مكتبة كريمة أحداد

مكتبة كريمة أحداد

الروائية كريمة أحداد

ألترا صوت - فريق التحرير

يخصّص "ألترا صوت" هذه المساحة الأسبوعيّة، كلَّ إثنين، للعلاقة الشخصية مع الكتب والقراءة، لكونها تمضي بصاحبها إلى تشكيل تاريخٍ سريّ وسيرة رديفة، توازي في تأثيرها تجارب الحياة أو تتفوّق عليها. كتّاب وصحافيون وفنّانون يتناوبون في الحديث عن عالمٍ شديد الحميميّة، أبجديتُهُ الورق، ولغته الخيال.


كريمة أحداد كاتبة وصحفية من المغرب، من مواليد 1993 في مدينة الحسيمة شمالي البلاد. تخصّصت خلال مسارها الأكاديمي في دراسة الصحافة والاتصال. صدرت لها مجموعة قصصية بعنوان "نزيف آخر الحلم"، كما صدرت لها مؤخرًا رواية "بنات الصبار".


  • ما الذي جاء بك إلى عالم الكتب؟

ربّما هي الصّدفة. لكنّني شعرتُ دائمًا أنّ حياتي مملّة كفاية، ما جعلني أحتاج إلى الغوص في حيواتٍ أخرى، والتعرّف على شخصياتٍ أخرى غير النّاس المحيطين بي. أحببتُ منذ طفولتي القصص التي كانت تحكيها لي جدّتي وأمّي. وكنتُ أستمع باهتمام وتركيزٍ شديدين إلى تفاصيل هذه الحكايات، بينما كان عقلي يسرحُ في تخيّل عوالمها. في سنّ الثامنة، بدأتُ أقرأ قصص المكتبة الخضراء للأطفال ومحمّد عطية الإبراشي، وكنتُ أحبّ جدًّا أن أنعزل بنفسي في زاويةٍ من البيت لأقرأ وأتخيّل، ناسيةً كلّ الضجيج المحيط بي، ومتجاهلةً الحياة الحقيقية والأحداث المهمّة التي تحصل حولي.

في سنّ الخامسة عشرة، بدأتُ أقرأ الرّواية. لم يكن من الممكن أبدًا أن أكون جالسةً في البيت، أو في أيّ مكان آخر، دون أن أمسك كتابًا في يدي أو رواية. كان اهتمامي دائمًا منصبًّا على الرّوايات وكتبِ الفلسفة والتاريخ وعلم النفس وعلم الاجتماع، وهذا ربّما يفسّر اهتمامي، فيما بعد، بالعلوم الإنسانية ورغبتي الدائمة في الغوص في تفاصيل النفس البشرية، خاصّةً في كتاباتي.

  • ما هو الكتاب، أو الكتب، الأكثر تأثيرًا في حياتكِ؟

يصعُب أن أقول أنّ كتابًا محدّدًا هو الأكثر تأثيرًا في حياتي. فحتى الكتب التي لم تعجبني أو تلك التي قرأتُها بملل، أثّرت فيها بطريقة أو بأخرى. باختصار، جلّ الكتب التي قرأتها حملت إليّ شيئًا ما، إحساسًا أو تجربةً أو استنتاجًا أو فكرة. ومع ذلك، أستطيع أن أقول أنّ رواية "امرأتان في امرأة" لنوال السعداوي كان لها تأثيرٌ كبير علي، إذ جعلتني أعي وضعيتي كامرأة داخل مجتمعٍ ذكوري. كتابُ "الجنس الآخر" لسيمون دو بوفوار جعلني أفهمُ الدوافع الاجتماعية والاقتصادية التي جعلت النساء يُصبحن ما هنّ عليه اليوم، والأسباب التي جعلتهنّ غير قادراتٍ على التكتّل سويةً لمواجهة الواقع الذكوري الذي فُرض عليهنّ. هناك أيضًا كتاب "نقد الفكر الديني" لصادق جلال العظم الذي غيّر كلّيًا طريقة رؤيتي للدين، ومنحني منطقاً آخر لفهمه. وطبعًا لن أنسى رواية "كافكا على الشاطئ" لهاروكي موراكامي التي منحتني الكثير من الدهشة، ورواية "المعطف" لنيكولاي غوغول التي جعلني أسلوبها الساخر، والرائع، أضحك من البؤس حدّ البكاء، ورواية "العاشقات" للروائية النمساوية ألفريدة يلينيك التي أدهشني تحليلُها لعقلية النّساء ونفاذها داخل نفوس شخصياتها النسائية، باستعمالِ أسلوبٍ بسيطٍ وجملَ قصيرة ومختزلة، دون شرحٍ أو إطناب.

