مكتبة خالد بن صالح

مكتبة خالد بن صالح

الشاعر خالد بن صالح

ألترا صوت – فريق التحرير

يخصّص "ألترا صوت" هذه المساحة الأسبوعيّة، كلَّ إثنين، للعلاقة الشخصية مع الكتب والقراءة، لكونها تمضي بصاحبها إلى تشكيل تاريخٍ سريّ وسيرة رديفة، توازي في تأثيرها تجارب الحياة أو تتفوّق عليها. كتّاب وصحافيون وفنّانون يتناوبون في الحديث عن عالمٍ شديد الحميميّة، أبجديتُهُ الورق، ولغته الخيال.


خالد بن صالح شاعر وصحفي من الجزائر، مواليد عام 1979. إلى جانب عمله كصحفي في الإذاعة، يشغل مدير النشر والتحرير في منشورات المتوسط بإيطاليا، صدرت له أربع مجموعات شعرية، هي: "سعال ملائكة متعبين" 2010، "مائة وعشرون مترًا عن البيت" 2012، "الرقص بأطراف مستعارة" 2016، "يومياتُ رجلٍ أفريقيّ يرتدي قميصًا مُزهرًا ويُدخِّن L&M في زمن الثورة" 2019. ينشر مقالاته ونصوصه الأدبية في عدة صحف ومواقع ومجلات. شارك في العديد من المهرجانات الدولية الشعرية والسينمائية في أوروبا ودول العالم العربي، وترجمت نصوصه إلى عدة لغات، منها الإيطالية والإنجليزية والفرنسية.


  • ما الذي جاء بك إلى عالم الكُتب؟

السؤال مُعقَّد وله مداخل وإحالات كثيرة  لكن عليَّ القول، بدايةً، أنَّ ذلك أتى من الرَّسم. كنتُ قد اكتشفتُ ولعي بالرسم باكرًا جدًّا، وتمسّكتُ بتلك الموهبة التي منحتني تميُّزًا أمام زملائي، إضافةً إلى تفوُّقي الدِّراسي طيلةَ مرحلة الابتدائي، وكان ذلك التلميذ نحيلُ الجسدِ كثيرًا ما يحمل لوحةَ الطَّباشير، التي عادة ما يكون في وجهها المُخطَّط حَلًّا لمسألة حسابية، وفي وجهها الآخر رسمًا ما. لأبطال الأفلام الكرتونية، من جومارو دمية سانشيرو، إلى رعد العملاق والنّمر المقنّع. من لاعبي كرة القدم، وأبطال مجلات الكوميكس، إلى صور العائلة.

لكن أوّل كتاب سُحرتُ به في ذلك الوقت دون أن أقرأه كامِلًا، وفي الأمر مفارقة عجيبة، كان قاموس "لاروس" الفرنسي، كتابٌ ضخم بغلاف أزرق، عليه حرف "L" ملتوٍ وذهبيّ. كان كنزي الأول وبحري الذي أغرق فيه بالسّاعات. أعيدُ رسمَ التخطيطات، وأتأمَّل اللوحات الفنية لكبار الرسامين، دون أن أُمحِّص في الأسماء أو الأعمال. كنتُ فتى مسحورًا بعالم الرّسم والألوان والأجساد العارية. بدأ ذلك الوحشُ الصغير بداخلي ينمو ولم أعد أترك شيئًا إلا وأعيد رسمه. حتّى أنني في مجموعتي الشعرية الثانية "مائة وعشرون مترًا عن البيت" اخترتُ لوحة "الموديل الأحمر 3" لـ رينيه ماغريت كغلاف، من وحي تلك المرحلة وتعلّقي باللوحة التي اكتشفتها في القاموس.

