مكتبة فلسطين: فلسطين.. أربعة آلاف عام في التاريخ (3 من 5)

مكتبة فلسطين: فلسطين.. أربعة آلاف عام في التاريخ (3 من 5)

كتاب فلسطين.. أربعة آلاف عام في التاريخ

تُعنى هذه الزاوية باستعادة كتاب من الكتب الفلسطينية، على اختلاف أنواعها، بهدف إعادته إلى حيز التداول من جديد، ذلك لأنّ الكتب لا تتقادم، ولأنّ معرفة فلسطين ضرورية في يومنا هذا أكثر من أي وقت آخر.


في كتابه المترجم حديثًا والصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت بعنوان "فلسطين أربعة آلاف عام في التاريخ" يتحدى نور مصالحة المقاربة الاستعمارية لفلسطين والخرافة الخبيثة القائمة على مقولة "أرض بلا شعب"، ويرى أن يُقرأ تاريخ فلسطين بأعين شعب فلسطين الأصلي.

تستعرض هذه المادة، في خمس حلقات، فصول هذا الكتاب القيّم والذي لربما يُعتبر الأشمل فيما يتعلق بتاريخ فلسطين الجغرافية لما فيه من تفاصيل ومعلومات.

دولة فِلَسطين في القرن الثامن عشر.. الملامح العصرية الأولى والسيادة العملية في فِلَسطين

يُشير اسم فِلَسطين تقليديًا وعبر القرون الوسطى إلى موقع جغرافي محدد بدقة، وإلى هويّة سكانها العربية الإسلامية في معظمهم، ولكن مصالحة يُشير إلى أنه غالبًا ما يُدرَس تاريخ فِلَسطين من منظور أوروبي، وعثماني، واستيطاني – صهيوني، أمّا الوجود والصوت المحليّان، والفِلَسطينيون أنفسهم، فنادرًا ما يُحسب حسابهم.

بالإضافة لذلك، يذكر الكاتب أن مؤرخي الشرق الأوسط الحديث يميلون عادةً إلى التركيز على السلطنة العُثمانية، والإصلاحات العُثمانية، وهو جزء من تقاليد غربية مديدة من الاهتمام باليوميات الإمبراطورية مثل الأشورية، والفارسية، والإغريقية، والرومانية، والعثمانية، والبريطانية وغيرها.

في العهد العثماني كان اسم فِلَسطين مستخدمًا لوصف البلاد التي يغلب فيها العرب المسلمون في منطقة جنوب الشام، ولقد عززت الحقبة العثمانية الطويلة ما كانَ أصلًا روابط تاريخية وثيقة بين فِلسطين ومنطقة الشام، الاسم الجغرافي العربي الإسلامي الذي صيغ في العصر الإسلامي الأول والذي يُشير إلى أرض سوريا وفِلَسطين والأردن، وجنوب تركيا الحديث.

ويؤكد مصالحة مجددًا إلى أنه لا ينبغي أن يُخلط اسم الشام بسوريا الحديثة، أو بالأسطورة المعاصرة التي اسمها سوريا الجنوبية أو جنوب سوريا، وهي عِبارة مُخترعة أُشيعت بين الأعوام 1919-1920 وكانت وليدة تيّارين حديثين أولهما العقيدة القومية السوريّة من أواخر القرن التاسع عشر، وثانيهما الظروف المحيطة بنشوء نظام قومي عربي في دمشق يرأسه الأمير فيصل.

دولة فِلَسطين ونظاما الظاهر عمر وأحمد باشا الجزّار

في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ساعدت صادرات القمح والقطن من مرفأ عكا الفِلَسطيني إلى إيطاليا وجنوب فرنسا وإنجلترا على إنقاذ السكّان في فرنسا من المجاعة، مما أدى إلى ظهور طبقة برجوازية محليّة في مُدن فلسطين، عكا، الناصرة، طبريا، نابلس، القدس ويافا، وتنامى الاقتصاد الريفي الموجه نحو التصدير إلى أوروبا.

وعادةً ما يُشار إلى أسباب الحداثة في العام العربي بأنها كانت نتاجٌ لسياسة الأعيان والغزوة النابوليونيّة أو ضعف الدولة العُثمانية، وأن مزيج هذه العوامل هو الذي أدّى بالنهاية إلى تحديث المنطقة. كذلك يرى المؤرخون أن العناصر المعاصرة الأولى في فِلَسطين استوردها أولًا المبشرون الأوروبيّون، والمستكشفون التوارتيّون في القرن التاسع عشر أو نشرها نُخَب المدن المتعلّمة في مدارس على الطراز الأوروبي.

