مكتبة العربي الرمضاني

مكتبة العربي الرمضاني

الكاتب العربي الرمضاني

الترا صوت- فريق التحرير

يخصّص "ألترا صوت" هذه المساحة الأسبوعيّة، كلَّ إثنين، للعلاقة الشخصية مع الكتب والقراءة، لكونها تمضي بصاحبها إلى تشكيل تاريخٍ سريّ وسيرة رديفة، توازي في تأثيرها تجارب الحياة أو تتفوّق عليها. كتّاب وصحافيون وفنّانون يتناوبون في الحديث عن عالمٍ شديد الحميميّة، أبجديتُهُ الورق، ولغته الخيال.


العربي رمضاني كاتب جزائري من مواليد 1986، بسيدي نعمان في المدية، خريج صحافة سنة 2008، يكتب مقالات في السياسة والثقافة، أصدر كتابه الأول بعنوان "أناشيد الملح - سيرة حراڴ".


  • ما الذي جاء بك إلى عالم الكتب؟

المجيء إلى عالم الكتب كان شغفًا مبكرًا وإن كانت الصلة المباشرة مع الكتاب ظلت بعيدة لأسباب عديدة أبرزها تردي الأوضاع الأمنية في مسقط الرأس وانعدام الاستقرار. البقاء أحياء كان أكبر تحدٍّ لنا، تغيير أماكن إقامتنا، حالات الهلع، مجازر واغتيالات في الجوار، منع التلفاز وتحديد حركة الناس وتصنيفهم بين موالين للسلطة أو مشكوك في ولائهم للطرف الآخر، حالات من الفزع والاضطراب أثرت كثيرًا على سيرورة الحياة. البداية كانت مع الراديو والجرائد التي كان يواظب الوالد على اقتنائها وقراءتها مساء وبيده سيجارة غارقًا في تلك المقالات الطويلة وإلى جانبه مذياع صغير يبث نشرات أخبار وأغاني.

حاولت تقليد الوالد وأنا في سن مبكرة جدًا منتصف التسعينات، عندما كان يغادر صباحًا أُقلب صفحات الجرائد المكدسة أسفل الخزانة وأتأمل الصور وأحاول معرفة ما تقوله تلك الصفحات المكتظة بالكلمات الكثيرة، حرصًا منه على الاهتمام بدراستي وحفظ القرآن في مسجد القرية وعدم التطفل على المذياع وأكوام الجرائد، نهرني الوالد ذات مرة بعد أن اقتنيت جريدة من مدينة كانت تنهض بتثاقل وتلملم جراحها بعد عشرية دامية، كل ما تتوفر عليه مقاه وأسواق وغياب تام للمكتبات.

رافقني شغف المعرفة والكلمة بعد مغادرة المدرسة الابتدائية المجاورة لبيتنا، والانتقال إلى مدينة أخرى للدراسة في إكمالية بنظام داخلي "توفير المبيت والإطعام مقابل رسوم رمزية تدفع بداية السنة".

وسط أجواء الرعب نهاية التسعينيات وصعوبة العيش وانعدام وسائل النقل وإصرار أهلنا على التفوق في الدراسة للنجاة من تعاسة الأرياف، كان التدريس مملًا والجلوس في حُجرات الدرس بلا نكهة والوقت يمر ببط، والأساتذة تحت قهر الواقع الممزوج بالرعب وظروف العمل المزرية، لا تحفيز على المطالعة ولا اجتهاد للخروج من جمود وصرامة المناهج الدراسية. كانت هناك مكتبة صغيرة بجوار مكتب المدير.

المفارقة العجيبة أن حصة الرسم كانت تُلغى وأستاذ المادة تفاديًا لتشويش تلامذته، يتجه بنا إلى المكتبة للعبث بالكتب وتمضية الوقت. منظر الكتب مرتبة في الرفوف كان مذهلًا جدًا. طاولة دائرية ضخمة تغطي معظم مساحة المكتبة وعلى سطحها خريطة العالم مرفقة بأسماء الدول والعواصم والبحار والمحيطات وطبيعة التضاريس. لم يكن مسموحًا لنا الاقتراب من المكتبة أو حتى اختيار الكتب ولمسها. المشرف على المكتبة يسحب عشوائيا كتابًا ما من الرف ثم يقدمه لتلميذ يتفقد صفحاته بسرعة ويمرره إلى البقية.