لم يكنْ في البيت العائلي الكبير الذي وُلدتُ فيه مكتبة. كان هناك فقط قاموس لاروس، وكتاب آخر، أو ربّما نشرية خضراء صغيرة، سأعودُ للحديث عنها لاحقًا. وهذا ما يجعلُني أتتبّع خيط البدايات المتشابك، مستحضرًا قصّتين أو ثلاث، جعلتني كلّ واحدةٍ أدخل إلى عالم القراءة والشغف بالكتاب، ولا يمكن الفصل بينها في ذاكرتي العصيّة الآن على استحضار التفاصيل. لكنّني سأبدأ بغصّة صغيرةٍ تعلّقت بقصّة "مارك توين" المُدرجة في كتاب "القراءة والنصوص" للسنة التاسعة من الصف الأساسي حسب نظام التعليم الجزائري بداية التسعينيات. القصة هي "رهان أصحاب الملايير" بترجمة عبد الحميد بن هدوقة، والتي وجدتها لاحقًا في كتابه "قصص من الأدب العالمي" والصادر عن المؤسسة الوطنية للكتاب. الغصّة جاءت بعد تلك الدهشة التي خرجتُ بها بعد قراءتي للقصّة، بضع صفحاتٍ غمرتني فرحًا لا يُضاهيه سوى الفرح بإنجاز رسمٍ جيّد أتلقى من ورائه الثناء. أردتُ نقل تلك الفرحة إلى زملائي في الصف وقت الاستراحة، وقلتُ لهم سأقرأ لكم شيئًا يُعجبكم، وبعد سطرين أو ثلاثة انفجروا ضاحكين، ولم يبالوا بما أقرأ أو حتى حاولوا ذلك. غضبت ودمعت عيناي جرّاء الموقف المُحرج الذي حوّلني فيه مارك توين إلى مهرّج يسخر منه زملاؤه! بداخلي كان هناك شيءٌ ما يقول لي "لستَ على خطأ". عدتُ ورويتُ لعمي الأصغر ما حدثَ بحرقة. قامَ إلى غرفته وما هي إلا لحظات حتى عادَ بمجموعة من روايات أجاثا كريستي البوليسية، وكانت تلك المجموعة أوّل الكتب التي أمتلكها شخصيًّا، ليُهديني لاحقًا ثلاثية نجيب محفوظ وكان العالمُ الذي سأدخله دون رجعة.

القصّة الثانية، أعود فيها إلى تلك النَّشرية الخضراء الصغيرة، بعنوان "الفلسفة الماركسية – اللينينية، نظرية الثورة" لـ فاسيلي بودوستنيك، والتي قرأتها بعد تمكّني من اللغة الفرنسية، دون أن أفهم فيها كثيرًا. لكن ما أثار انتباهي أنّها كانت من أشياء عمٍّ آخر لي تُوفيّ صغيرًا وكان يقالُ إنّه كان شيوعيًّا، في مقابل النّفي العائلي لتلك الصفة المشبوهة دينيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا في السبعينيات. في الغلاف الخارجي في الزاوية كُتبَ بالحرف اللّاتيني اسم "بوداود فضيلي"، في حين في الصفحة الأولى لمعلومات الكتاب، هناك ختم أحمر: "بن صالح، الديس، أولاد سيدي إبراهيم، بوسعادة". سحرني المنظر وتخيّلت اسمي مكتوبًا يومًا ما على صفحة كتاب.

بحثتُ عن الرّفيق بوداود فضيلي، ولم يكن بعيدًا، فقد كان الأخ الأكبر لصديقي الموسيقي عبد الحليم، الذي كنت أنشط معه في جمعية "آفاق" الثقافية زمن العشرية السوداء كرسامٍ وقارئ وجدَ أمامه في زيارة إلى بيت صديقهِ مكتبةً هائلةً، بكتبٍ مقلوبةٍ، حيثُ لا تَرى سوى سمك الأوراق ولونها الذي يختلف من كتابٍ إلى آخر، ومن مجلّد إلى آخر، والغريب أن صاحبنا، صاحب عمّي، وأخ صديقي، ورفيقي لاحقًا كان يعرف أيّ مؤلَّفٍ هذا، وكعبُ الكتاب باتجاه الحائط. قرأتُ كتبًا كثيرة في تلك المرحلة قبل اجتياز مرحلة الثانوية وبعد انتقالي إلى الجامعة، "تراثنا كيف نقرأه" للشهيد حسين مروة، "دراسات في الفلسفة الوجودية" لعبد الرحمن بدوي، "الحريق" لمحمد ديب، "رصيف الأزهار لم يعد يجيب" لمالك حدّاد، "رجال في الشمس" و"أرض البرتقال الحزين" لغسّان كنفاني، الأعمال الشعرية لمحمد الفيتوري، صلاح عبد الصبور، وبدر شاكر السياب، وغيرهم كثير، ولم يكن حلمي في تلك السنوات بعد اختياري لدراسة علم الاجتماع في الجامعة سوى أن تصبح لي مكتبة خاصة كبيرة، مليئة بكتب الفكر والتراث والأدب.