على العكس من ذلك، يذكر مصالحة أن هناك أدلّة جديدة تناقض هذه المقاربة التي أطلق عليها النخبوية والرومانسية الاستشراقية والتوارتية للتاريخ الفِلَسطيني الحديث، وأولُّ هذه الأدلّة يُشير إلى أن بداية هذه العناصر التحديثية كانت في القرن الثامن عشر في فِلَسطين، وثانيها هو أن الغزو النابليوني لفِلَسطين وحصار عكا عام 1799 تلا، ولم يسبق، الثقافة والسلع المادية الأوروبية التي صارت مُتاحة خلال حُكم العُمَر والجزّار، وثالث الأدلة هو أن الاقتصاد الجديد والأدوات الجديدة في فِلَسطين في منتصف القرن الثامن عَشر كانت قد أُدمِجت إلى حد بعيد في إطار التجارة الدولية الحديثة، واقتصاد رأس المال الأوروبي.

لقد كان للثورة الصناعية الإنجليزية في القرن الثامن عشر وصعود الرأسمالية الأوروبية عميق الأثر في اقتصاد فِلَسطين، مما ساهم في إعادة توجيه فِلَسطين نحو أوروبا، وخلق اقتصاد سياسي جديد، الأمر الذي أدّى وفق مصالحة إلى تأسيس دولة فِلَسطينية برئاسة القائد ظاهر العُمَر الزيداني (1689 - 1775)، وكان العُمَر يستند إلى جيش مِهني عَصري، وإلى مُعظم الريفيين الفلسطينيين، فواجه الجيش العُثماني وهزمه، وأنشأ دولة تمكنّت من فرض سلطتها وسيادتها العمليّة على الكثير من مناطق فِلَسطين الحديثة، على الرغم من أنه كانَ مكروهًا من قبل الكثير من النُخَب الحَضرية الفِلَسطينية في نابلس والقدس.

وقد استلهم العُمَر من مثال إمارة جبل لبنان المستقلة (1516 - 1841) بالإضافة إلى الدعم الشعبي الذي وجده في أوساط الكثير من الريفيين الفلسطينيين، وعلاقات التجارة مع الفرنسيين والبريطانيين، قام العُمَر بخلق دولة قُطرية في فِلَسطين، وهي دولة جديدة تدفعها وتساندها قوّة محليّة، امتدت سلطتها من لبنان إلى غزّة، وكانت عاصمتها الحديثة هي عكا. وقد طوّرت هذه الدولة القُطرية الحديثة عكا من قرية صغيرة إلى مركز مدينة حضرية حصينة وغنية.

ويضيف مصالحة أنه من الجدير بالذكر أن السلطة السياسيّة والفعلية في الجليل في القرن الثامن عشر، لم تكن نتيجة النظام الإمبريالي أو ما يُعرف بنظام السيد – الوكيل في القيادة الحضرية، ولا كانت مُستقاة من السلطات العثمانية المركزية، بل الحقيقة أنها تطورت من الداخل، وبالتحدي والمقاومة العسكرية الفعلية للسلطنة العثمانية، وقد كان يدعمها الكثير من المزارعين الفلِسطينيين وتخالفها بعض النُخب الحضرية التي يدعمها العثمانييون.

ويضيء الكاتب أيضًا على نقطة من الأهمية بمكان في تاريخ فِلَسطين العُثماني، وهي أنه لا يُمكن حصر هذه الحقبة من تاريخ فِلَسطين في سياسات الأعيان والنُخَب السياسية والاقتصادية، وأنه وعلى الرغم من أن نُخَب المُدن هذه قاومت الحُكم العثماني المباشر في فِلَسطين إلاّ أنها كانت في معظمها قد نشأت من الطبقات الاجتماعية نفسها، وظلّت سياساتها موجهة عائليًا، ومنافِسة بشراسة، وعنيدة بعمق وغير فعّالة. ولذلك، لا يُمكن لتاريخ فِلَسطين أن يُختصر بنموذج واحد؛ الإطار الإمبراطوري السيد – الوكيل وسياسات النُخَب.

وعليه، لا يُمكن أن يُنسب إلى استقلال أعيان المدن الاجتماعي البروز الدرامتيكي للاستقلال السياسي الذي يُعتبر من أسفل الهرم ومن داخل المُجتمع الذي حققه كيان فِلَسطيني شبه مستقل في القرن الثامن عشر، دولة ظاهر العُمَر الفِلَسطينية التي كانت أقرب نقطة وصلت إليها فِلَسطين نحو الدولة العصرية المُستقلة.

