مكتبة طارق العربي

مكتبة طارق العربي

الشاعر طارق العربي

يخصّص "ألترا صوت" هذه المساحة الأسبوعيّة، كلَّ إثنين، للعلاقة الشخصية مع الكتب والقراءة، لكونها تمضي بصاحبها إلى تشكيل تاريخٍ سريّ وسيرة رديفة، توازي في تأثيرها تجارب الحياة أو تتفوّق عليها. كتّاب وصحافيون وفنّانون يتناوبون في الحديث عن عالمٍ شديد الحميميّة، أبجديتُهُ الورق، ولغته الخيال.


طارق العربي هو شاعر وصحافي من فلسطين. ولد عام 1984. صدرت له مجموعة شعرية بعنوان "الرابعة فجرًا في السوق"، الحاصلة على "جائزة الكاتب الشاب" 2012، التي تقدمها مؤسسة القطان. يكتب في عدد من الصحف والمواقع الفلسطينية والعربية. يقيم في الضفة الغربية، مدينة نابلس.


  • ما الذي جاء بك إلى عالم الكتب؟

من والدي الذي كان دائم الحديث عن الكتب التي قرأها في شبابه. مع أني منذ وعيت لم أره يقرأ غير الجريدة.  كأن هذه العلاقة التي ربطته في الكتب صغيرًا انقطعت بزواجه من أمي ومجيئنا إلى الحياة، هذا ما بات عليه الأمر.

الآن أمارس القراءة لأحدثه عن الكتب التي تعجبني وأعرف أنها قد تعجبه. مرات قليلة أنجح في ذلك، أنجح في اقتناص لحظة وسط العمل وضغطه في الحديث معه عن الكتب وكُتّابها. ينصت لي مرات، وفي أحيان أخرى كثيرة لا يفعل، لكن هذا يحقق لي نوعًا من الشعور بالسعادة والرضا.

في كثير من الأوقات التي تمر وأنا في الغرفة، أنتظره ليدخل عليّ محملًا بكتبه وأوراقه التي نسيها هنا وهناك، لأعيد نسخها.

نحن جيل ورث مجموعة من الهزائم الكبرى، لذلك الارتباط العاطفي بالأب والأم والعائلة كبير جدًا وهذا الارتباط لا يخلو من أعباء و توتر وقلق دائم من طرفي العلاقة. بإمكانك القول إن علاقاتي بالكتب والقراءة كانت في مراحلها المبكرة بوعي أو دونه حلًّا لهذا القلق. الكتب وعوالمها تمنحك الشعور بالسكينة.

غير ذلك، علي أن أذكر كتب العمات، أنا مدين لهذه الكتب. المكتبة الروسية القديمة كلها كانت في البيت بحكم انتماء عمّاتي إلى اليسار الفلسطيني في السبعينيات، أيامها كانت الثقافة التنظيمية وتربيتها تقتضي قراءة منجزات الأدب الروسي.

  • ما هو الكتاب، أو الكتب، الأكثر تأثيرًا في حياتك؟

هناك كتب قلبت حياتي، مثلًا بعد قراءة "زوربا" و"الحرية أو الموت" لنيكوس كازانتزاكيس، أحببت وتزوجت. سوف تتضاعف الكتب التي تؤثر بك أثناء المشي. هناك دائمًا كتب تجعلك تتأكد من الأسباب التي أخذتها أثناء اختيارك للكتاب من المكتبة، هذا هو الجواب. لكن الكتب جعلتني غريبًا، جعلتني أشعر بالوحشة بصورة أكبر، بوحشة لا يمكن ردمها لأنه من الصعب جدًا تقديم تبريرات دائمة، لماذا تقرأ ولماذا تكتب في مدينة ينبغي لها أن تكون أكثر ثقافة وقراءة واطلاعًا؟

المدينة ومجتمعها جزء مهم في تكوين هذا الشعور، شعور الوحشة. لذلك أتحدث عن أثر القراءة عليّ لا عن الكتاب الأكثر تأثيرًا. ربما يكون "الضوء الأزرق" لحسين البرغوثي، لكن هذه ليست إجابة دقيقة، ففي المجتمعات الفقيرة معرفيًا وثقافيًا، كل كتاب له أثر مهما كانت درجة الجمال والعمق فيه.

نحن فقراء معرفيًا بالمقارنة مع معرفة من هم قبلنا. فقر المعرفة هذا لا يعني عدم توافرها، هي موجودة وبوفرة مثل ثروات النفط وغيرها، لكن لا نعرف كيف نستخدمها.  

مرة في محاضرة تذوق النص الأدبي في "جامعة النجاح الوطنية"، قبل سنوات طويلة، سأل المحاضر إن كان أحدٌ في الصف يعرف محمود درويش، لم يعرفه أحد. لم يعرف محمود درويش أحد. أتذكر الحادثة رغم مرور سنوات عليها وموت الشاعر وأقول مرات إنه ربما الخجل الذي دفع الطلاب للصمت وعدم الإجابة عن السؤال، لكن لو كانت هناك عادة القراءة عند مجموعة صغيرة من الطلبة، لاختلفت الحادثة بالتأكيد.

القراءة جعلتني غريبًا، لكنها غربة لذيذة. 