القصة الثالثة، وهي مشاهد متفرّقة، كيف كنت أخبئ كتابًا تحت ثيابي وفي سلّة الخضار، قبل أن أحضره إلى البيت، في أجواء مشحونة ومتطرّفة، حتّى الأقارب، كانوا ينتقدون قراءاتي وتوجّهي الفكري والحياتي. من الأشياء العالقة في ذهني كذلك، فوزي في إحدى المرات بالجائزة الأولى لمعرض تشكيلي بمدينة المسيلة، إضافة إلى أواني المطبخ! كانت الجائزة كتاب عن التشكيلي الجزائري محمد خدّة، سيرته وأعماله، وكنت إلى ذلك الوقت أملك عددًا جيّدًا من كتب المدارس الفنية، وسير وأعمال الفنانين التشكيليين مثل فان غوغ، كاندينسكي، بيكاسو، وتولوز لوتريك الذي أحبُّ أعماله بشكل خاص، اقتنيتُ أغلبها من مكتبة "سعدان" في بوسعادة، ومكتبات العاصمة. أو جاءتني كهدايا من أقاربي في فرنسا. كتاب خدّة كان هدية من أخ المخرج العالمي محمد لخضر حمينة، وهو الصديق السيناريست والناشط الثقافي فريد لخضر حمينة، ومعه كرتونتَيْ كتبٍ إلى دار الشباب بالديس، مع ملاحظة غير معلنة بأنْ خُذْ ما يعجبك، وكانت روايات أمين معلوف، وغيرها من الكتب التي بعد أن رُتِّبت في مكتبةِ المؤسسة، وبدأتْ تتراكم فوقها طبقاتُ الغبار، أنقذتُها من التلف ووضعتُها في المكان الذي يليق بها!

مشهدٌ آخر، يعود بي إلى السنة الثانية من الدراسة الجامعية، وأنا في العشرين من عمري، حيثُ وفي إطار تعديلات في البناء، نقلنا للدراسة في معهد مستقل، نحن طلبة علم الاجتماع، مع طلبة الأدب. وكانت تلك المكتبة المشتركة ملاذي الأجمل، أقضي فيها ساعاتٍ وأخرج منها بكتبٍ أقضي معها ساعاتٍ أخرى وهكذا، إلى درجةِ أنّني صنعتُ مِحرابًا صغيرًا كما كان يُسمّيه شركاء غرفة السكن في الإقامة الجامعية، حتى لا يزعجهم ضوء الأباجورة في الليل وأنا أقرأ. الأعداد الكاملة لمجلّة شعر، كانت بالنسبةِ لي مثل صفعةٍ تخرج بها من عالمٍ إلى عالمٍ آخر. والكثير من أعمال دوستويفسكي، تشيخوف، كامو، ماركيز، الطاهر وطار، رشيد بوجدرة، الطيب صالح، حنا مينه، إلياس خوري، والقائمة تطول إذا ما أضفتُ لها كتبَ الدراسة ودهشة المعرفة المتخصصة مع ابن خلدون، وأوغست كونت، وإميل دوركايم، وماكس فيبر، وفلفريدو باريتو، عالم الاقتصاد والاجتماع الإيطالي الذي أصبحتُ أُلقَّب باسمه "باريتو" لأنني أنجزتُ عنه بحثًا نلت به علامة جيّدة. كذلك مشهد صديق لي وهو يهديني رواية "ذاكرة الجسد" لـ أحلام مستغانمي، في تلك الفترة، بطبعتها الجزائرية المشوّهة، وأقضي معها يومان وليلة، قبل أن أطوي صفحتها الأخيرة وأنا لا أعرف أي خالدٍ أنا؟

كنتُ أرسمُ، وأبيع سكاتشاتي ولوحاتي لأقتني كتبًا جديدة، وبعودة المعرض الدولي للكتاب في الجزائر، وحصولي على وظيفة، صار ذلك موسمًا للحجّ، أشتري منه كُتبًا لي وأستمتع كذلك بالاقتناء للأصدقاء، ربّما لأرضي شعوري القديم، الناجم عن تلك الغصّة المتعلقة بقصة مارك توين، بأن هناك من يشاركني هذا الشغف أو الهوس الجميل. وبعد انضمامي إلى دار المتوسّط، أصبحت الفرصة متاحة للغرق أكثر في هذا البحر الذي بدأ بصريًّا بلون قاموسٍ أزرق.

