها أعمال أمين معلوف. لا أعرف لماذا توقّف هذا المشروع حاله حال باقي المشاريع الثقافية اقتنيت المجموعة وأعدت قراءتها، القصة مع الكتاب لم تنته، فبعد فترة وفي طريق عودتي من زياره للعاصمة إلى محطة المسافرين محملًا كالعادة بما اقتنيته من كتب من مكتباتها توقفت عند بائعي الكتب المستعملة في ساحة البريد المركزي، أحدهم كان يعرض مجموعة من الكتب منها النسخة الأولى بمجلدين للنزعات المادية التي ضاعت مني بالقاهرة، أو بالأحرى صودرت، ابتسمت وواصلت طريقي بلحظة ما عدت أدراجي لأسأل البائع عن ثمن الكتاب بعد مفاصله بسعره لم أكن أملك المبلغ كاملًا ولا حتى صديقي الذي كان معي، طلبت من البائع حجز النسخ لحين يأتيه صديقي بالمبلغ كاملًا في الغد، البائع لم يكن متحمسًا الصراحة لكن كان بمثابة ضربة حظ، غادرت وأنا بمحطة المسافرين أوصي صديقي وأؤكد له على ضرورة اقتناء الكتاب، لم يستطع صديقي تدبير المبلغ كاملًا.. فطلبه من صديق آخر وللأسف لم يكن كذلك يملك المبلغ مما اضطره إلى أن يستلف المبلغ من عند أمه كدين ووعد بإعادته في أقرب وقت، القصة لم تتوقف هنا، البائع لم يعد للساحة وبعد زيارة يائسة ثالثة للمكان وجد البائع واقتنى لي المجلدين، كل هذا التعب والمشقة ارتبطا بنوستالجيا الحصول على النسخة الأولى التي قرأتها من قبل. قدّمت المجموعة المكونة من أربع أجزاء كهدية لأحد الأصدقاء، وأبقيت النسخة القديمة (مجلدين) لليوم عندي بالمكتبة، هذا يأخذني لأشياء لم أجد لها تفسيرًا واضحًا، فمرات يكون الكتاب متوفر عندي وقد قرأته، إذا وجدت طبعة جديدة وغلافها أعجبني أقوم بشرائه، ممكن لأن علاقتي بالكتاب تتجاوز علاقة قارئ وانتهى، رواية "ذاكرة الماء" لواسيني الأعرج قرأت أجزاء منها مصادفة في جريدة أسبوعية كان اسمها الوقت، توقفت عن الصدور بعد فترة ولم أتمكن من مواصلة قراءة العمل، كان عندي رغبة جامحة في الحصول عليه، خاصة وأن الكاتب صرّح على صفحات الجريدة: "أن العمل لم يصدر بالجزائر بل في دار نشر ألمانية اسمها الجمل"، كان الأمر ضربًا من المستحيل أن تحصل عليه، الكتب لا تدخل للجزائر ولا وسيلة للوصول إليها إن لم تكن مطبوعة هنا، سرتني لغته الشعرية في الكتابة، وعن طريق هذا العمل اكتشفت الكاتب وحاولت الحصول على جل أعماله قرأت: "وقائع من أوجاع رجل غامر صوب البحر"، "وقع الأحذية الخشنة"، "الشاهد الأخير على اغتيال مدن البحر"، "فاجعة الليلة السابعة"، "سيدة المقام" أهم كتاب توقع الخراب القادم، لم أحصل على "ذاكرة الماء" حتى بعد صدورها بالجزائر، كنت قد توقفت عن قراءة أعمال الكاتب.

للصدفة أيضًا كلمتها.. في خضم بحثي الجنوني على "ذاكرة الماء"، في كل مدينة أزورها أبحث في مكتباتها، في إحدى تلك المكتبات دهشت ولم أصدق نفسي وأنا أعتقد أن الكتاب المعروض أمامي هو "ذاكرة الماء"، أخيرًا وجدته أسرعت إليه لأخذه، لأصاب بالخيبة فالكتاب بعنوان "ذاكرة الجسد" لكاتبة جزائرية اسمها أحلام مستغانمي! لم أكن أعرفها من قبل، فتحت الكتاب وأنا أعزي نفسي، وقعت عيني على جملة: "وكان ينتمي إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" هذا كان كافيًا لاقتناء العمل، قرأته في يومين، مفارقة عجيبة ارتبطت بذاكرة الجسد ففي حين كان الكتاب لا يزال متوفرًا بالمكتبات الجزائرية في الطبعة الأولى بإصدار موفم، كانت طبعة الآداب اللبنانية قد تجاوزت العشرين والطلب متزايد عليها. كتاب "رنين الحداثة" للكاتب المغدور بختي بن عودة، المثقف الموسوعي المكتبة المتنقلة الذي خسرته الجزائر، كنت قد اكتشفته في اليوم الموالي لاغتياله، جمعت مقالاته وما كتب عنه بالجرائد والمجلات المنتشرة، في البداية كنت أجد صعوبة في فهم ما يكتب لكن الجميل أنه كان يحرضني أن أبذل جهدًا مضاعفًا لفهمه، تلك المقالات كانت طريقة جديدة في الكتابة، مع الوقت أصبحت تأخذني تلك إلى زوايا اكتشفها لأول مرة، كانت بالنسبة لي كالمتاهات، كنت أستمع بكتاباته وأتحسر على خسارته، بعد سنوات من اغتياله صدر له كتاب "رنين الحداثة" وهو عبارة عن مجموعة مقالات ودراسات قطعت مسافة 250 كيلومتر فقط لاقتنائه والعودة بنفس اليوم.

