مكتبة عبد الغني صدوق

مكتبة عبد الغني صدوق

الكاتب عبد الغني صدوق

ألترا صوت – فريق التحرير

يخصّص "ألترا صوت" هذه المساحة الأسبوعيّة، كلَّ إثنين، للعلاقة الشخصية مع الكتب والقراءة، لكونها تمضي بصاحبها إلى تشكيل تاريخٍ سريّ وسيرة رديفة، توازي في تأثيرها تجارب الحياة أو تتفوّق عليها. كتّاب وصحافيون وفنّانون يتناوبون في الحديث عن عالمٍ شديد الحميميّة، أبجديتُهُ الورق، ولغته الخيال.


عبد الغني صدوق كاتب من الجزائر. من مواليد 1977 في مدينة أدرار. ينشر مقالاته الأدبية في الصحافة. صدرت له مجموعة قصصية بعنوان "قصر جزائري بقلب الأقصى"، بالاشتراك مع الكاتب الفلسطيني سليم عوض عيشان.


  • ما الذي جاء بك إلى عالم الكتب؟

لا شكَّ أنَّ أيَّ طفل بلغ سنَّ التمدرس، في بلدٍ آمن مِن حرب الآلة، واجبٌ على أبويه الأخذ بيده إلى المدرسة ليتعلّم الحروف الأبجدية والأرقام، ويتعرَّف على أسماء الصور والأشكال رويدًا رويدًا، فتبدأ رحلة تعلّمٍ جديدة، ومِن الأطفال الذين يفتح الله عليهم باكرًا، من يحضرونها -أي المدرسة- وفي رصيدهم الذهني كمًا هائلًا مِن المعارف، أو بالأحرى يتفوَّقون على أقرانهم في الإلمام بفهم مادة أو أكثر، ذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء.. وفي تلك المرحلة تتفاوت المدارك، وما إجراء الامتحانات والمسابقات إلّا ذريعة لإثبات تفاوت نِسب الذكاء وتقنينها وتوثيقها في الكشوف، ولمٌا كانت الجائزة قصَّة آنذاك، فهي تعني للفائز بها فضلًا وتميّزًا واختيارًا، فيثمِّنها ويحاكيها مِن الألف إلى الياء، فتنبتُ بذرة القراءة وتترعرع طواعية، ويصبح كل ما هو ورق مكتوب محبوبًا؛ لأنَّ علاقةً طردية أُنشئتْ بين ذهن التلميذ والكتاب، لا سيما إذا دُعِمت تلك العلاقة بمراقبة لصيقة واجتهاد مِن الوالدين.

في سنوات الطفولة، وبعد عقد وعام مِن ميلادي، كنتُ مُجبرًا على النهوض قُبيل الفجر، لأحفظ اللوح عند الشيخ في الكُتَّاب، فأمشي ربع ساعة، أُنهي المهمّة ثمَّ أعود للبيت، فأتهيأ للمدرسة، كانت تلك العادة بالنسبة لي مؤرقة، لكنني ألِفتها مع كرور الأيام، وإذا ما تقاعستُ مرَّة عن الاستيقاظ مِن النداء الأول، فإن طاس ماءٍ في طريقه إلى الانسكاب على جسمي، سواء أكان الفصل صيفًا أو شتاءً، فأنتعشُ وارتعش وأقوم مُبللًا أقطر. أصبحتُ أتحاشى الصدمة، فأنهض بالتلقائية، وانضبطت رنَّة ساعتي البيولوجية مع آذان الفجر إلى يوم الناس هذا.