  • من هو كاتبك المفضل، ولماذا أصبح كذلك؟

في الحقيقة، ليس لديّ كاتبٌ مفضّل، بل كُتّاب مفضّلون، منهم الرّوائي المصري نجيب محفوظ، والكاتب السعودي عبد الرحمن منيف، والبريطانية فيرجينيا وولف والتركية إليف شافاق.

نجيب محفوظ لأنّ قراءة مُجمل أعماله جعلتني في قلبِ التاريخ المصري والمجتمع المصري والحارات المصرية، وساعدتني على فهمِ هذا المجتمع، من خلال تناول الكاتب للأوضاع السياسية والاجتماعية، دون إغفال التحليل النفسي الذي يُعطي للشخصيات ثقلًا واقعيًا، وقدرةً على التأثير في القارئ.

عبد الرحمن منيف لأنّه قدّم أدبًا شجاعًا، وتناول بشجاعة التابوهات السياسية، وكتب ضدّ القمع والاستلاب والاستكانة والعجز العربي. ولأنه نجح في تعرية العلاقات المتشابكة والمعقّدة بين مختلف الفئات الاجتماعية، مثل العلاقات بين النساء والرجال، والهوة العميقة بين الفقراء والأغنياء.

فيرجينيا وولف لأنها استعملت أسلوبًا روائيًا معقّدًا وجديدًا وغير اعتيادي، يعتمد على التعبير على الزّمن المعاصر وإشكاليات الإنسان الجديدة ومعاناته الداخلية. كما تناولت غموض النّفس البشرية، وأبرزت ذلك الجانب الروحي في العالم. ثمّ لأنّها أخرجت لنا، في عزّ يأسها ورغبتها في الانتحار، أعمالًا جميلة.

إليف شافاق لأنّها غزيرةُ الإنتاج، تنطلقُ من المحلّي لتصل إلى العالمي. تُرينا المجتمع الإسلامي المحافظ من زاويةٍ أخرى، تعالج قضايا النّساء دون أن تُغفل الجمالية الأدبية وتقنيات الكتابة الروائية، عكس الكثير من الكاتبات العربيات اللواتي يسقطن في فخّ النّضال والإيديولوجيا في رواياتهنّ، ثم لأنّني عندما أقرأ إليف، يغمُرني نفس ذلك الدفء الرّوائي الذي أشعر به وأنا أقرأ أعمالًا أدبية عالمية لكتّابٍ كبار أمثال تولستوي، ستاندال وفيكتور هيجو... فهذه الكاتبة تعرِف كيف تبني عوالمها الرّوائية بتأنّ واهتمام، حتى تضع قارئها في قلب القصّة، وتجعله يلهث لمعرفة المزيد.

  • هل تكتبين ملاحظات أو ملخصات لما تقرئينه عادة؟

لا أكتب ملاحظات، ولا أحبّ كتابة الملخّصات. بالنسبة لي، أجملُ ملخّصٍ لكلّ روايةٍ أو قصّة أو كتاب هو ما تعلّمتُه منه، وما شعرتُ به وأنا أقرأ، وما خرجتُ به من كلّ قراءة، وما فهمتُه عن نفسي وعن الآخرين بعد انتهائي من القراءة... الملخّص هو ما غيّره داخلي هذا الكتابُ أو ذاك.

