21-سبتمبر-2020

فايز العباس (الترا صوت)

ألترا صوت – فريق التحرير

يخصّص "ألترا صوت" هذه المساحة الأسبوعيّة، كلَّ إثنين، للعلاقة الشخصية مع الكتب والقراءة، لكونها تمضي بصاحبها إلى تشكيل تاريخٍ سريّ وسيرة رديفة، توازي في تأثيرها تجارب الحياة أو تتفوّق عليها. كتّاب وصحافيون وفنّانون يتناوبون في الحديث عن عالمٍ شديد الحميميّة، أبجديتُهُ الورق، ولغته الخيال.


فايز العباس شاعر وصحفي سوري، يحمل إجازة في اللغة العربية وآدابها من جامعة حلب. عضو رابطة الصحفيين السوريين، من مؤسسي موقع منازل الشعراء وجماعة حالة الثقافية في ألمانيا وبيت الثقافة العربية في مدينة هالهْ "سالهْ" في ألمانيا. فاز بجوائز شعرية، وله عملان شعريان: "فليكن موتي سعيدًا"، و"5 ميغا بيكسل". يقيم في ألمانيا بصفة لاجئ.


  • ما الذي جاء بك إلى عالم الكتب؟

بدا لي السؤال مواربًا لوهلة، فهو يحمل في أحد أوجهه نوعًا من الاستنكار، غير أني سأتغاضى عن هذا الوجه، وأحسن الظنَّ "هههه أمزح طبعًا". كنتُ خجولا جدًا، متردّدًا، ضعيف البنية مقارنة بالأطفال الأشقياء الذين كانوا يتسلّقون حائط المدرسة هاربين، وعليه كان لا بدّ لي من شيء أمتاز به عنهم، وأشاركهم به الهربَ خارج الأسوار، وأحقق به انتصارًا عليهم، فكان ذلك مدخلي إلى عالم الكتاب، وفي المقابل كانت ثمّة مكتبةٌ في الطريق بين مدرسة "الكرامة" الابتدائية التي قضيت فيها أولى سنواتي وبين بيتي، وربما بلغةٍ مجازية "كانت بيني وبين الكرامة مكتبةٌ"، كنتُ أمرُّ بها مرتين أسبوعيًا لأشتري قصةً من قصص الأطفال، حتى أن صاحب المكتبة راح يشجعني، ويمنحني قصةً إضافيةً عن كل مرتين، ذلك أول عهدي بالمقولة الترويجية "اشترِ اثنتين، وخذ الثالثة مجانًا".

كان خالي محمد العلي عرّابي في القراءة، وله يعود الفضل في توجيهه قراءتي لاحقًا حتى ما بعد المراهقة بفترة جيدة. كما اعتمدت اعتمادًا كاملًا على اشتراكه وقتها في مجلة العربي الكويتية، مما أتاح لي قراءة كلِّ أعدادها تقريبًا.

من جانب آخر لم تكن في بيتنا مكتبة، وما عدا الكتب المدرسية لإخوتي ولي لم يحتوِ بيتنا كتابًا سوى "المصحف الشريف"، فكانت القصص التي أشتريها تباعًا هي اللبنة الأساس لمكتبتي التي سأتحدث عنها لاحقًا.

هل هذا ما جاء بي إلى عالم الكتب؟ أعيد طرح السؤال الآن على نفسي، ولا أدري صراحة إن كانت هذه هي الإجابة الدقيقة أم لا!

  • ما هو الكتاب، أو الكتب، الأكثر تأثيرًا في حياتك؟

كثيرة هي الكتب التي تأثرت بها، إذ بعد قراءتك أيَّ كتاب ستكون شخصًا آخر، طبعًا هذا يتعلق بالبدايات، بعدها وفي مرحلةٍ ما ستكون متوهّمًا أنك قد اكتملت، في تلك المرحلة قليلًا ما تتأثر بكتَابٍ، ولأكن صريحًا، أول الكتب التي أثّرت في تكويني كان القرآن، وهذا ما أجده في كل ما أنتجه من أدبٍ تقريبًا.

في المرتبة الثانية كانت رواية "البؤساء" لفيكتور هوجو من أكثر الكتب التي قرأتها تأثيرًا، وحضورًا في الذاكرة، وأظن في قرارتي أنها كانت السبب الأهم لدخولي عالم الأدب والكتابة.

أيضًا من الكتب التي أعتبرها ذات تأثير كبير في بلورتي قراءةً وكتابةً تأتي رواية "دون كيشوت" للإسباني سيرفانتس، هذه الرواية تكاد لا تغيب عن البال، حتى أنّ كل ما يبدر مني، وربما من المحيطين بي أسقطه عليها، أو أسقطها عليه.

وفي مرحلة متقدمة كان كتاب "المواقف" للنفّريّ من أهم وأجمل ما قرأتُ، وأعتبره المدخل الجميل لي إلى الأدب الصوفي.