بعد آخر سطر مِن الآيات على اللوح بيتين مِن متن العبقري وبيتين مِن مُلحة الإعراب، أحفظ ما كُتِب على اللوح ذلك الفجر، على أن يتم أخذ الشروح جماعة في حلقة الليل بعد العِشاء. وأثناء العودة مِن الكُتّاب كُنَّا نتبارز في الطريق بما حفظناه وفهمناه.. وفي بيتنا انحجبَ أحد جدران الصالة بأنواع الكُتب، منها الفقهية والسيَّر والتفاسير والقواميس. كان مُحرَّم علينا -نحن الأطفال- ولوجها إلَّا والوالد فيها، ومِن هنا بدأت تتطور علاقتي مع الكُتب، لا مفر منها إذًا؛ لأن الوقت طوال اليوم مملوءًا، وللَّعب ساعته مِن يومه الخاص.. وكنتُ أشاهد بين الفينة والأخرى كُتبًا جديدة تنضاف إلى الرفوف، فبدأتُ أدركُ أنَّ سرًّا كامنًا في الصَفحات ولا بُدَّ لي مِن الاطلاع عليه، ولو أنَّ نور الفهم لم يكن ليتيسر لي منه إلَّا القليل، إلَّا أني رغبتُ في القراءة مِن باب التقليد والفُضول.

  • ما هو كتابك المفضَّل ولماذا أصبح كذلك؟

الكُتب كالبشر، لكنّها أشد إخلاصًا ووفاءً، هبْ يا صديقي أننا جلسنا أمام شخصٍ أنيقٍ لأول مرَّة في القطار، لا تعرفه لا أنتَ ولا أنا، ولم يتكلّم خلال الرحلة، فحتمٌا سنظل في جهل مِن كنهه، وإن قضى معنا جميع المحطّات، فكذلك الكتاب، يُعجبنا غلافه وتؤثر فينا الدعايات والتراويج لنَهم باقتنائه متلهفين، لكن الشيء الوحيد الذي يجعلنا نحكم عليه هو التصفح والقراءة العقلية، فالكتاب هنا يخاطبنا، ونحن نتفاعل بما احتواه، ولعلّ مثل هذا ما جعل سقراط يقول للرجل الوسيم المنظر، الأنيق الهندام، لمَّا كان يتبختر متباهيًا بلباسه "تكلٌم حتى أراك".

إذًا أخبرك أنَّه ليس لدي كتابٌ مُفضّل على كتاب الله، لكن الكتب كلها لها قيمتها ونكهتها الخاصة في حياتي، فهي تضيف لي ولو بصيصًا مِن المعرفة عند أي قراءة كيفما كانت، ومِن المجحف أن أقول إنه لم يحدث أي تغيير داخلي عند قراءة أي كتاب، وهذا البصيص مِن المعرفة لم يكن ليحدث لولا سماحة الكتاب، تُخزَّن تلك البصائص في العقل اللاواعي، ومع اكتساب خبرات الحياة، أستطيع أن استدعي تلك المعارف في اللحظة المناسبة، حينما أحتاجها ومِن دون عناء.

قلتُ أنَّ كتابي المفضَّل هو القرآن الكريم؛ لأني قرأت فيه آية تقول "واتقوا الله ويعلِّمكم الله"، مِن هنالك وعيتُ أنَّ الإنسان الذي يقرأ ويتدبر الآيات، تسهل عليه عملية التلقي، وتنفتح له شتَّى آفاق العلوم، بنسبة أعلى وفارق كبير عن الإنسان الذي لا يتدبر أو لا يقرأ بالمطلق.

قرأتُ مِن الرويات ثلاثية نجيب محفوظ "بين القصرين"، "السكَّرية"، "قصر الشوق" وقرأتُ لمحمد شكري "الخبز الحافي" وقرأتُ للطيب صالح "موسم الهجرة إلى الشمال"، و"عرس الزين" ومجموعات قصصية لا يتَّسع المقام لذكرها عنوانًا عنوانًا.

عندما تتركني في صالة الاستقبال وتذهب لتأتيني بالقهوة فإني أستطيع أن أمدَّ يدي للكتاب الذي فوق طاولتك دون إذنك وأعلم أنك منبسط من فعلي.

  • ما هو الكتاب أو الكتب الأكثر تأثيرًا في حياتك؟

القراءة أذواق، كالمسكن والمركب والملبس والمأكل والعطر، فما يُعجبني قد لا يُعجبك، والعكس صحيح، وقد نتَّفق في بعض الأحايين على ذوقٍ معين أو أكثر، هذا إذا كان الفن راقيًا يستوجب التبجيل ولا يختلف عليه اثنان.