كان ظاهر العُمَر يعمل كجابي ضرائب للدولة العُثمانية، وهي المهنة التي أفرزت العديد من الإقطاعيين في فِلَسطين، على أن العُمَر حين وجد أن نظام ضريبة الأرض العُثماني كان استغلاليًا جدًا وقَمعيًا حيال المزارعين، تمرّد عليه ورفضه، مما أدى إلى نشوء حالة من التعاطف والشعبية من قبل المزارعين الفِلَسطينيين تجاهه، وهو الذي بدأ صعوده إلى السُلطة في أرياف الجليل متخذًا من طبريا مقرّه الأول، وليسَ في المراكز الحضرية كنابلس والقدس وغزّة. انتصر العُمَر على العثمانيين في موقعة مرج بن عامر عام 1735، وبعدها انضم إلى قواته ألوف السكان المحليين وأكثرهم من مدينة الناصرة، وخلال العقود الثلاث التالية شَمخت قامة العُمَر إلى حد أنه عقد أحلاف مؤقتة مع الحكومة الروسية وتعاون مع مماليك مصر.

على النقيض من معظم الدول ذات السيادة الرسمية اليوم لكنها لا تتمتع بسيادة حقيقية، أو استقلالية في ميدان السياسة الخارجية، كانت دولة العُمَر في فِلَسطين سيّدة في الواقع والحقيقة، وعلى الرغم من أنها كانت تقع داخل السلطنة العثمانية، إلاّ أنها كانت رسميًا مُعترفًا بها لديهم بأنها إمارة ذات حُكم ذاتي، وقبل مقتل العُمَر بعام، أي في عام 1774 كانت أراضي دولته ممتدة من جنوب لبنان على طول الساحل الفلسطيني إلى غزّة وبعض المناطق في شمال شرق الأردن.

في بداية حكمه، اتخذ طبريا عاصمةّ له، ثم توجه إلى عرّابة في الجليل الأوسط واتخذها عاصمةً، ثم انتقل بعدها إلى الناصرة، ثم إلى دير حنّا، وأخيرًا اتخذ المدينة المرفأ عكا عاصمةً لدولته عام 1746، وباتت عاصمة الجليل ومركز تجارته الدولية الرابحة مع أوروبا. وعكا ظلّت عاصمة نظام مستقل آخر في فَلَسطين، وهو نظام أحمد باشا الجزّار في الأعوام 1776 – 1804.

في العام 1768، اضطرت السلطات العثمانية الضعيفة آنذاك بطريقة مُهينة إلى الاعتراف بنظام العُمَر في فِلَسطين، مما اضطرها أيضًا إلى الاعتراف بإمارة جبل لبنان، ونظام الأمير فخر الدين الثاني قبل ذلك، ومنح العثمانيّون العُمَر لقب شيخ عكا، وأمير الناصرة، وطبريّا، وصفد وشيخ كل الجليل.

لقد كانت دولة ظاهر العُمَر من الكيانات الناشئة حديثًا، وقد اغتنت من التصدير الخارجي للقطن وزيت الزيتون، وكانت تُصدر هذه المنتجات إلى منطقة الشام، وإيطاليا وفرنسا وبوتيرة أقل إلى بريطانيا، لكن بعد العام 1870 فقد القطن دوره المتقدم بوصفه غلّة أساسية تُباع نقدًا، وحل مكانه برتقال يافا، واحتل المكانة الأولى بين المنتجات التي تصدر إلى أوروبا.

ويذكر الكاتب أن ظاهر العُمَر مثل محمد علي المصري 1769-1849، وخلافًا للنخب الحضرية الفِلَسطينية العثمانية في نابلس والقدس، كانَ ناقضًا وصانعًا للقواعد لا قابلًا بها، فهذه النُخب الحضرية كانت في حالة خضوع، وجعلتهم القوّة من حيث النفوذ والسلطة والمكانة في مرتبة دون مرتبة العثماني الإمبراطوري الذي هو بالنسبة لهم صانع القواعد.

ويختم مصالحة الجزء المُتعلق بتفاصيل دولة ظاهر العُمَر بالإشارة إلى أنه غالبًا ما يُركّز تصوّر فِلَسطين الجيوسياسي على الحقبة العثمانية المتأخرة، أو على فِلَسطين القرن التاسع عشر، فتكون العلاقات التاريخية الفعلية بين "الدولة" الفِلَسطينية التي أنشأها العُمَر والرؤية المعاصرة لفِلَسطين معقدة. وينوه إلى أن هذه الدولة المستقلة استمرت عمليًا في فلسطين نحو نصف قرن، بين عشرينيّات القرن الثامن عشر وعام 1775، أي أنها كانت أطول عُمرًا كثيرًا من حقبة الانتداب البريطاني.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة فلسطين: فلسطين.. أربعة آلاف عام في التاريخ (1 من 5)

مكتبة فلسطين: فلسطين.. أربعة آلاف عام في التاريخ (2 من 5)