مكتبة فلسطين: جنين ماض وحاضر

مكتبة فلسطين: جنين ماض وحاضر

كتاب جنين.. ماض وحاضر

تُعنى هذه الزاوية باستعادة كتاب من الكتب الفلسطينية، على اختلاف أنواعها، بهدف إعادته إلى حيز التداول من جديد، ذلك لأنّ الكتب لا تتقادم، ولأنّ معرفة فلسطين ضرورية في يومنا هذا أكثر من أي وقت آخر.


لطالما كانت حكايتنا عن تلك المدن والقُرى التي احتُلّت، وهُجّرنا منها، وتغيّرت هويتها، أمّا تلك التي تمنّعت على العصابات الصهيونية ولم يستطيعوا عليها فنصيبها أقل قليلًا. ولعلّ الذي قال يومًا ما؛ نكتبُ عن الذي نفتقده لا عن الذي نمتلكه كان على قَدرٍ من الصواب.

يسجّل مخلص محجوب الحاج سعيد ابن جنين ومؤرخها في كتابه "جنين.. ماض وحاضر" الصادر عام 2009 تاريخ المدينة الذي يعود إلى زمن الكنعانيين، فقد تأسست جنين حوالي عام 2450 قبل الميلاد، ويسير مع المدينة في كل ما مرّت به من أحداث ووقائع عبر الزمن ليختتم مؤلفه الواقع في 295 صفحة بسرد أسماء المؤرخين والمستشرقين الذين زاروا جنين.

يُحسب لمحجوب أن عمله يشكل توثيقًا اجتماعيًا مفصلًا لمدينة جنين، فعدا عن تسجيل الأحداث التاريخية، سنجد أيضًا تفاصيل آثار المدينة وقصص معالمها الرئيسية والمهن التي اشتهرت بها، بالإضافة إلى أسماء قضاتها وشرطتها والحكام الإدارييين ومخاتيرها ومن شغل من أهلها مناصب رسمية في الحكومة العثمانية والأردنية والسلطة الوطنية الفلسطينية بعد عام 1993.

في آب/ أغسطس من العام 1516 وقعت جنين تحت الحكم العثماني في عهد السلطان سليم الأول، وجرى إلحاقها بسنجقية لواء اللجون حتى العام 1794، من ثم تم ضمها لولاية الشام لغاية عام 1844 وبقيت كذلك لمدة 42 عاماً لتُلحق بولاية بيروت المستحدثة عام 1886 ولغاية احتلال الإنجليز لفلسطين عام 1918.

ويذكر التاريخ أن زلزالًا مدمرًا وقع في المدينة في تشرين الأول/ أكتوبر من عام 1759 وتبعه آخر في بداية تشرين الثاني/ نوفمبر وكانت آثاره كارثية عليها من حيث تدمير معظم المباني والآثار والضحايا.

تعاقبت الأيام والأحداث على جنين كما أي مدينة أخرى في فلسطين، وكان مما شهدته المدينة أثناء الحرب العالمية الأولى هو اتخاذها من قبل الجيش الألماني مركزًا ومقرًا لقوة الطيران الحربي وأنشأوا مطارًا عسكريًا تابعًا لجنين جنوبي قرية مقيبلة (5 كيلومتر شمال جنين)، وقد أقام الألمان عام 1917 نصبًا تذكاريًا لطياريهم عُرف باسم التذكار الألماني.

في تاريخ 20/09/1918 في عهد السلطان محمد وحيد الدين السادس، سقطت جنين بيد الإنجليز، حيث قام الجنرال الانجليزي ماك لرين على رأس قوة خيّالة هندية وقوة استرالية بدخول المدينة. وفي السادس والعشرين من نفس الشهر شهدت جنين اجتماعًا لقادة وحكام المناطق العسكرية في فلسطين برئاسة المارشال ادموند هنري اللنبي وتم تعيين لرين حاكمًا عسكريًا للمدينة.

كما معظم مناطق فلسطين، شهدت الفترة ما بين الأعوام 1927 ولغاية 1935 هدوءً نسبيًا، أمّا في العام 1935، فقد شهدت جنين انتقال عز الدين القسّام والمجاهدين الذين كانوا معه اليها.

وكان الشيخ عز الدين القسّام قد انتقل إلى حيفا بعد أن حكم عليه المجلس العرفي الفرنسي في اللاذقية بالإعدام عام 1921، وفيها بدأ عمله كمعلم في مدرستي النصر والبرج الإسلامية في حيفا حتى عام 1925، وفي أعقاب حادثة البراق عام 1929 ضاعف القسّام نشاطاته ضد الاحتلال الإنجليزي والهجرة اليهودية والحركة الصهيونية، فالتف حوله الكثير من المؤيدين والداعمين لحراكه. أولى العمليات التي قام بها كانت بتاريخ 5/4/1931 في الياجور قرب حيفا.

