31-يناير-2021

كتاب تاريخ الناصرة.. من أقدم أزمانها إلى أيامنا الحاضرة

تُعنى هذه الزاوية باستعادة كتاب من الكتب الفلسطينية، على اختلاف أنواعها، بهدف إعادته إلى حيز التداول من جديد، ذلك لأنّ الكتب لا تتقادم، ولأنّ معرفة فلسطين ضرورية في يومنا هذا أكثر من أي وقت آخر.


في طبعة ثانية صدرت عام 2020، قامت الأهلية للنشر باعادة طباعة كتاب القس أسعد منصور "تاريخ الناصرة.. من أقدم أزمانها إلى أيامنا الحاضرة"، الذي نُشر للمرّة الأولى عام 1924.

يُفتتح الكتاب بدعوة موجهة من الكاتب للقرّاء الذين لم يزوروا مدينة الناصرة لزيارتها كونها من أقدم المُدن المقدسّة في العالم، كما يوضح أن وضع مؤلفه قد استغرقه 19 عامًا من البحث والمطالعة وتدوين القصص التي وردت على لسان أهل المدينة.

وقسّم منصور كتابه الضخم إلى خمسة أبواب في كل منها عدّة فصول، وجاء الباب الأول بعنوان حقائق أولية وفيه سرد الكاتب وصفًا للمدينة، وتاريخ اسمها، وناقش في الفصل الثالث منه ما إذا كانت الناصرة في عصر المسيح قرية صغيرة أم مدينة معتبرة، أمّا الفصول اللاحقة من الباب الأول فأثار فيها أسئلة على شاكلة "هل كان سكّان الناصرة أشرارًا ومحتقرين؟"، وهل ناصرة اليوم هي نفس ناصرة المسيح، وأخيرًا سردٌ لأهم الآثار الموجودة في المدينة.

ويتحدث الكاتب في الباب الثاني عن تاريخ الناصرة من أول ذكرها قبل التاريخ المسيحي إلى عام 1923، وهو ما نراه زبدة المؤلَف، وسنستعرض هذا الباب بشكل مفصل في هذه المادة، أمّا الأبواب اللاحقة في الكتاب فيسرد فيها منصور معاهد الناصرة المسيحية المختلفة والكنائس الموجودة في المدينة في الباب الثالث، ومن ثم يورد في الرابع من الكتاب تفاصيل عن سكّان الناصرة من حيث دياناتهم ومذاهبهم، أصلهم وأزياؤهم واختلاف عاداتهم في الأفراح والأحزان، بالإضافة إلى مهنهم المختلفة.

الباب الأخير في الكتاب يتحدث عن حكومة الناصرة ومشايخ كل طائفة فيها، بالإضافة إلى الهيكل التنظيمي لبلدية الناصرة عند تأسيسها ويتطرق في نهايته إلى الأموال الأميرية.

ولا بد لنا أن ننوّه قبل الإسهاب في عرض الباب الثاني من الكتاب، بأن المؤلف اعتمد على ما أُتيحَ له من مصادر ومعارف آنذاك، ولعل بعضًا من المعلومات الواردة فيه قد أثبتَ التاريخ عدم دقّتها أو أيدها تأييدًا قاطعًا، وما لنا هُنا سوى أن نقدّر جهدَ الكاتب الذي سعى فيه لتأريخ مدينةً أقام فيها وأحبها، وأراد للعالم أن يقرأ عن تاريخها.

من أول ذكرها سنة 5 قبل التاريخ المسيحي

يعود منصور بالتاريخ إلى عام ولادة المسيح، حيث يذكر أنه لم يكن يُعرف عن المدينة شيء قبل هذا التاريخ، وأنها أصبحت من أهم الأماكن المقدسة عند المسيحيين ومطمح أبصارهم وأحد أماكن حجّهم. في العام 136 للميلاد طُرد اليهود من أورشليم وتوجهوا نحو الجليل، وصار لهم شأن عظيم، وقاموا بفرض ضريبة سنوية عليهم يُدفع نصفها للإمبراطور، وتحقّقت لهم امتيازات شتى منها أن لا يدخل غير اليهود بعض مدنهم منها طبريا وكفرناحوم والناصرة وصفورية، وعليه احتجبت الناصرة عن المسيحيين ولم يتمكن أحد من الآباء الذين زاروا الأراضي المقدسة أو أقاموا فيها من زيارة المدينة منهم إسكندر فلافيوس واكلميندس الإسكندري وأوريجانوس.