الكتاب الأول الذي ناولني إياه زميلي كان عدد من سلسلة ضخمة تسمى المعرفة، غلاف أحمر سميك وأنيق وصفحات طويلة تسرد أحداثًا تاريخية شهدها العالم في القرن العشرين، من خلال هذه السلسلة ورغم ضيق الوقت، تعرفت لأول مرة على أحداث وشخصيات ودول لم أكن أعرفها من قبل. الحرب العالمية الأولى والثانية، حرب الهند الصينية، هوشي منه، مانديلا، عبد الناصر، كاسترو، الاتحاد السوفييتي، الصعود إلى القمر وغيرها من الوقائع والرموز التي حفزتني على قراءة تفاصيل أخرى عن العالم والبشر.

كنت أنتظر بشغف حصة الرسم لكي أزور المكتبة وأكتشف أكثر العالم، لكن تغير الأمر كون زيارة المكتبة كان عشوائيًا غير مبرمج ضمن ساعات الدراسة لتغلق في وجهي أبوابها إلى غاية انتقالي إلى مرحلة الثانوي، حينها كنت أتردد على السوق الأسبوعي لمديتنا وفي جيبي بعض الدنانير التي أحصل عليها من عملي في الحقول، وأتجه صوب زاوية شاسعة من السوق مخصصة لبيع الخردوات للبحث عن أجهزة راديو قديمة بسعر زهيد، من أجل لاستماع إلى راديو بي بي سي عربي الذي تعلقت به في سن مبكرة.

تحت أكوام رهيبة من الاثاث والأواني المنزلية، وكل ما هو عجيب وفريد قادم من المدن الكبرى، عثرت على نسخ قديمة نسبيًا من مجلة العربي الكويتية ومجلة الدوحة والفيصل، ومجلات أخرى بالفرنسية، وكتب تراثية قديمة جدًا عن قواعد اللغة العربية، تلك المجلات كانت فسحة لذيذة عن الأدب والمقالات الفكرية الطويلة وآخر الإصدارات وأشعار غربية مترجمة، تعرفت على قصائد فاروق شوشة ونزار قباني وسميح القاسم ومقالات حمدي قنديل وجابر عصفور وأنيس منصور وطالب الإبراهيمي.. وأسماء أدبية وفكرية شدني كثيرًا إبداعها مع توق شديد للحصول على أعمالها ومتابعة أخبارها.

كانت هناك حلقة وصل قوية جدًا بين الإذاعة والصحف والمجلات، كلها دفعتني للبحث عن الكتب وعززت لدي رغبات عارمة في القراءة والاكتشاف.

سنوات الجامعة صار لدي إمكانية أكبر للوصول إلى الكتب والانتقال إلى ولايات أخرى لديها مكتبات توفر كتب مستعملة ومجلات فكرية وأدبية بأسعار زهيدة، بالإضافة إلى روائع من الأدب العالمي كانت تعرض على الأرصفة وتباع بأسعار في متناول طالب جامعي، بحكم تخصصي في الجامعة "صحافة" صرت أميل كثيرا لكتب السياسة والتاريخ والأدب إجمالًا، المكتبة الجامعية لم تشبع فضولي وتزامن التحاقي بالجامعة بالظهور البطيء لشبكة الإنترنت في الجزائر وندرة المحلات التي توفر النت، رغم رداءة التدفق وارتفاع أسعار تصفح الويب مقارنة بوضعي المادي المتواضع آنذاك، إلا أن الشبكة العنكبوتية كانت فضاء غزيرًا عزز كثيرًا من فرصة الاقتراب من الكتب، على الأقل معرفة آخر الإصدارات وأخذ فكرة عن رواية أو كاتب وشاعر ما.