  • من هو كاتبك المفضل، ولماذا أصبح كذلك؟

لا يوجد كاتب مفضل وآخر غير مفضل، هناك عمل مهم وآخر غير مهم. عمل مفضل وآخر يطويه النسيان. أحب منجز حسين البرغوثي كله، وأعمال غالب هلسا، وحتى اللحظة لم يحتل أحد مكانة حسين وإلياس خوري. سردهما، بدايتنا الأولى ودفعتنا الكبيرة نحو التلال. هناك شيء خاص وحميم في الثلاثة، شيء يجعلك تشعر بحيوية تجربتهما، وخطورة أثرهما على الأرض وأجيالها. خذ مثلًا قرية باب الشمس التي أسسها الشباب في فلسطين لمواجه الاستيطان. أو قراءة غالب هلسا للواقع المخابراتي الذي تعيشه المجتمعات العربية في روايته "الروائيون"، قبل ثلاثين سنة. أو سيرة حسين البرغوثي، تجربته وأسئلته في هذا السياق، تشعر وأنت تقرأ الثلاثة على اختلاف عوالهما بالطبع، أنك جزء صغير من سرد شاسع وضيق في آن وقد أخذت الدرس مبكرًا وتفتح وعيك على ذاتك، وعلى الأسئلة الكبيرة والصغيرة، بفضلهما. 

بطبيعة الحال، إجابة هذا السؤال واسعة. أنت جزء من ملايين غيرك ولا تستطيع مثلًا نكران أثر أدب أمريكا اللاتينية والحرية المكبوتة التي جاءت به، أو السحر الذي خبأه لنا ماركيز لسنوات قادمة وقادمة. ليس بمقدورك تجاوز تركة الأسى التي تركها لنا مكسيم غوركي في روايته "الأم" أو وحشة بطل رواية "بطل من هذا الزمان" لميخائيل لريمنتوف وغيرها من الادب الروسي.

كل هؤلاء وغيرهم، هنري ميلر مثلًا، وكونديرا وجوزيه ساراماغو ونيكوس كازانتزاكيس كانوا مكونات أساسية وجوهرية لذواتنا قبل أن نتحدث عن الكتابة وما نكتب.  

لكن رغم الإجابة الطويلة والتي احتوت في معظمها أسماء رواة، ما زلت أنحاز إلى الشعر، أحب بسام حجار وعزلته، وأريد علاقة حسين بن حمزة مع الشعر والكتابة. قصائد غسان زقطان أمامي دائمًا على الطاولة، ويسحرني تواتر واندفاع زكريا محمد. نبدأ مقلدين في كتابة الشعر ثم نذهب إلى نواحينا ونعتمد طريقتنا وطرقنا. الأن أقتل جميع الأصوات فيّ بسواطير أصدقائي، آمنة أبو صفط وأنس أبو رحمة ومايا أبو الحيات وعلي أبو عجمية وآخرين.

  • هل تكتب ملاحظات أو ملخصات لما تقرأه عادة؟

لا أفعل ذلك. المعاني تأتي لاحقًا، هناك كتب تقرأها، ثم تنساها ثم تعود للقفز إلى ذاكرتك من جديد. هذا ما يحدث دائما مع الكتب الجيدة، تكتب ملخصاتها لوحدها دون حاجة لتدوين. لكن مرات مثل الجميع أضع خطًا تحت جملة أحببتها. لاحقًا تكون هذه الجمل مفاتيح للكلام والغزل أو الاقتباس والكتابة. 

  • هل تغيّرت علاقاتك مع الكتب بعد دخول الكتاب الإلكتروني؟

لم أحبَّ الكتاب الإلكتروني، يتعب العيون ولم أعتد عليه. أتعامل معه لما أكون مضطرًا لذلك. كتب بسام حجار مثلًا ومجموعاته ليست متوافرة هنا ولا يمكن الذهاب إلى بيروت لإحضارها، لذلك الكتاب الإلكتروني قد يكون حلًا متوافرًا وسهلًا. لكن الكتب تبقى الكتب التي نعرفها، أنت لا تستطيع قراءة عمل ضخم إلكترونيًا، هذا متعب. وبالمقارنة بين الكتاب العادي والإلكتروني الكتاب الالكتروني، عذاب.

  • حدثنا عن مكتبتك؟

في طور التأسيس. أنا فوضوي، قليل التركيز وكسول. حاولت بناء مكتبتي الخاصة أثناء الجامعة، لكن بعثرها الأصدقاء. لاحقًا بعد الجامعة صارت كتبي موزعة بين البيت والسوق، أترك الكتاب في المكان الذي أنهيه فيه، وبسبب هذا أضعت الكثير من الكتب. الآن اختلف الأمر قليلًا، باتت لدي مكتبة صغير في البيت، أنقل إليها الكتب كلما أتيح لي ذلك. غير هذا، لا أضع كتابًا لا أحبه في مجموعتي.

  • ما الكتاب الذي تقرأه في الوقت الحالي؟

مؤخرًا قرأت مجموعتين شعرية لقيس مصطفى ووليد الشيخ، ورواية لخالد حسيني وكتابا آخر حول الحقبة العثمانية وحكمها لبلاد الشام. إضافة إلى أيام العمل اليومية المعتادة، أعمل على مخطوطة مجموعتي الشعرية الثانية بين الحين والآخر وهذا عمل شاق، يشبه العمل في كروم العنب وبساتين الدراق.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة فارس كامل

مكتبة لونيس بن علي