"الثابت والمتحول" لأدونيس طبعة دار العودة أول كتاب سجالي أقرأه. كنا نبحث عن أشياء تحرضنا لقراءة مغايرة للتراث، بل لهدم أسس الثقافة العربية التقليدية. صادف أن جزء تأصيل الأصول وهو الثاني مفقود ولم يكن متوفرًا، مصادفة وجدته عند شخص حدثني عنه لم يكن يقرأ الكتب بل هوايته جمعها، حاولت اقناعه بشرائه من عنده ودفع ضعف ثمنه لم يوافق، قال لي يمكنك استعارته حتى لو سنة لكن لن أعطيه أو أبيعك إياه، وبالرغم من كل محاولاتي استعرت الكتاب ولم أعده له إلى اليوم.

"الأعمال الكاملة لجبران خليل جبران" دفعت ثمنها من مصروفي الشخصي كاملًا وبقيت بالمدينة التي أدرس فيها لا أملك شيئًا. الجزء الذي يحوي كتاب "الأرواح المتمردة" كان كفيلًا لأحسم موقف بشكل قطعي من كل رجال الدين والسلطة التقليدية، أعتقد أني قرأت قصص العمل عشر مرات وأنا واقع تحت تأثيرها.

تلك بعض من القصص التي كانت تربطي بكتب معينة قرأتها في مراحل متعددة. لو استرسلت في الحديث عن علاقتي بها لن أتوقف، باب الشمس، زنقة بن بركه، حدث في بيتاخو، وليمة لأعشاب البحر، السجينة، الحي اللاتيني، أنيس صايغ عن أنيس صايغ، نقد الفكر الديني، ويلات وطن، فلسطيني بلا هوية، المتشائل، الفوقعة، الحوات والقصر، صديقنا الملك.. كتب وعناوين كثيرة لا تحضرني الآن، كلها لكن تبقى "الموسوعة الفلسطينية" الصادرة عن "مركز الأبحاث الفلسطيني" أكثر كتاب أفتقد وجوده في مكتبتي.

  • من هو كاتبك المفضل، ولماذا أصبح كذلك؟

سؤال صعب لا أستطيع أن أحدّد كاتبًا بعينه شأنه شأن أفضل كتاب. لكن في هذا المقام أتذكر أنني كنت مواظبًا على قراءة مقالات مولانا هادي العلوي في مجلة الحرية، التي كنت أجمعها، كتابات فواز الطرابلسي، رياض الريس، حازم صاغية، نصر حامد أبو زيد، صادق جلال العظم، غائب طعمة فرمان، عبد الرحمن منيف، محمد شكري، غسان كنفاني، إميل حبيبي، إلياس خوري.

  • هل تكتب ملاحظات أو ملخصات لما تقرأه عادة؟

لا من غير الممكن أن أضع أي ملاحظة على الكتاب، أعتبر الكتاب شيئًا مقدسًا والعلاقة معه أمر حميمي للغاية، فحتى الصفحات لا أطويها، انزعج إذا تعرضت كتبي لأي ضرر. أستعمل الفواصل. ملخص فهمي للكتاب أحفظه وأستعيده بأي نقاش، وعندي قدرة للحديث والاسترسال عن أي كتاب قرأته، لكن حاليًا مع الوقت أصبح الأمر متعبًا نوعًا ما، أحاول اتباع طريقة تلخيص الكتاب وأخذ فقرات منه بورقة منفصلة بناء على نصيحة صديق.

