مكتبة بطرس المعرّي

مكتبة بطرس المعرّي

الفنان بطرس المعري

ألترا صوت - فريق التحرير

يخصّص "ألترا صوت" هذه المساحة الأسبوعيّة، كلَّ إثنين، للعلاقة الشخصية مع الكتب والقراءة، لكونها تمضي بصاحبها إلى تشكيل تاريخٍ سريّ وسيرة رديفة، توازي في تأثيرها تجارب الحياة أو تتفوّق عليها. كتّاب وصحافيون وفنّانون يتناوبون في الحديث عن عالمٍ شديد الحميميّة، أبجديتُهُ الورق، ولغته الخيال.


بطرس المعرّي فنان تشكيلي من سوريا. تخرّج من كلية الفنون - قسم الحفر بجامعة دمشق عام 1991، قبل أن يكمل دراسته في فرنسا، ولم يعد إلى سوريا إلا العام 2008 بعد أن نال شهادة الدكتوراه، ليدرّس في كلية الفنون لمدة 4 سنوات قبل أن يهاجر من جديد العام 2013 إلى هامبورغ الألمانية التي يقيم فيها حاليًا. أقام العديد من المعارض في بلدان عديدة.


  • ما الذي جاء بك إلى عالم الكتب؟

في البداية، كانت المجلة هي النقلة الأولى إلى القراءة من خارج الكتاب المدرسي. أول ما أتذكره هو شراء "مجلة أسامة" وقراءتها، لكن لا أذكر إن كنت أجيد القراءة حينها وأفهم ما يكتب أم كان هناك من يساعدني من إخوتي، فوالديّ لم تتح لهما الظروف للتعلم. تابعت القراءة أو المطالعة في المجلات لاحقًا مع اهتمام أخي الكبير المتزايد بها، وهو قد بدأ دراسته الجامعية في كلية الآداب، فصارت تدخل بيتنا عدة مجلات ثقافية وسياسية وحتى خفيفة. كما بدأت تتكوّن نواة المكتبة في المنزل وبدأ يزداد اهتمامي بالأدب وشجونه أكثر من غيره. ولا أعرف إن كان هذا الاهتمام قد بدأ لأن هذا هو المتوفر ما بين يدي، أم هو تأثير الأخ الأكبر الذي يصبح مثلًا أعلى للصغير، أم ما اكتشفته لاحقًا وهي حالة العداء مع العلوم الطبيعية والرياضية.

  • ما هو الكتاب، أو الكتب، الأكثر تأثيرًا في حياتك؟

كانت البداية في ملاحقة أخبار الشعراء وحوادث التاريخ والشخصيات المعروفة في رفوف هذه المكتبة. أذكر أولًا كتاب "المائة الأوائل" الذي أحببته. كما أتذكر هنا كتابًا كان لدينا من دون غلاف، ورقه صار داكن السمرة وفي حالةٍ يرثى لحالها، ويحتوي على مواضيع إنشاء مكتوبة بطريقة المقامة فتحت عيني على هذا النوع من الأدب وصرت أكتب فيه حينها. ومن خلال مواضيع الإنشاء التي بدأنا بكتابتها عن الشعر الجاهلي في الصف العاشر، اطلعت على كتب يمكن أن نصفها بالثقيلة حينها. ففي العادة يلجأ الطلاب إلى كتاب حنا الفاخوري في تاريخ الأدب العربي كمرجع وحيد لكتابة مواضيعهم هذه، وقد كان متوافرًا في مكتبتنا، إلا أن الأمر يختلف بالنسبة إليّ فقد كان أخي يدلني على مقاطع معينة في كتب أخرى تفيد الموضوع، فتتميز مواضيعي عن غيرها، الأمر الذي شجعني أكثر على المضي في القراءة. وصرت أقلب في صفحات هذه الكتب وغيرها مثل العقد الفريد والأغاني.

أول كتاب "معتبر" خاص بي وقد جاءني هدية، هو الأعمال المعرّبة لخليل جبران. قرأت أيضًا في سن المراهقة "المغامرون الخمسة"، وبعض الروايات المصرية التي عرفنا بعضها مسلسلات وأفلامًا، أو المعربة كـ"دون كيشوت" في نسخة مختصرة. كما قرأت شعر نزار قباني، وكتابًا صغيرًا جلبته من بيت جدتي بعنوان "شبيبة متمردة" عبارة عن أفكار في جمل قصيرة، كما قرأت أيام طه حسين.

عندما بدأت الدراسة في كلية الفنون الجميلة، بدأت الكتب الفنية تدخل مكتبة المنزل وقد أصبحت مكتبة هائلة، ثم أفردت لها مكانًا خاصًا في قطعة أثاث خشبية كبيرة. كانت الكتب العربية في هذا المجال قليلة والأجنبية أيضًا نادرة وغالية الثمن.