ومنذ حوالي العام 300 للميلاد وحتى الفتح الاسلامي، يذكر منصور أنه خلال هذه الفترة تمتع المسحيون بحرية كبيرة في المدينة، إلى أن جاء زمن هارون الرشيد والذي وصف بعصر النور والحرية الذي شهد سلامًا تامًا بين المسلمين والمسيحيين.

ويعدد الكاتب أسماء الأساقفة الذين تعاقبوا على الناصرة منذ العام 1112 ولغاية 1190، كما يذكر دخول صلاح الدين لمدينة الناصرة بعد انتصاره على الجيوش الصليبية في موقعة طبريا بتاريخ الرابع من تموز للعام 1187، وأنه وبعد طرده الإفرنج منها لم يمس كنائسها بأي سوء، كما يُشير أيضًا إلى أنه في العام 1192 أخذ هوبرت ولترس أسقف سالسبري أمرًا من صلاح الدين بإقامة كهنة وشمامسة من الوطنيين في الناصرة وفي أورشليم.

شهد العام 1229 للميلاد عقد صلح بين الملك الكامل وفردوك الثاني إمبراطور ألمانيا، وعلى أثره تم إعادة الناصرة للفرنجة، وبعد أعوام، وتحديدًا في العام 1291 قام السلطان خليل بن قلاوون بإخراج الصليبين من عكّا وأجهز على الناصرة وقتل من كان فيها من الإفرنج وهدم كنائسها.

لم تتوقف رحلات الرهبان المسيحيين إلى الناصرة بعد أن طُرد الصليبيين منها، فيذكر منصور أنه في العام 1343 إبّان حُكم خليل الأشرف الأيوبي سلطان مصر، وصلت بعثة مكونة من اثنا عشر راهبًا (الرهبان الأصاغر)، وعلى ما يبدو أنهم كانوا يأتون كل عام لزيارتها حتى العام 1449 حين وجد استفانوس من نمينبرغ راهبًا أو اثنين فقط من المسيحيين، وفي العام 1534 تأسست في القدس أخوية القبر المقدس للروم الأرثوذكس والتي على أثرها بدأت المزاحمة بينهم وبين الفرنسيسكان على الأماكن المقدسة وفق الكاتب.

واستمرت زيارات الرهبان ورجال الدين المسيحي إلى الأراضي المقدسة ومدنها عبر التاريخ، الذي شهد مناوشات كثيرة بين المسلمين والمسيحيين في الناصرة وغيرها.

الناصرة ما بين 1730 و 1831

يمر الكاتب على فترة حُكم الزيادنيّن وظاهر العُمَر في فِلسطين، ويختم سرده عن تاريخهم بأن له الفضل الأعظم في عمران المدينة وتساهله مع المسيحيين الذين عاشوا فيها آنذاك، وبعد أن انتهى حُكم ظاهر العُمَر، جاء أحمد باشا الجزّار في عام 1776.

بعد وفاة الجزّار عام 1804، تولى حُكم المنطقة سُليمان باشا، واستمر حكمه حوالي خمسة عشرَ سنة، وخَلفه ربيبهُ عبد الله باشا حتى العام 1831، ويسير الكاتب مع فترات حُكمهم تواليًا مُستعرضًا ما حلَّ بالرهبان والكنائس والمقدسات المسيحية في فِلَسطين عمومًا، والناصرة على وجه خاص.

يذكر منصور أيضًا أنه في العام 1744 حديث خلاف شديد بين كاهن الروم الأروثوذكس وأحد القساوسة، فوقف الرهبان اللاتين مع القس فانشق عنهم واتبع الروم الكاثوليك، ثم عاوّد اتباع مذهبه الأصلي بعد فترة، وحينها طلب من ظاهر العُمر أن يُعطيهم مكانًا للعبادة فأعطاهم عقدًا قديمًا في وسط البلدة. وأنه أثناء الفتنة الكبيرة التي وقعت بين الأرثوذكس والكاثوليك ما بين الأعوام 1737-1766، كان لظاهر العُمر دورٌ كبير في المحافظة على السلم في المدينة.