استمرت المعارك بين مجموعات القسام في مناطق حيفا ويافا، وانتقل في تشرين الثاني /نوفمبر 1935 إلى قرية كفردان بعد انكشاف عملية تهريب الأسلحة في ميناء يافا، وفي السادس عشر من الشهر نفسه، اصطدمت مجموعة من الثوار بدورية إنجليزية على الطريق العام بين حيفا وجنين، الأمر الذي دفع الإنجليز الى مطاردة الثوار وتعقبهم لمحاصرتهم، وكان الثوار قد اتخذوا من أحراش يعبد مكانًا لتمركزهم، وفي 19/11/1935 حدثت المواجهة الكبرى بين الثوار والعساكر الإنجليز واستمرت لحوالي ست ساعات وقد أسفرت عن استشهاد القسّام وأحد عشر ثائرًا كانوا معه.

ومن ضمن رفاق القسّام كان الشيخ فرحان أحمد السعدي، وعُرف عنه مهارته في قنص عساكر الإنجليز، وبعد استشهاد القسام، أكمل الشيخ فرحان مقاومته للإنجليز على الرغم من بلوغه سن السبعين، وفي 15/09/1936 قتل اثنين من اليهود وتمت مطاردته والقاء القبض عليه، وفي محاكمة صورية تم الحُكم عليه بالاعدام وتم ذلك بتاريخ 27/11/1937 في سجن عكّا.

على اثر إعدام الشيخ فرحان، تشكّلت مجموعة اطلقت على نفسها اسم "إخوان فرحان" بقيادة سرور عبدالله البرهم وهو من رفاق عز الدين القسام وأكملوا عملياتهم وجهادهم ضد الإنجليز خلال الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936.

هدأت فلسطين بشكل عام قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية، حيث عملت سلطات الانتداب على اعتقال واعدام أغلب قيادات الفلسطينية لوأد الثورة ولتتفرغ للحرب.

معركة جنين

عقب إعلان الإنجليز موعد انتهاء انتدابهم على فلسطين، قامت العصابات الصهيونية باحتلال المدن والقرى التي انسحبت منها القوات البريطانية، واستمرت على هذا الحال لغاية الخامس عشر من أيار عام 1948، ولم تتدخل الدول العربية خشية إغضاب بريطانيا قبل هذا التاريخ.

وفور إعلان قيام دولة إسرائيل واعتراف الولايات المتحدة الامريكية بها، قررت الجيوش العربية التدخل في فلسطين في محاولة بائسة لاسترجاعها.

والتاريخ يذكر أن القوات العربية التي دخلت فلسطين كان عددها لا يتجاوز خمسة عشر ألفًا مقابل أكثر من ستين ألف مقاتل يهودي ينضوون تحت الهاجاناه والأرغون والشتيرن.

يذكر محجوب أنه بعيد احتلال قرى زرعين ومجدو في الثامن والعشرين والثلاثين من أيار/ مايو عام 1948 أُعلنت هُدنة مدتها نصف يوم بين الجيوش العربية والقوات الصهيونية، وذلك مكّن الأخيرة من توجيه قواتهم إلى قطاع جنين، فما كان من القادة المحليين والعناصر المتنفذة في المدينة إلاّ التحرك لملئ الفراغ الاداري ولحفظ الأمن وذلك من خلال تشكيل الحرس الأهلي بالتنسيق مع البلدية واللجنة القومية المحلية.

قبيل وصول الفصيل العراقي، تواجدت في جنين مجموعات فلسطينية وعربية بحسب محجوب تألفت من بعض المتطوعين الأردنيين بقيادة عبدالرحمن الصحن وقد انسحبوا قبل المعركة تحسبًا لغدر العدو، وبضعة رجال من البوليس الفلسطيني بقيادة الملازم نايف صالح البرغوثي، عشرون مناضلًا فلسطينيًا يقودهم فوزي فياض جرار وخمسون مجاهدًا من المدينة يدعمهم أكثر من مئتين وخمسين من أهالي القرى المجاورة.

في ليلة الثاني من حزيران عام 1948، هاجمت جنين قوة صهيونية كبيرة قدّرت بنحو أربعة آلاف مسلح يدعمهم طيران موزع على ست كتائب بقيادة موشية كارميل، وتقدمت باتجاه جنين من أربعة محاور.

كان تعداد الفصيل العراقي نحو 3000 جندي، وارتفع بعد ذلك حتى وصل إلى حوالي 15 ألفًا، وقد تمت محاصرة طليعة من الجيش العراقي من قبل القوات الصهيونية قبل أن تنسحب الى منطقة دير شرف وتطلب النجدة، وكان أهالي جنين والقرى المحيطة قد غادروها إلى مناطق أبعد وإلى الجبال والكهوف القريبة للاحتماء بها لحين توقف المعارك. وقد بدأت تتوارد طلائع القوات العراقية بقيادة العقيد عمر علي في محاولة للالتفاف من وادي عارة وتحرير مدينة جنين ومن ثم الوصول إلى طوباس، ودارت المعارك بعد عصر الخميس الثالث من حزيران وكان المناضلون الفلسطينيون قد بدأوا بالزحف نحو مركز المدينة ومطاردة القوات الصهيونية، حتى أكملت طردها من مدينة جنين والقرى القريبة منها.