لاحقًا، بعد رحيل صديقي التشكيلي صالح بن شنقارة، والذي أسّستُ معه وأصدقاء آخرين "مرسم الحرية"، وقد أهداني عددًا من الكتب باللغة الفرنسية، لي معها علاقة حميمة جدًّا، منها: لمن تقرع الأجراس لـ همينغوي، "شمس الله تسطع على الغرب" لـ سيغريد هونكه. ولا أنكر أنّ الكتب التي تهدى إليَّ، لها وقع خاص، يجعل ارتباطي بها عاطفيًّا أكثر، خاصّة إذا كانت بالإهداء، منها "كتاب الأمير، مسالك أبواب الحديد" لـ واسيني الأعرج، رواية "القلعة" لـ كافكا، و"طريق الكفاح في فلسطين والشرق العربي، مذكرات القائد الشيوعي محمود الأطرش المغربي، 1903 – 1939". والذي عرفتُ لاحقًا أن أصوله من "قرية بيت الديس – أولاد سيدي إبراهيم الغول – بالقرب من مدينة بوسعادة في الجزائر" أو كما جاء في الكتاب.

وحتى وقتٍ متأخر لم أفكّر في أنني سأتخلى عن الرسم وأتوجه، بتطرُّف، للكتابة. كانت الورطة جميلة ومتعدِّدة الأسباب، لكنّي أحتفظ بسببٍ واحدٍ، وهو السحر الذي تركه ذلك الخَتم، كلُّ ما تمكنتُ من قراءته، وأنا في سنِّ السادسة، من مُلخص بودوستنيك؛ لأن فيه اسم عائلتي مرسومًا بحروف عربية.

كانت تلك ملامحُ تشكّل مكتبتي الخاصّة.

  • ما هو الكتاب، أو الكتب، الأكثر تأثيرًا في حياتك؟

يصعب جدًّا الإجابة على هذا السؤال، لأن الحصر هنا يُحيلني على الاكتفاء، وأنا على عكس ذلك تمامًا. أبحث دائمًا عمَّا يُخلخل قناعاتي الأدبية، بعد دخولي إلى عالم الكتابة، والمفارقة أن الكتب النثرية كانت الأكثر تأثيرًا من كتب الشعر، بدءًا من كتاب "النظرية النسبية" لـ أينشتاين، وصولًا إلى رواية "الشيخ والبحر" لـ همنغواي، مرورًا بـ"رسالة الغفران" لـلمعري، وأنا هنا أستعيد قراءات فكرية للتراث الديني خصوصًا وأني مهووس باللحظة الأولى، مثل "نقد الخطاب الديني" لـ نصر حامد أبو زيد، وكتب أخرى مترجمة ومنها استثناءً كتب الباحثين والمُفكّرين الألمان.

في هذا السياق، كُتب أخرى غير معروفة تظل حاضرة في ذاكرتي، ولا أدري لها سببًا موضوعيًّا، مثل رواية "أغمات" للكاتب المغربي يوسف فاضل، والتي قرأتها أيام الجامعة بطبعة منشورات الفنك 1990، وبقيت في بالي بأجوائها السيكولوجية لمدينةٍ تقترف الحب والجريمة في وضح النهار؛ حتى اقتنيتها مؤخرًّا بعد أن عثرتُ عليها بالصدفة في المغرب، في مكتبة للكتب المستعملة. أمارس نوعًا من النوستالجيا أحيانًا بإعادة شراء كتبٍ اقتنيتُها وقرأتها في طبعاتٍ قديمة، لا سيما عندما يعجبني الغلاف، وتلك حكايةٌ أخرى.

