مكتبة غطفان غنوم

مكتبة غطفان غنوم

المخرج غطفان غنوم

ألترا صوت – فريق التحرير

يخصّص "ألترا صوت" هذه المساحة الأسبوعيّة، كلَّ إثنين، للعلاقة الشخصية مع الكتب والقراءة، لكونها تمضي بصاحبها إلى تشكيل تاريخٍ سريّ وسيرة رديفة، توازي في تأثيرها تجارب الحياة أو تتفوّق عليها. كتّاب وصحافيون وفنّانون يتناوبون في الحديث عن عالمٍ شديد الحميميّة، أبجديتُهُ الورق، ولغته الخيال.


غطفان غنوم مخرج سينمائي وممثل مسرحي وكاتب من سوريا. من مواليد مدينة حمص عام 1976، خريج الأكاديمية الفنية الحكومية في جمهورية مولدافيا الشعبية عن قسم الإخراج السينمائي، وعضو في نقابة السينمائيين الفنلنديين في دولة فنلندا، مشارك في مهرجانات مسرحية محلية وسينمائية دولية عن أعمال مسرحية وسينمائية وثائقية وروائية. في رصيده عدد من الأفلام الوثائقية، آخرها "قمر في سكايب".


  • ما الذي جاء بك إلى عالم الكتب؟

كما نعلم جميعًا، تم اعتماد يوم الخامس من تشرين الأول/أكتوبر كعيد للمعلم في كل عام، وكان لهذا اليوم المدرسي وقع خاص في نفسي، كما هو بالنسبة لكل طالب حسبما أظن. الحادثة التي رمت بظلالها كانت حين بلغت الصف الرابع من المرحلة الابتدائية، فقد تهيأ لي بأن الهدية التي اقتنتها لي والدتي كي أقدمها لمعلمتي، لم تكن ذات قيمة تذكر، وبدأت ليلًا برسم كل السيناريوهات المتخيلة للموقف المخجل الذي قد أتعرض له في اليوم التالي حين سأقدم مجرد علبة محارم ورقية بينما يقدم الآخرون ما غلا ثمنه أو حلا شكله. ولذلك فقد دلفت صباحًا إلى غرفة المكتبة التي كانت غرفة ضيوفنا، وسرقت كتابًا من الكتب التي زخرت بها المكتبة، لم أهتم بعنوان الكتاب، لكن الغلاف أعجبني، فقد وضعت صورة مهيبة لشيخ جليل ذي لحية طويلة وثخينة على خلفية حمراء قانية، ولمعرفتي المسبقة بشغف مدرستي بالقراءة فقد ذهبت للمدرسة يومها مطمئنًا. المعجزة حدثت لي كطفل حين شاهدت المفاجأة مرتسمة على وجه معلمتي وبدأت بطرح أسئلة عديدة علي، عن الكتاب وثمنه ومن أين حصلت عليه ولماذا كان عتيقًا؟  كل ذلك جعل مني في لحظة واحدة محورًا للحدث في ذلك اليوم بالمدرسة.

فيما بعد علمت بعد أن افتضح أمري كسارق، بأن الصورة كانت للعظيم ليون تولستوي، وأن الكتاب يتحدث عن سيرة حياته. غير أن الأمر برمته جعلني أرغب بقراءة ما أفهمه، مما دفع بوالدي لشراء مجموعات ومجموعات من القصص المصورة وقصص الأنبياء وأبطال التراث، ثم وقعت في غرام كل ما كان يصدر من مجلات للأطفال كالعربي الصغير وأسامة وسلسلة الألغاز المصرية وغيرها. مازال كل ذلك راسخًا في ذهني بقوة، وأجزم بأن أسعد لحظات القراءة كانت في ذلك العمر.

  • ما هو الكتاب، أو الكتب، الأكثر تأثيرًا في حياتك؟

أجد صعوبة في الإجابة على هذا السؤال، فقد ضحكت جدًا وبكيت كثيرًا بحسب الكتب وتنوعها، ولكن عمومًا أعتقد بأن لكل مرحلة عمرية شغفها، في مرحلة أغرمت بديستويفسكي ولازلت، والمفاجأة أن ذلك الغرام بهذا الكاتب حصل لي في عمر صغير، فقد قرأت رواية "الإخوة كارامازوف" في السادسة عشرة من عمري، ولا أعلم كيف أحببتها ولماذا، ولكن هذا ما حصل، وبعد ذلك وجدت نفسي مأخوذًا بالأدب العالمي، حتى أن ذلك أثّر سلبًا على اطلاعي وشغفي بالأدب المحلي والعربي، وما زلت حتى هذه اللحظة أعاني من هذا الجانب الضعيف، وأحاول ترميمه حين تسنح الظروف حسب الأولويات.