وبعد أسبوع، بتاريخ 11/06/1948 تم عقد هدنة مؤقتة لمدّة أربعة أسابيع، ويذكر محجوب أن خسائر اليهود في معركة جنين وصلت إلى 1241 قتيل.

لم يلتزم الصهاينة بالهدنة المتفق عليها وهاجموا قرى عرّانة، عربونة، دير غزالة، الجلمة وجلبون وهي قرى قريبة من جنين في ليلة الثامن من تموز/ يوليو 1948، وهبّت المقاومة العربية الفلسطينية مدّعمة بالجيش العراقي للدفاع عنها وتوجهوا نحو قرية فقوعة، وتم تحرير قرى جلبون وخروبة وعرّانة وفي ليلة الحادي عشر من ذات الشهر تجمّع قرابة أربعمائة مجاهد في محاولة لاقتحام قرية المزار التي كانت محتلة من قبل الصهاينة لتحريرها واستكمال الجهاد نحو قرية زرعين ايضًا، لكن صدرت أوامر بالانسحاب للجيش العراقي وتم وقف القتال. وقد بلغ عدد قتلى العصابات الصهيونية في المعركة الثانية نحو 150 قتيلًا، في حين سقط 27 جنديًا عراقيًا وعقدت الهدنة الثانية في 18/07/1948.

سيبقى التاريخ حافظًا لما قام به الجيش العراقي في الدفاع عن مدينة جنين، وقد أكبرَ أهلها ذلك بتكريم شهداؤهم وتخصيص مقبرة وتذكارًا خاصًا لهم. ولعلّ التاريخ لن ينسى تلك العبارة التي أدّت إلى ضياع جزء أكبر من فلسطين كان بالإمكان تحريره.. "ماكو أوامر".

ويستشهد محجوب بالمؤرخ الكبير عارف العارف من كتابه "نكبة فلسطين والفردوس المفقود" حيث نقرأ أن القائد العام للجيش العراقي نور الدين محمود قرّر سحب جيوشه غربًا إلى كفر قاسم غير عابئ بالرجاء من اعيان البلاد وأهالي جنين بالتريث، مضيفًا بأن شهود العيان وأصحاب الخبرة قالوا: لو ثابر الجيش العراقي عقب معركة جنين الأولى بالزحف شمالًا لتحررت العفولة والفولة ونهلال وبيسان ولتغير مجرى الحرب.

على الرغم من تحرير مدينة جنين من القوات الصهيونية في المعركة الأولى، إلاّ أنهم قاموا في المعركة الثانية بسلب قرى وأراضٍ أخرى، فقد خسرت جنين 14 قرية مجموع مساحتها حوالي 268 ألف دونم.

بعد انتهاء الحرب، تم تسليم الجيش الأردني مهمة تصريف الامور المحلية والشؤون العامة في المنطقة والتي أُطلق عليها للمرة الأولى تسمية "الضفة الغربية"، وأقامت مدينة جنين حفلًا وداعيًا كبيرًا للجيش العراقي الذي انسحب من فلسطين بتاريخ 27/07/1949.

بقيت جنين تحت الادارة الأردنية حتى عام 1967 حين احتلت اسرائيل ما تبقى من أراضي فلسطين وعينت حاكمًا عسكريًا للمدينة هو سقي راسكي، وبقيت جنين تحت الحكم العسكري الإسرائيلي إلى العام الذي دخلت فيه السلطة الوطنية الفلسطينية الضفة الغربية.

لقد وضع المؤلف كافة ما يتعلق بالمدينة في صفحات كتابه إلى زمننا الحالي، حيث يذكر أحداث الانتفاضتين الأولى والثانية ودور أهالي جنين فيهما. كما تجدر الإشارة هُنا إلا أنه لم يترك مَعلمًا أو مهنةً إلا وذكر تاريخها في المدينة بالتفصيل، بالإضافة إلى أبرز من مارسها. ولم ينس محجوب الإشارة إلى دور أهالي القرى والمدن الأخرى القريبة من جنين الذين كان لهم دورٌ كبير عبر تاريخ المدينة.

مخلص محجوب الحاج سعيد من مواليد جنين عام 1940، عمل مديرًا لمدرسة كفر راعي الثانوية وسكرتيرًا لمدرسة جنين الثانوية، وبشهادة العديد يعتبر أحد أهم مؤرخي المدينة، وكان عضوًا في لجنة البحث والتوثيق في مكتبة بلدية جنين العامّة. له سلسلة مقالات وأبحاث تاريخية وجغرافية منشورة، توفي في شباط/ فبراير عام 2019 في مدينته التي أحبها وكتب عنها الكثير.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة فلسطين: اللد والرملة.. توأمان لفلسطين خالدان

مكتبة فلسطين: قبل الشتات.. التاريخ المصور للشعب الفلسطيني 1876 - 1948