  • ما هو الكتاب، أو الكتب، الأكثر تأثيرًا في حياتك؟

هناك كتاب ترك تأثيره في حياتي لسنوات معتبرة، وهو ماجدولين "تحت ظلال الزيزفون" للأديب الفرنسي ألفونس كار وتعريب مصطفى لطفي المنفلوطي. أثناء المذاكرة ليلًا في الثانوية، وبعيدًا عن حراسة المُراقب أين يكثر الصخب والفوضى ولعب الدومينو المصنوع من أغلفة الكراريس، وأحيانًا نتداول على تصفح جرائد رياضية ودينية وأخرى صفراء. نادرون جدًا أولئك الذين كانوا يشترون جرائد. ونادرًا ما يكون هناك كتاب ربما باستثناء المُصحف، ماجدولين كانت لدى طالب من القسم النهائي وأعارها لبعض الطلبة وأعجبوا بها كثيرًا، ونصحني أحدهم بقراءتها كونها تختلف كثيرًا عن النصوص المدرجة في منهاج اللغة العربية التراثية في معظمها، فضلًا عن تفاصيل الرواية المؤثرة جدًا وأحداثها التي وجدتها تشبه نسبيًا واقعنا حيث الطبيعة والوادي، وشخصية أستيفن بوضعه الميسور والمولع بالرسم والموسيقى وحبه الكبير لماجدولين التي تعلقت به وبادلته الحب، وقبل أن يفترقا منحته خصلة من شعرها وبقيا على تواصل يتبادلان رسائل الحب، وبعد تحسن الوضع المادي لستيفن كان لديه رفيق أقام لاحقًا علاقة مع ماجدولين وتزوجها وترك هذا شعورًا مميتًا لدى ستيفن الذي هاجر البلدة وتفرغ للموسيقى إلى غاية تدهور العلاقة بين ماجدولين وزوجها إدوارد، لتجد نفسها تبحث مرة أخرى عن ستيفن الذي منعته كرامته من العودة إليها بعد شعوره بالخيانة والغدر ما دفعها لترك طفلتها من إدوارد عند مدخل منزل ستيفن مع رسالة أخبرته فيها عن قرارها بالانتحار.

كان الموقف عنيفًا بالنسبة للموسيقي ستفين الذي حاول إنقاذ محبوبته، لكن بدون جدوى لأن الموت كان أسرع، وكنوع من الوفاء لها اعتنى بتربية طفلتها، وأوصى بثروته لها وأنشد سمفونية "الموتى" وانتحر وأوصى بأن يدفن إلى جوار ماجدولين، وأن يكون لطفلتها حرية اختيار حبيبها حين تكبر.

هناك أيضًا كتاب مفصلي جدًا في حياتي للصحفي الجزائري محمد بن شيكو وترجم إلى العربية بعنوان "بوتفليقة بهتان جزائري". قرأت نسخته العربية خلسة في سنتي الأولى بالجامعة بعد أن انتظرت لأسابيع دوري في الحصول عليه. الكتاب تعرّض لمسار وتاريخ الرئيس السابق بوتفليقة وبعض رموز نظام حكمه، ودوره في أحداث حاسمة عرفتها البلاد وكيف جيء به إلى السلطة، وطبيعة التحالفات وتعامله السلبي مع ملف العشرية الدامية، وكيف برّأ جميع أطراف الأزمة مستغلًا الأثار الكارثية التي لحقت بالجزائريين على كافة الأصعدة. الكتاب بجرأته النادرة في أوج جبروت بوتفليقة نسف تصوراتي عن طبيعة الحكم الجزائري، وترك لدي قناعة راسخة حول ضرورة التغيير السلمي والقطيعة مع سلطة بوليسية ماوفوية، قزمت دولة عظيمة لديها رصيد ثوري مشرق وثرية جدًا ومتنوعة إنسانيًا وجغرافيًا.

قرأت الكتاب وأنا أدرس سنة أولى صحافة ونجح في إيقاظ أدوات الحس الصحفي بداخلي من شك وبحث والإلمام بالتفاصيل. زادت قيمة الكتاب لدي حين عرفت المصير المأساوي الذي تعرض له كاتبه، بعد أن صودرت نسخ الكتاب من جميع مكتبات الوطن واعتقل الصحفي بن شيكو ولُفقت له تُهم الخيانة والإلحاد وأُغلقت جريدته "le matin". كان الكتاب كشفًا مبكرًا وفاضحًا لرئيس ملوث بالفساد ويعاني أعلى حالات جنون العظمة ورغبات عارمة في الطُغيان والتدجين والانتقام، من اللحظة التي تصفحت فيها كتاب بوتفليقة بهتان جزائري، كنت أرى واقع بلادي من خلال تلك المشاهد الواقعية والصادمة في معظمها عن الجزائر المختطفة من رئيس نرجسي، يسعى لإبادة معالم الدولة من حرية الصحافة واستقلالية المؤسسات وشفافية التسيير وتكريس الولاء والجهوية وشراء الذمم. السنوات التي عاشتها الجزائر تحت حكمه الفاسد كانت استشرافًا من الكاتب للخراب القادم، بعيدًا عن التزييف والتضليل التي كانت تمارسه أبواق السلطة والنُخب المتملقة.