أمّا بعد مقتل العُمَر ومجيء الجزّار، فيذكر الكاتب أنه في العام 1790 قام بمصادرة كل ما كان مملوكًا للأوروبين في البلاد من ضمنهم رهبان الناصرة، ولم يسترجوا أملاكهم إلا بعد أن أحضروا أمرًا من الأستانة باستعادتها من الجزّار.

ما بين الأعوام 1831-1860

يشير منصور إلى أن عهد إبراهيم باشا قد كان بمثابة عصر جديد تبددت فيه ظلمات ومظالم عبدالله باشا، كما أن استعادة الأستانة لمكانتها كعاصمة قوية، كان لها تأثير كبير على هذا التغيير.

يسرد الكاتب العديد من الأحداث التي وقعت في الناصرة وما حولها خلال هذه الفترة، ولعل أبرزها كان الزلزال الكبير الذي وقع عام 1837 وهدم العديد من البيوت والكنائس والأديرة والمساجد، بالإضافة إلى النزاعات التي وقعت ما بين الطوائف المسيحية من جهة، والاضطرابات ما بين المسلمين والمسيحيين من جهة أخرى. كما يذكر نقلًا عن "يعقوب فرح" أنه في عام 1857 لوحظ أن كثيرين من سكان الناصرة كانوا هاجروا منها هربًا من الحوادث المختلفة التي وقعت قبل ذلك، بالاضافة إلى ثقل الضرائب التي فرضتها الدولة على الفلاحين. وتجدر الإشارة إلى فَرمان السلطان عبد المجيد الصادر عام 1850 باعتبار مذهب البروتستانت أحد المذاهب الرسمية في المملكة العثمانية، وقامت بفصل تسجيل أسمائهم في سجلات النفوس عن الطوائف الأخرى.

1860-1914

يورد منصور ان العام 1860 هو بداية نقطة تاريخية لأن فيها حدثت الفتنة التي ولدت حوادث مشؤومة كانت البلاد شهدت بعضًا منها خلال السنوات العشر السابقة. ودون الخوض في تفاصيل الأحداث التاريخية التي عصفت في المنطقة، نجد أن هذا الكتاب يركز على ما حدث في مدينة الناصرة من اعتداءات بين اتباع الطوائف أو الديانات المختلفة، بل ويُسهب في ذكر تفاصيل بعض الحوادث الشخصية وكيف أن إحدى هذه الحوادث وصل صداها الى المعتمد الإنجليزي اللورد دوفرن الذي طلب من حاكم صيدا التدخل لفض هذا النزاع.

ويشير الكاتب إلى أن عام 1865 كان عام البلايا على الناصرة، فقد تأخر المطر عن موعده، وجاء الجراد بداية بداية الصيف فأفنى الزرع وجرد الأرض، ودحل الزحاف بيوت الناصرة ودكاكينها، وفي الصيف ابتلي البقر بالطاعون البقري (ابو هدلان)، وفي الخريف جاءت الكوليرا وقتلت العديد من أهل المدينة.

وتجدر الإشارة أيضًا إلى ما أورده منصور إلى أنه في العام 1869 قام آل سرسق وشركاؤهم بشراء نحو عشرين قرية في سهل مرج بن عامر، واشتروا أرض الناصرة كذلك. ويمر المؤلف أيضًا على العديد من الأحداث التاريخية التي مرّت على المنطقة منها الحرب الروسية العثمانية عام 1877 وكيف أثرت على علاقة المسلمين بالمسيحيين آنذاك، ومن ثم زيارة أمراء الإنجليز فيكتور ألبرت وشقيقه جورج عام 1882، وانتشار الكوليرا مرّة أخرى عام 1902 وتركزها في مدينة طبريا والتي عمل أهالي الناصرة على مساعدة أهلها من خلال ارسال الطعام وما توفر من دواء، وفي عام 1906 تم فصل قضاء الناصرة عن لواء عكّا وتم إلحاقه بلواء القدس مما أحدث اندهاشًا لدى الكثيرين، وقد كان الظن حينها أنها من تأثير الحركة الصهيونية لغاية امتلاك بعض قرى سرسق كون إجراء هذه العملية في القدس أسهل عليهم مما هو في عكّا أو بيروت، ولم تفلح كل محاولات الناصريين في ارجاع المدينة لتتبع لواء عكّا حتى حدث الانقلاب العثماني عام 1909.