  • هل تغيّرت علاقتك مع الكتب بعد دخول الكتاب الإلكتروني؟

بصراحة أقرأ الكتاب الإلكتروني لكن العلاقة مع الورقي بقيت ثابتة، الإلكتروني فرضته الحاجة، في الجزائر هناك ظاهرة غريبة وهي عدم وصول الإصدارات الجديدة والمنفذ الوحيد للكتاب هو معرض الكتاب الدولي، لكن لا تستطيع أن تلبي في المعرض كل رغباتك كونه لا يواكب كل الإصدارات في السنة. من الممكن أن ننتظر سنة كاملة لأجل اقتناء عنوان ما، لذا الجأ للكتاب الإلكتروني حتى تسمح الفرصة لشرائه ورقيًا. تبقى العلاقة الحميمة التي تربطنا بالورقي علاقة مقدسة لا يعوضها الإلكتروني أبدًا، بالمقابل بعد أن أصبحت المجلات والجرائد متاحة إلكترونيًا تخليت عن الورقي ولا أقرأه نهائيًا، أواكب كل الإصدارات إلكترونيًا وأقرأ يوميًا الصحف والمجلات باللغتين العربية والفرنسية، ولأني شغوف بأرشفة المجلات والجرائد حتى أيام الورقي فلقد كان لدي أرشيف هائل فقدته للأسف بتواطؤ من الوالدة والأخت لم أحظ باعتراف منهما لليوم، أشبه مصيره بمصير من يتخلى عن حقوقه، كان الأرشيف يأخذ مساحة غرفتين، ومن ثم غرفة، بعده على أرض الغرفة، ثم إلى الفناء، لينتهي به الحال مفقودًا. حاليًا أملك أرشيف الكترونيًا يمتد تقريبًا لعشرين سنة باللغتين، بالرغم من أنني فقدت جزءًا منه بحوادث مرتبط بالعلاقة مع التكنولوجيا الحديثة.

  • حدّثنا عن مكتبتك؟

المكتبة هي حياتي، كانت والدتي دائمًا تمازحني بالسؤال عن أولادي الذين صنعهم الورق (الكتب)، حاليًا تأخذ الكتب مساحة غرفة مستقلة، بالإضافة للمكتبة الموجودة ببيت أهلي التي تضم كتب البدايات كلها تقريبًا تخليت عنها، أرتب المكتبة بحسب دور النشر لتسهل عملية البحث عن كتاب معين، بالمكتبة إصدارات لدور النشر التي أثق بخياراتها إذ إنني أشتري كل جديدها: رياض الريس، منشورات الجمل، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مؤسسة الدراسات الفلسطينية التي أسعى لامتلاك كل إصداراتها، فما تقدمه من إصدارات يعتبر خزانًا لحفظ الذاكرة الفلسطينية، البعض من التنوير والرافدين والساقي، وعدد معتبر من دور النشر الموجودة بالساحة، كل إصدارات منشورات المتوسط التي تربطني علاقة خاصة بالقائمين عليها، وأعتبر مشروعها أحد أهم المشاريع الثقافية عربيًا حاليًا ورافدًا أساسيًا للمكتبة العربية. تحتل الكتب السياسية والروايات القسم الأكبر من المكتبة بالإضافة للشعر الذي يضم قسم من الأعمال الكاملة لأهم الشعراء، الكتب التاريخية والفكرية، القليل من كتب النقد، هناك نقص حاد فيما يخص كتب علم النفس والفنون، الكتب الدينية غير موجودة بالمكتبة نهائيًا عدا نسخة من في ظلال القرآن للسيد قطب. حاليًا لا مكان للكتب الجديدة وكان هناك قرار اتخذته بالتوقف عن شراء الكتب، وأتحدث أنني ملتزم به وأقنع نفسي بذلك، لكن في الواقع لازلت أقتنيها.

من الممكن أن العمر لن يسمح لي بقراءة كل ما أملكه من كتب، لكن بالمقابل أنا لا أؤمن بالظواهر التي غزت وسائل التواصل الاجتماعي عن الأشخاص الذين يقرؤون أربعين وخمسين وستين كتابًا في الشهر، وأربعمائة وما فوق في السنة، العلاقة بالكتاب أساسها الشغف، ولن يفهمه إلا كل محب حقيقي للكتاب.

  • ما الكتاب الذي تقرأه في الوقت الحالي؟

حاليًا أنا بصدد الانتهاء من قراءة مذكرات ويليام سبورتيس "جنان الزيتون مسار شيوعي جزائري"، وهو عبارة عن حوارات أجراها معه المؤرخ الفرنسي بيار جان لوفول لوسياني عن مسيرة الرجل ونضاله ضد الاستعمار الفرنسي، ومن ثم نضاله بجزائر ما بعد الاستقلال ضد سلطة بومدين، ووقوفه ضد الحركة الصهيونية وهو القادم من جذور يهودية، إلى حين اضطراره لمغادرة الجزائر في التسعينيات بداية مرحلة العشرية السوداء. في الكتاب كم من التفاصيل المهمة التي تسلط الضوء عن نضال الشيوعيين الجزائريين في القرن الماضي، كتاب جدير بالقراءة.

بعدها سأعتكف على قراءة كل إصدارات "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" الخاصة بتركيا، التي اقتنيتها من المعرض السابق، من أجل فهم هذه الظاهرة التي انتقلت من الانكفاء إلى التمدد في فترة زمنيه قصيرة، وأصبح حضورها يمتد من شرق آسيا إلى عمق أفريقيا، بعيدًا عن القراءات السطحية والمواقف الجاهزة والمعلبة. إنها محاولة في تكوين قراءة موضوعية لكل ذلك.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة أيمن حسن

مكتبة دعد ديب