  • من هو كاتبك المفضل، ولماذا أصبح كذلك؟

 شخصيًا أميل كثيرًا إلى الفكرة الجيدة والنص الثري، ومدى تأثيره العميق على أفكاري وقناعتي ومساحة الشك التي يفرزها، لكن إجمالًا هناك عدد من الكُتاب أفضلهم على غيرهم لاعتبارات عديدة أبرزها جودة أعمالهم ثقافتهم الواسعة واهتمامهم بقضايا جدلية.

في الفكر والفلسفة مثلًا هناك، محمد أركون، جورج الطرابيشي، حامد أبو زيد، محمود محمد طه، سلامة موسى، مهدي عامل، داريوش شايغان، إدوارد سعيد، فرانس فانون، جاك دريدا، عبد الله القصيمي، مالك تريكي.هيغل، تروتسكي، جلببر الأشقر، شوقي الزين، جلال العظم، سمير أمين. وفي الأدب: محمد الماغوط، مولود فرعون، عبد الرحمن منيف، محمد شكري، كاتب ياسين، عمارة لخوص، حيدر حيدر، أنسي الحاج، درويش، هيغو، غاليانو، ساراماغو، صبحي حديدي، خالد بن صالح، إلياس خوري، الطيب صالح، سعيد خطيبي، أندري بريتون، رامبو، غونتر غراس، يانيس ريستوس، بوكوفسكي.

  • هل تكتب ملاحظات أو ملخصات لما تقرأه عادة؟

عادة ما أقوم بذلك، تجذبني الفقرات الموجزة والمُعبرة وتلك الإشارات الذكية لقضية ما، أو موقف ببلاغة باذخة أو مقطع شعري يلامس الروح. تدوين ما يشدنا أثناء القراءة يعكس تلك الروحية العالية بين القارئ والكاتب أو النص وهذا في رأيي أهم مكسب.

  • هل تغيّرت علاقتك مع الكتب بعد دخول الكتاب الإلكتروني؟

الكتاب الإلكتروني إضافة مهمة ومفيدة جدًا للقارئ ومعظم قراءاتي من كتب إلكترونية، رغم فشل التسويق والتأخر التكنولوجي في هذا المجال خاصة في الجزائر إلا أن الكتاب في شكله الإلكتروني حيوي ويساير القفزة الرهيبة، التي يشهدها العالم على مستوى اقحام التكنولوجيا في الاقتصاد والمعرفة. بعد جائحة كورونا وتراجع نشر وتسويق الكتاب عبر المعارض تحديدًا كان الحل في تسويق الكتاب عبر النت من أنجع الحلول.

  • حدّثنا عن مكتبتك؟

مكتبتي المتواضعة تشبهني، مشتتة ومغتربة مثلي وتقيم في أكثر من مكان، بسبب تنقلاتي الكثيرة وعدم استقراري، صار لدي مجموعة من الكتب في كل مكان عابر أقيم فيه، وأحيانًا أتنقل من مدينة إلى أخرى من أجل جلب كتاب معين. مكتبتي تحتوي عناوين فكرية وأدبية وفلسفية وعدد من المجلات الجزائرية والعربية، ودومًا أحن إلى تلك اللحظة التي أقيم فيها لمّ شمل بين كتبي لتكون مرتبة، ويصبح متاحًا تصفح الورق عن قرب ومصافحة المؤلفين وإحياء تلك العلاقة الدافئة بين القارئ والكاتب.

  • ما الكتاب الذي تقرأه في الوقت الحالي؟

حاليًا أقرأ أكثر من عنوان: "البحر المتوسط في العالم المعاصر" لكل من سمير أمين وفيصل ياشير، و"قراءة ثانية لانتكاسة الانتفاضة العربية: أعراض مرضية" لجلبير الأشقر، و"مذكرات تروتسكي"، ونصوص مترجمة للشاعر اليوناني يانيس ريستوس.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة يوسف وقاص

مكتبة أيمن مارديني