التأثر إن كان لي الإجابة على هذا السؤال مجدَّدًا، مرتبط كما ذكرتُ في البداية، بمراحل العمر وتطورها واختلافها بعد تراكم تجربة الحياة والكتابة، إذ لا يفصل بينهما حدّ، وإذا كانَ لسنوات التسعينيات أثرها الجليّ في حياتي، فقد أعودُ إلى رواية "بوح الرجل القادم من الظلام" للروائي إبراهيم سعدي، التي تعتبر شهادة أدبية عن زمن الإرهاب، وأعود لأقول إننا لم نكتب ذاكرتنا بعد، فالأعمال التي تُقارب هذه الفترة أدبيًّا، كما سنوات ثورة التحرير، لا تزالُ قليلة، وقليلُ الذي كُتب منها يستحق التوقف عنده.

  • من هو كاتبك المفضل، ولماذا أصبح كذلك؟

ليس هناك كاتبٌ بذاته، أو حتى في اختيار اسمِ كاتبٍ ما، سيكون هناك مفاضلة بين كتابه هذا وكتابه ذاك. الأمر متغيّر وغير حاسم، وهذه حتمية تفرضها الكتابة، عكس القراءة البحتة التي يُمارسها شخصٌ لا علاقة له بالتأليف. يمتدُّ ذلك على مدى سنواتٍ ومراحل تحدث فيها هزّات وخيبات، كما التعلّق والاستحواذ، فأنا عندما أقرأ شيئًا ينالُ مني، أمضي معه إلى الآخر، ولا أكتفي بما كتَب الكاتب، لأبحث عن سيرته وما كَتَبَ أو كُتب عنه من مقالات، والأفلام الوثائقية عن حياته إن وجدت، وصوره وغيرها من متعلّقات حياته الإبداعية. لعلّه الحس الصحفي ما يدفعني إلى ذلك، أو ربّما هو هوسٌ لا أتجاوزه إلا باكتشاف كاتبٍ آخر وهكذا.

شعريًّا أعود كثيرًا إلى قراءة طرفة بن العبد، بسّام حجار، وتشارلز سيميك لاسيما مذكراته "المسخ يعشق متاهته" و"ذبابة في الحساء". ربّما لأن الحرب بكل أشكالها، تجعل منّا أصدقاء على نحو ما.

  • هل تكتب ملاحظات أو ملخصات لما تقرأه عادة؟

الكتابُ عندي يجبُ أن يبقى نظيفًا، نقيًّا وخالٍ من أيّ خربشة، هذا شرطُ القراءة أو الإعارة إن حدثت. وكوني عاشقٌ لدفاتر الكتابة، فإنها ترافق رحلتي مع أيّ كتاب، وإن حدث ولم تكن معي، فتكون القصاصاتُ الصغيرة التي أكتب عليها ملاحظاتٍ أو اقتباسات. أذكر أني كنتُ أحيانًا أعيد كتابة نصف الكتاب أو أكثر، لرغبةٍ تتعلّق بممارسة فعل القراءة وربّما الغاية منها محاولة تقمّص جوّ الكتابة، حدث ذلك مع كتاب "هكذا تكلّم زرادشت" لـ نيتشه، رواية "الوباء" لـ هاني الرّاهب. و"حدّث أبو هريرة قال" لـ محمود المسعدي.

الآن وأنا أشتغل مع المتوسّط في التحرير، أتاحت لي هذه الفرصة تكثيف العمل، ومنحه صفة الجديّة، في المراجعة وإدراج الملاحظات، في ملفَّاتٍ مستقلة، ومرتّبة.

  • هل تغيّرت علاقتك مع الكتب بعد دخول الكتاب الإلكتروني؟

في زمن سابقٍ كنتُ أقصُّ مراجعات الإصدارات من الجرائد والمجلات، أو سير الكُتّاب القصيرة وتصريحاتهم، وأحتفظ بها في ملفات أو دفاتر كبيرة الحجم، كانت تضاهي رفوفًا من الكتب، على أمل أن يأتي يومٌ وأقتنيها. تلك القصاصات صارت مرجعًا لي بعد دخول الكتاب الإلكتروني وحمّلتُ جلّها ولم أتردد في قراءتها، بالشغف ذاته المرتبط بالكتب الورقية، فبعيدًا عن الأثر الذي تتركه رائحة الورق وملمسه، تُمسي القراءة هي الأهم، ولا يهمّ بعدها شكل الكتاب أو طريقة قراءته.