إنَّ عملية التأثر بالقراءة عملية معقَّدة، تتنامى مع الذات القارئة يوم بعد يوم، لذا أقول لك أنه لم يؤثر على ذائقتي القرائية كتاب بعينه، لأني حينذاك كنتُ أتصفّح كل ما هو ورق مكتوب، حتى الجرائد خُفية، وإذا عُدنا إلى تعريف الكتاب، فهو مجموعة مِن الصحف متماسكة تقيّد أقوالًا قابلة للقراءة، وهذا التعريف من اجتهادي لأن تعريف الكتاب أوسع بكثير.

شرهي بالقراءة جعلني أفرّق بين أساليب الكتابة، مِن حيث الرشاقة والركاكة، وأكتشف المعاني في الكلمات، مِن خلال السياق، وإذا عجزتُ ألجأ إلى القاموس، وهنا يحضرني قول الجاحظ "إنَّ المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخيّر اللفظ"، لكن كتب محمد الغزالي لم تمُر سلامًا علي.. قوَّة العبارة وانتقاء المفردات وطول النفس ميزة في مقالاته، كنتُ أرى العجب في كتاباته، ولا زلتُ، ولم أكن لأضع الكتاب إلٌا إذا زارني النوم وسقط من يدي..

وأذكر كتاب "كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس" لديل كارنيجي، أذكر أني كنتُ أقرأه في اليوم مرتين، وفي العَشية أخرج لأطبِّق تعاليمه وقواعده في الحياة؛ لأتحقق مِن النتائج، هذا الكتاب كان دخيلًا، أعرته مِن صديق جارنا في شارع المعلمين، كان حرًا فيما يقرأ، ولم أرجعه له إلّا بعد أن تشاجرنا وجاء للبيت شاكيًا.

وفي مرحلة التعليم المتوسط، صرتُ أهتم بكتب الفلسفة والأدب، لأصل إلى عمق الأفكار، فأحلِّل الظواهر بنظرتي الخاصة، وأتأمل الأشياء والإنسان، سعيتُ ولا زلتُ إلى الإيجابية بأقصى جهد ممكن، أقدِّر أهل العلم ومنتجي الثقافة البناءة وأحبهم.

لم يُسعفن الحظ لنيل شهادة البكالوريا دورة 1995 فهجرتُ مقاعد الدراسة مِن الوهلة الأولى، بالرغم مِن أن معدَّلي لم يكن بعيدٌا سوى جزيئات قليلة بعد الفاصلة، تمردتُ على العائلة ولم أعد السنة، وفضّلتُ أن ألج عالم الشغل، تربصتُ بمؤسسة الضمان الاجتماعي التي وُظِّفتُ فيها بعدئذ في مجال المحاسبة والتسيير حولين كاملين.

انقطعت علاقتي بالكتب حتى ركبتُ للخدمة الوطنية، وهنالك توفَّرت الكتب مرّة أخرى في جامعة وهران، إذ كنتُ أتردد على بعض الأصدقاء وأستغل الفراغ، فاستوحشتني الكتب واستوحشتها، فقرأتُ كمًا لا بأس به مِن "آثار العلامة ابن باديس" وكتاب "من الخالدين" لمحمد الصالح الصديق، وبعض مقالات البشير الإبراهيمي مِن كتاب "عيون البصائر"، وللأدباء المصريين قرأتُ كتاب "الأيام" و"المعذبون في الأرض" لطه حسين، وللمنفلوطي"العبرات" و"النظرات".

الاحتكاك بالكتب يولد الشغف ومِن ثمَّ يقع التأثير فتتغير النظرة للحياة.