  • هل تغيّرت علاقتكِ مع الكتب بعد دخول الكتاب الإلكتروني؟

طبعا علاقتي مع الكتاب، بعد دخول الكتاب الالكتروني، تغيرت. وهذا أمر يتمثل عندي إحساسًا متناقضًا. فمن جهة جعل دخول هذه التكنولوجيا المطالعة أمرًا متاحًا ومتيسرًا، أقصد بالنسبة للذين لا يملكون مال يكفي لشراء الكتب الورقية. وكذلك الكتاب الالكتروني بالنسبة لي عملي أكثر، ففي السابق كنّا، إذا ما اقترح عليك مطالعة عنوان ما، تأخذ عناء البحث عنه في المكتبات، وبالذات العناء تلاعب حظك في العثور عليه، والذي لطالما يتعثر، وبالتالي تدفع قهرًا إلى انتظار توفره. مع الـ e-book يكفي الآن نقرة على شاشة هاتفك الذكي، أو حاسوبك، ليحضر الكتاب بين يديك. لكن، ومن جهة أخرى، دخول هذا الكتاب بشكله المقرصن، ظاهرة غير صحية لفعل الكتابة، فهو بذلك الشكل ينتهك حرمة المبدع وحقوق ملكيته الفكرية.

كما لا يُمكن إنكار أنني، قبل دخول الكتاب الإلكتروني، كنتُ أشعر بمتعةٍ أكبر وأنا أقرأ، ربّما لأنّ الأوراق كانت وسيلتي الوحيدة للوصول إلى المعرفة. وما زلت إلى اليوم، وبشيء من الحنين المتجدد، في حاجةٍ دائمة إلى ذلك الدفء الذي تُخلّفه داخلي العزلة عن النّاس، وإمساك كتابٍ ورقي بين يديّ، والسّفرُ في الخيال والمعرفة.

  • حدّثينا عن مكتبتك؟

بحكم انتقالي الدّائم من مكانٍ إلى آخر، كان من الصّعب عليّ الاحتفاظُ بكلّ كتبي. لذلك لا أملكُ سوى مكتبةٍ صغيرة تركتُها عند عائلتي في المغرب بعد انتقالي للعمل والعيش في إسطنبول. وهي مكتبةٌ تحتوي، بالدرجة الأولى، على روايات. رواياتٌ لكتّابٍ عرب مثل علاء الأسواني وإبراهيم عيسى وشهلا العجيلي وسعود السنعوسي ونجيب محفوظ... ثم روايات مترجمة إلى العربية لأدباء أجانب مثل دوستويفسكي وتولستوي وجورج أورويل وإليف شافاق وهاروكي موراكامي... هناك أيضاً رواياتٌ بالفرنسية منها la petite fadette للفرنسية جورج صاند، وLa vérité sort de la bouche du cheval للمغربية مريم علوي، وbonjour tristesse لفرانسواز ساغان.

بالإضافة إلى الروايات، تتنوّع الكتب الأخرى بين كتبٍ حول الصّحافة، وأخرى حول النقد الأدبي، وأخرى حول السياسة، كتبٌ حول التاريخ، وكتبٌ حول النسوية، وكتب حول علم الاجتماع، بالإضافة إلى مجلّدٍ أفتخر بكونه متربّعا على مكتبتي وهو "آيث ورياغر" الأنثروبولوجي البريطاني دافيد هارت.

  • ما الكتاب الذي تقرئينه في الوقت الحالي؟

في الوقت الحالي، أقرأ رواية "متحف البراءة" للكاتب التركي الحاصل على نوبل أورهان باموك. هذا الاختيار جاء لكوني أريد التعرّف أكثر على مدينة إسطنبول التي انتقلتُ إليها حديثًا، والتي كانت المدينة التي قضى فيها باموك طفولته.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة عبدالله حافظ

مكتبة محمد سعيد