عاطفيًّا، ربما تكون رواية "الساعة الخامسة والعشرون" لكوستانتين جورجيو هي الرواية الأكثر تأثيرًا في نفسي حين قرأتها منذ سنوات طويلة.

  • من هو كاتبك المفضل، ولماذا أصبح كذلك؟

حسنًا، باختصار، أجد أن أقرب كاتب لنفسي حتى هذه اللحظة هو أنطون تشيخوف، وهو الكاتب الوحيد الذي أعود إليه كلما تقت للبكاء أو للضحك أو للاسترخاء والسكينة. إنه بالنسبة لي الكاتب الذي يمتلك السر.

لقد قيّد لي أن أسافر لروسيا، وأتذكر تمامًا تلك اللحظة الرهيبة التي وقفت بها لأول مرة في قطار مسافر نحو مدينة تيراسبول في مولدافيا، كان كل شيء أمامي يعيد نفسه كما لو أنني شاهدته قبل الآن، وجوه الناس السكارى، زحمة الحقائب، قناني الفودكا فوق الطاولات، وحتى رائحة الحجرات.. ذهلت، نعم لقد شاهدت ذلك في كتابات تشيخوف وشممت تلك الروائح في قصصه، وتعرفت على أولئك البشر في كتبه ومسرحياته، أليس ذلك رائعًا؟ أن تشعر بالدبق والرطوبة حين تقرأ لماركيز، أو تشعر بالرهبة حين تطالع قصة كالسهوب لتشيخوف!

  • هل تغيّرت علاقتك مع الكتب بعد دخول الكتاب الإلكتروني؟

فرضت الكتب الالكترونية طريقتها علي، وصرت مشتتًا، غالبًا أقرأ في نفس الوقت عدة كتب معًا، وهذا بالطبع يجعلني قلقًا ومتوترًا، كذلك الحال حين أشاهد الأفلام السينمائية، بغض النظر عن كل المشتتات المزعجة من إعلانات وغيره مما يعترضك لدى القراءة، أو المشاهدة.

  • هل تكتب ملاحظات أو ملخصات لما تقرأه عادة؟

لا أكتب ملخصات ولا شروحات لأي كتاب أقرأه، وهذه عادة أحاول التخلص منها من ضمن عادات كثيرة سيئة، ومع التقدم بالعمر بدأ التعب ينتاب ذاكرتي، لذلك صرت أستدرك الأمر بكتابة ملاحظات سريعة لما أعتقد بأنه ينبغي الرجوع إليه مرارًا، وخاصة إذا كان الأمر يتعلق بشروحات لم أفهمها جيدًا في القراءة الأولى. لكن وللأمانة لم يحدث أن عدت لملاحظة كنت قد دونتها، فالملاحظات كثيرة والكتب لا تنتهي والكسل عدو العمر اللدود.

  • حدّثنا عن مكتبتك؟

ما اعتبرته نعمة كبيرة حين كنت في سوريا تحول لمصيبة وكارثة في المنفى، هناك في الوطن كان من العظيم بالنسبة لي أن أحصل على مكتبة إلكترونية هائلة ومتنوعة تتضمن ما لذ وطاب من الكتب وما منع تداوله، وخاصة مع شحّ الموارد المالية، غير أن الحال تبدل بالنسبة لي في أوروبا، فالافتقار للكتب الورقية صار مزعجا جدًا، فأنا شخص ورقي، وعلى الرغم من الغزارة الشديدة في القراءة الإلكترونية إلا أنها تبقى قراءة غير ذات أثر راسخ في الوجدان على العكس من الكتب الورقية.

  • ما الكتاب الذي تقرأه في الوقت الحالي؟

أقرأ حاليا بمتعة كبيرة كتاب "العاقل، تاريخ مختصر للجنس البشري" ليوفال نوح هراري، و"مرايا" لإدواردو غاليانو.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة زياد خداش

مكتبة رشيد إغبارية