  • هل تكتب ملاحظات أو ملخصات لما تقرأه عادة؟

جميل أن يضع المرء حين قراءته لكتاب خط تحت العبارات أو الفقرات التي تشدّه، كأن يستعمل قلم الرصاص مثلًا لتنوير ما أعجبه، فيثبّت قارئًا مِن بعده على تلك العبارات فيشاركه فائدتها.. إن كتابة الملاحظات هي إعمال للفكر البشري التائق إلى الإنتاج، وهي لبِنات مبعثرة صالحة لبناء نصٍ في أي لحظة قابل للتداول والدراسات، والكتابة تمارين لعضلة اليد قبل عضلة الفكر.

عندما أنهي كتابًا أو فصلًا مِن كتاب، يبقى صدى العبارات يتردد في ذهني كطنين أذن في سكون الليل، فتصبح العبارة الواحدة نصًا غير منتهي التأويلات، وهذه هي عملية بداية الإنتاج كما أسلفت، فأصغي له حتى يهدأ من الثوران، وتخمد الكلمات إلى حين لجلجتها مرَّة أخرى، كالمادة الخام الصالحة لصناعات مختلفة، أمّا أني أكتبُ ملاحظات أو ملخصات فنادرًا ما يحدث، إلّا إذا تعلَّق الأمر ببحوث الجامعة، التي جلستُ على مقاعدها لأول مرَّة في عمر الأربعين.

  • هل تغيرت علاقتك مع الكتب بعد دخول الكتاب الإلكتروني؟

الحياة العصرية بحاجة إلى مسايرة التكنولوجيا في جميع ميادينها التي تخدم الإنسان وتسهِّل له العيش في رغد وراحة، وعلى المتجول في حقل الثقافة أن يجدَ لنفسه مكانًا وسط النسيج، يستطيع من خلاله أن يتثاقف ويتبادل المعارف.

بالرغم مِن هذا التطور، إلَّا أن علاقتي بالكتاب الورقي لم تتغير ولا زلتُ أفضِّله؛ لأني أعطيه كلّي فيُعطيني بعضه، ثمَّ إن البقاء أمام شاشة الحاسوب لوقت طويل، بجعل المرء يتنقل مِن واد القراءة إلى أودية أخرى لا قِبل له بها، فيضيع وقته ويهدر ويتيه عن القطف المقصود، ولخشخشة الورق ورائحته وملمسه طقس لا يعرفه إلّا الراسخون الذين عاشروه أعوامًا، ألا ترى أن الجوارح المستعملة لحظة القراءة في الكتاب الورقي أكثر منها استعمالًا أثناء قراءة الكتاب الإلكتروني؟! هذا الكلام لا ينهانا عن قراءة الكتاب الإلكتروني إذا ما وجدنا عنه بديلٌا، فصاحب الحاجة أعمى، والغاية تبرر الوسيلة، والحكمة ضالة المؤمن، ويبقى الكتاب كتاب.

  • حدثنا عن مكتبتك

الحق أنّ مكتبتي صغيرة، لا يتعدى مُجمل كتبها المائة كتاب، فيها موسوعة الروايات العالمية، البوليسية والعاطفية والواقعية لأغاتا كريستي وأونريه دي بلذاك، وإيميل زولا وبعض روايات أيمن العتوم كذائقة الموت ويسمعون حسيسها، وفيها مجلدات رياض الصالحين التي خطفتها لوالدي، وكتب المحاسبة القديمة والجديدة، وأخرى في القانون والنقد الأدبي. قررتُ ألا أتوانى بعد الجائحة على أن أجعل ميزانية خاصة للكتب عند فتح أي معرض، فلولا الكتاب لمِتُّ كدرًا.

  • ما الكتاب الذي تقرأه في الوقت الحالي؟

أقرأ الآن كتاب "للرجال فقط" لأدهم الشرقاوي، وكتاب "الشاعر" لمصطفى لطفي المنفلوطي اشتريتهما من معرِض الكتاب الفائت وحان الآن توريقهما، الكاتبان لهما أسلوب سلس إلى حدٍّ ما، وكأنهما فولة وانقسمت، ولكسر الملل تراني أقرأ من كل كتاب صفحات ثمَّ أقفز للآخر، القراءة تتطلب الصبر.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة بشرى المقطري

مكتبة زينب عساف