من جهةٍ أخرى، أنا أقرأ الآن مخطوطاتٍ لكتب على الجهاز، بحكم عملي مع دار نشر، بالقدر الذي أقرأ فيه كتبًا ورقيّة، بشكلٍ يومي ومستمر ومتجدّد.

  • حدّثنا عن مكتبتك؟

المكتبةُ مثل الحلم. يمتزج فيها الواقعيّ عندي بالفانتازيّ، أذكر أنَّ أمي كانت تضحك عندما لا تجدُ مكانًا لوضع ثيابي بعد غسلها في الخزانة، ذلك أني لم أكن أملك مكتبةً خشبية خاصة بالكتب. واستغليّت موهبتي في النجارة لأصنع "مكتبتي" ببقايا أثاثٍ غير مستعمل في البيت. رافقتني تلك المكتبة الصغيرة من مكانٍ إلى مكان بعد أكثر من رحلةٍ عبر منازل كثيرة. ولا أذكر أني استقريتُ بشكلٍ أراه كذلك مؤقتًا، إلا في السنواتِ الأخيرة ليتوقف هاجس تحميل الكتب في كراتين والسفر بها، وإعادة ترتيبها، الميزة الوحيدة خلال هذه العملية المضنية، هي أنني أكتشف كتُبًا نسيتُها وسط حمّى الاقتناء من معرضٍ إلى آخر، ومن بلدٍ إلى آخر. فشحُّ المكتبات وغياب المعارض في الجزائر، يولّد هذه الحالة التي تتطلّب مالًا كثيرًا وتضحيات.

لا أدَّعي، وبعد مرور عقدين ونصف على أوَّل كتابٍ اقتنيته، "تاجر البندقية" لـ شكسبير، بمبلغٍ مالي منحني إياه والدي لتفوّقي الدّراسي؛ أنَّني أملك الآن المكتبة التي حلمتُ بها، شكلًا ومضمونًا، لكنني على يقينٍ أنّها ستتحقق، وإن كان للحلم البورخيسي يومًا أن يتجسّد بعد هذه الحياة، فستكون هناك "مكتبة" أقرأ فيها ما لم أستطع قراءته من الكتب التي أملكها، أو تلك التي حلمتُ بالحصول عليها، أو أخرى جديدة ستفاجئني كما يحدث معي دائمًا كطفلٍ يستيقظ ليجد لعبته التي رآها في المنام بين يديه، وإلى ذلك الوقت سيظلُّ الشغف حاضرًا، ضدَّ كلِّ ما يتكلّس جرّاء روتين اليومي والتزامات الحياة ومنغصاتها.

  • ما الكتاب الذي تقرأه في الوقت الحالي؟

حاليًا أنا على وشكِ الانتهاء، باقي بضع صفحات، من رواية "الرجل الذي كانَ يُحبُّ الكلاب" للروائي الكوبي ليوناردو بادورا، ترجمة بسّام البزّاز، والتي تقتفي، في توليفة مدهشة بين وقائع التاريخ والخيال الأدبي، أثر قاتل تروتسكي في مكسيكو عام 1940، وحياة قاتله، ثمّ حياة الراوي في القسم الثالث من الرواية. رواية مؤلمة تضعك في مواجهةٍ مباشرة مع تاريخٍ من الاغتيالات، لتعود إلى الاستهلال الذي اختاره الكاتب لـ غريغوريو مارانيون: "الحياة (...) أوسخ من التاريخ".

سأعود بعدها إلى قراءة رواية "العصر الذهبي" للروائي الصيني وانغ شياوبو، ترجمة علي ثابت. فرغم وفاته مبكرًا (45 سنة)، كتب شياوبو واحدة من أهمّ ملاحم الأدب الصيني والعالمي، حيث الجنس هو محرّك الرواية في ظلّ الخيبات الكبرى في زمن الثورة الثقافية في الصين. ويراودني كتاب آخر، خلال عطلتي بعد أيام، للناشطة السياسية والثقافية سناء المصري، والتي كذلك توفيت باكرًا (42 سنة)، وهو "هواش الفتح العربي لمصر" وأراه كتابًا إشكاليًّا يخوض في مناطق شائكة من تاريخ المنطقة.

 

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة محسن القيشاوي

مكتبة أيمن حسن