  •  من هو كاتبك المفضل، ولماذا أصبح كذلك؟

لا كاتبَ مُفضَّلٌ لدي صراحة، أو لأقل إنّ كلَّ كاتب أقرأ له أعتبره مُفضَّلا حتى أنتهي من قراءته، لذا لا أستطيع تحديد اسم بعينه، ولكنّي أجد مثلًا الشاعر أمل دنقل من أفضل الذين قرأت لهم في الشعر، إنه بحق الانعطافة الشعرية الجميلة والعميقة، كما أن ميلان كونديرا يسحرني وأعيد قراءته باستمرار، فهو يصف ما نعرفه من الزاوية التي نمرّ بها ولا نعيرها انتباهًا، إنّه يمثل القدرة على التقاط الغائب عنّا.

  • هل تكتب ملاحظات أو ملخصات لما تقرأه عادة؟

في القراءة الأولى عادة لا أكتب ولا ألخّص، ولكنّي أشير بقلم الرصاص أحيانًا كثيرة لما أجده مهمًّا، أو ما أجد أنه ثغرة في النص/ الكتاب. بينما في القراءة الثانية وعادة ما تكون بغية كتابة مادة نقدية حول الكتاب فإنني طبعًا ألخّص، وأكتب ما يتبادر إلى ذهني تجاه ما أقرأ، ولكن على ورقة خارجية بكل تأكيد.

  • هل تغيّرت علاقتك مع الكتب بعد دخول الكتاب الإلكتروني؟

سابقًا كنت أقول بأنه لا مجال للمقارنة بين الورقي والإلكتروني، فالمقارنة فيها ظلم كبير لكلا الشكلين، إذ من غير العادل أن تضع المُعلّبَ إزاءَ الطبيعيِّ. ولكن مؤخرًا، وبسبب ندرة الورقي في ملاذنا الجديد، أجد أن الإلكتروني يتفوّق على الورقي، على الأقل من جهة سهولة الحصول عليه، كما أني اعتدتُ على هذا الشكل من القراءة. وأظنُّ أنّ الكتاب الالكتروني سيكون في المستقبل القريب هو الشكل الأهم، على حساب اختفاء، أو شبه اختفاء الكتاب الورقي، مع كل حبي لرائحة الورق.

  • حدّثنا عن مكتبتك؟

كما أسلفت كانت القصص التي أقتنيها في فترة الطفولة هي اللبنة الأساسية لمكتبتي التي استطعت إحداثها لاحقًا، لم تكن حتى وقت متأخر مكتبةً بمعنى المكتبة ذات الرفوف الخشبية، بل كانت كتبًا في كل مجال استطعت أن أحصل على كتاب فيه، اعتمدت في تنميتها على بسطات بيع الكتب التي أدمنت زيارتها سواء بسطات ساحة سعدالله الجابري في حلب، أو بسطات جسر الرئيس وما يليه في دمشق.

وبعد جهد كبير استطعت شراء مكتبة خشبية، ولكنّها لم تكن كبيرة بما يكفي لكل الكتب فتركت جزءًا من كتبي في سقيفة بيت أهلي في القامشلي، وبالتوازي أنشأت مكتبة ثانية إلكترونية على حاسوبي ضمّت أضعافًا مضاعفة لما ضمّته مكتبتي الورقية. "لاحظ أننا في كلمة (مكتبة) مرة نقصد الكتب، ومرة نقصد الجسم ذا الرفوف الذي يضمها". وحين صار لزامًا عليّ مغادرة سوريا عرضتُ أثاث بيتي للبيع، فكان أن اشتراه بأكمله رجل من المنطقة، وحين أخبرته أنّ الكتب خارج صفقة البيع، ردّ بكل تهكّمٍ: "يا أستاذ والله حتى لو تعطيني ياهن مجانًا ماني آخذهن"، ولولا اضطراري وقتها لألغيت البيع!

المهم؛ حين خرجت من سوريا أودعتُ مكتبتي عند صديق لي، ولا تزال برسم الأمانة لديه، أما مجموعة الكتب التي كانت في سقيفة أهلي فقد أبلغتني أمي أنّها استخدمتها، فقد جعلتْ بعضَها وقودًا للمدفأة، والبعض الآخر نارًا تحت "الصاج" الذي خبزت عليه أمي أواخر 2014 وبدايات 2015، في ظلّ أزمة المحروقات آنذاك، وهذا الأمر رغم أنه كان مفاجئًا لي، إلا أنه أيضًا أفرحني كثيرًا، ومن ثمّ ابتلع البحرُ مكتبتي الالكترونية التي كنت خزّنتها على "كرت ذاكرة" مع ما ابتلعه من سوريين وحقائب وذكريات، ولربّما أكل أحدنا لاحقًا سمكةً متخمةً بـ"كائن لا تُحتملُ خفّته"، أو بـ"مخاطبات النفّري"، أو ربما بـ"مُعلّقَة ٍجاهلية".

  • ما الكتاب الذي تقرأه في الوقت الحالي؟

بين يدي حاليا ثلاثة كتب وهي: مجموعة "المقطوع من 35 شجرة" للشاعر صلاح الحسن، وكتاب يوميات "المسخ يعشق متاهته" للكاتب الأمريكي ذي الأصول الصربية تشارلز سيميك، ترجمة وتقديم تحسين الخطيب، وكتاب "سوريا الدولة المتوحشة" للكاتب ميشيل سورا بترجمة أمل سارة ومارك بيالو.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة شريفة التوبي

مكتبة العربي الرمضاني