عاش أهالي الناصرة على وقع الاشاعات التي عصفت بالمنطقة بعد مذابح الأرمن ومذابح لبنان، وبدت الحرب الكبرى تقترب أكثر فأكثر، وفي تلك الأثناء استدعي مبعوث نابلس أمين عبد الهادي إلى مكتب قائمقام الناصرة لتطمينه وإبعاد الخوف عن الأهالي، وفي الثالث من نيسان/أبريل عام 1914 سلّمت الحكومة لكل مختار تحريرًا مختومًا ونهته عن فتحه تحت وطأة العقاب إلا حين يؤمر بذلك، وفي الثالث من آب/أغسطس حين بدأت الحرب فُتحت التحريرات وعُلّق في الأسواق مرسومٌ عليه علم الدولة العثمانية والسيف والمدفع، وتم إعلان النفير العام والأحكام العرفية وفي العاشر من أيلول/سبتمبر ألغيت امتيازات الأجانب في المملكة العثمانية.

الحرب.. وما بعدها

عانت الناصرة مثل كل المدن التي كانت محتلة من قبل العثمانيين، ويذكر الكاتب الكثير من التفاصيل اليومية التي تعرّض لها أهل الناصرة لدعم الجيوش العثمانية، كما يشير إلى كون الناصرة كانت مركزًا مهمًّا للعثمانيين والألمان أثناء الحرب، فقد كان هناك 28 مستشفى في المدينة يعمل فيهم نحو 250 فتاة وامرأة يأخذن رواتبهن من مخصصات العساكر.

في العشرين من أيلول/سبتمبر عام 1918، وبينما كان القائد الألماني المتواجد في الناصرة لمان فون سندرس نائمًا، دخلت طليعة الجنود الأستراليين من الجهة الجنوبية للمدينة، وحين أفاق، أعطى أمرًا بنصب الرشاشات على المباني وأعالي الجبل ليتمكن جنده من الفرار، وكان الجنود الأستراليون قد اكتفو باحتلال المستشفيات الجنوبية وضرب مخيم الألمان في الميدان وانسحبوا في الحادية عشرة صباح اليوم التالي وعادوا إلى العفولة. وترك فون سندرس المدينة ظهر ذلك اليوم بعد أن غادرها جميع أفراد جيشه، وقتل من الألمان نحو 15 جنديًا ومثلهم من الأتراك ولم يقتل من الإنجليز سوى ضابط واحد.

في الساعة الحادية عشرة من الحادي عشر من تشرين الثاني عام 1918، تم توقيع الهدنة وتوقفت الحرب، وبعدها قامت الحكومة المحتلة الجديدة بتقسيم البلاد إلى خمسة ألوية، اثنان في الجنوب، لواء القدس وسُمي لواء اليهودية ولواء يافا، ولواءٌ في الوسط سُمي لواء السامرة ومركزه نابلس، واثنين في الشمال، لواء فينيقيا على الساحل ومركزه حيفا، ولواء الجليل في الداخل ومركزه الناصرة، ثم نُقل المركز إلى طبريا وأعيد إليها مجددًا في حزيران عام 1919.

خاتمة

يُسجل القس منصور في مؤلفه تاريخًا مفصلًا لأحداثٍ عاشها في الناصرة وحتى نهاية الحرب الأولى، كما يُسجل له جهده الكبير في تأريخ وتفصيل العائلات الناصرية التي عاشت في المدينة وتوثيق كنائسها المتعددة ومساجدها، بالإضافة إلى تسجيله تغير شكل الحكم في الناصرة، وقد نجح منصور في مهمّة شاقّة آنذاك نظرًا لصعوبة الوصول إلى المعلومات والتواريخ الدقيقة، كما أن الفترة التي عاشها في الناصرة كانت زاخرة بالاضطرابات والمصاعب التي شكّلت فارقًا تاريخيًا لما وصلنا اليه. ولعلّ إعادة طباعة الكتاب في الوقت الحالي ستُساعد على تذكر ما عاناه أهل الناصرة ومازالت آثاره حتى اليوم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة فلسطين: اللد والرملة.. توأمان لفلسطين خالدان

مكتبة فلسطين: قبل الشتات.. التاريخ المصور للشعب الفلسطيني 1876 - 1948