من مكتبتي الصغيرة هذه، أذكر كتابًا بالعربية عن بيكاسو، وبعض كتب الفن السوفييتية التي كانت تُباع في معارض الكتب بأسعار مقبولة. ولكن أَحبها إليّ كان تعريبًا لكتاب ألّفه الفنان الفرنسي بول غوغان عن رحلته في تاهيتي بعنوان "نوا نوا"، فيه رسومات بديعة.

  • من هو كاتبك المفضل، ولماذا أصبح كذلك؟

اكتشفتُ في المرحلة الجامعية، بفضل صديقة ألمانية، كافكا في "التحول" وهرمان هسه في "سد هارتا"، كتابان لا يزالان من الكتب المفضلة. "خواتم 1" لأنسي الحاج هو من الكتب الأثيرة، يذكّر بشكل من الأشكال بكتابي "النبي" و"رمل وزبد" لجبران، لكنه إن جاز لنا القول هو أكثر واقعية وأقرب إلى مشاكلنا الحالية في حالة التفكير فيها أو تأملها. أحيانًا أعد أن جبران هو سليل السيد المسيح وأن أنسي هو تلميذهما بشكل من الأشكال. لكن أنسي عاش عصرًا مُسيسًا قلقًا ومعقدًا أكثر، وعرف مشاكل تخصنا نحن أبناء المشرق، فكان الأقرب.

  • هل تكتب ملاحظات أو ملخصات لما تقرأه عادة؟

أحيانًا كنت أحمل قلم رصاص وأرسم إشارة خفيفة أمام الجمل أو الأفكار التي أعجبتني في بعض الكتب، غير ذلك لم أكن ألخص أو أعلق، لا سيما وأن أغلب الكتب لم تكن ملكي. ولكن ليس هذا السبب فقط، بل لأني أفضّل أن يبقى الكتاب، من غلافه إلى الصفحات، نظيفًا وفي حالة جيدة... رغم أنني فوضوي بشكل عام.

  • هل تغيّرت علاقتك مع الكتب بعد دخول الكتاب الإلكتروني؟

لم تتغير كثيرًا في الحقيقة. لقد حمّلت بعض الكتب من النت، تصفحت بعضها وبحثت في بعضها عمّا يلزمني لكنني لم أستطع القراءة فيها. لم آلف بعد إلا قراءة المقالات عن طريق الشاشة كما أنني لم أجرّبْ الـ"كيندل". يبقى للورق سحره.

لكن يمكن أن نقول تغيرت هذه العلاقة من خلال الانتقال من موقع القارئ لموقع المؤلف فيها. فخلال إقامتي في باريس لمتابعة الدراسة العليا، كتبتُ واستلهمتُ قصصًا للأطفال ورسمتها، كانت في مجموعها ثمانية، ثنائية اللغة فرنسي-عربي. كنت مدمنًا في تلك الفترة على ارتياد المكتبات العامة والاطلاع على كتب الفن وكتب الأطفال.

كما نشرت قبل بضعة أشهر كتابًا يحتوي على رسومات ونصوص بعنوان "كيوبيد الدمشقي"، تجربة جديدة أتمنى أن تلقى صدى طيبا لدى القارئ.

  • حدّثنا عن مكتبتك؟

إلى جانب المكتبة الصغيرة في دمشق، تكونت لدي مكتبة أخرى وصغيرة أيضأ في فرنسا، أحب فيها ديوانًا للسريالي بول إيوار، وقد نقلت معظمها إلى دمشق عند عودتي. في ألمانيا حاليًا لدي بعض الكتب، لكن وجود المكتبات العامة والانصراف بشكل كبير إلى الرسم أبعدني قليلًا عن اقتنائها.

كنت أحلم في الحقيقة أن تكون لدي مكتبة كبيرة في بيتي، هي حالة صحية لا سيما إن كان في البيت أولاد. أجد أن البيت الذي لا مكتبة فيه بيت بارد. ربما وجودها يشجع الصغير أو المراهق كما حدث معي لكي يمسك بكتاب ويتصفحه. لكن الترحال ووجود حقيبة وراء الباب بانتظار العودة سيجعل من هذه الفكرة فكرة مستحيلة على ما يبدو. المكتبة استقرار لم أعرفه.

  • ما الكتاب الذي تقرأه في الوقت الحالي؟

آخر ما قرأته هو في الحقيقة روايات. أحببت سلاسة جبور الدويهي في السرد، اكتشفته في "مطر حزيران" قبل سنتين تقريبًا، وانتهيت مؤخرًا من قراءة "يا مريم" لسنان أنطون.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة كريمة أحداد

مكتبة عبدالله حافظ