مكتبة أمل السعيدي

مكتبة أمل السعيدي

الكاتبة والإعلامية أمل السعيدي

ألترا صوت – فريق التحرير

يخصّص "ألترا صوت" هذه المساحة الأسبوعيّة، كلَّ إثنين، للعلاقة الشخصية مع الكتب والقراءة، لكونها تمضي بصاحبها إلى تشكيل تاريخٍ سريّ وسيرة رديفة، توازي في تأثيرها تجارب الحياة أو تتفوّق عليها. كتّاب وصحافيون وفنّانون يتناوبون في الحديث عن عالمٍ شديد الحميميّة، أبجديتُهُ الورق، ولغته الخيال.


أمل السعيدي كاتبة وإعلامية من عُمان. من مواليد 1992. درست الإعلام في الكويت ومسقط. تعمل مذيعة.


  • ما الذي جاء بكِ إلى عالم الكتب؟

عندما سافرتُ للدراسة لأول مرة في حياتي، وحظيتُ أخيرًا بفرصتي للاعتماد على نفسي، كنتُ أشعر بسعادة بالغة، أو دعني أقول خفة لا مثيل لها، لقد بدا أنني في البعد لا يعود لأي الشيء القدرة على إيذائي، لكنني في ذلك الوقت وفي عمر السابعة عشرة لم أكن أعرف أنني أميل للوحدة، وأن ما كنتُ أقدره وأحتفي به، هو عزلتي الكاملة، هذه الكلمة لم تكن في قاموسي آنذاك، لكنني بعد ذلك تمكنتُ من معرفة السبب وراء كل تلك الغبطة التي منحتني طمأنينة لطالما تمنيتها. كذلك الحال بالنسبة للقراءة، تربيتُ لوحدي لوقت لا بأس به لظروف كانت تمر بها عائلتي، كما أن فارق العمر الصغير جدًا بيني وبين والديّ وضعهما في مكانة الأنداد، كان ثمة مسافة تفصلني عنهما، وهناك بدأت أتخيل الأشياء، كان لي أصدقاء متخيلين، وكنتُ أحب المشي لساعات وحدي في قرية في شمال عمان لا يسكنها سوانا، كنتُ أحدث نفسي بصوت عال، وفي المرة الأولى التي قرأت فيها كتاب "دمعة وابتسامة" لجبران خليل جبران، لم يكن عليّ أن أتحدث بهذا الصوت لأسمع نفسي، كنتُ ملتحمة بما أقرأ، في لحظة طيعة، دقيقة، وكنتُ بلا مبالغة أشعر بشيء يشبه أن يتمشى جيش من النمل على قلبي، وكان ذلك الذي سأسميه لاحقًا حلم اليقظة التي غذته القراءة، هو ما أنا عليه. أتذكر بعد ذلك أنني بدأت ألاحظ الكتب التي في مكتبة البيت، كان ممنوعًا عليّ أن أقترب من أربعة أجزاء لكتاب ألف ليلة وليلة، على الرغم من مفارقة طريفة تتعلق بهذا الأمر، إذ أنني ولم أكمل عامًا بعد، تحملني عمتي، فيما يحمل أعمامي جزءًا لكل واحد منهم من هذه الرباعية، يفتحون الكتاب على صفحة ويتظاهرون بقراءته، كنتُ أنظرُ إليهم في هذه الصورة. عندما سأكبرُ قليلًا سأتمنى قراءة الكتاب، لكنهم سيخفونه، وسأعرف بعد فترة من الزمن عندما تجرأت على طلبه، أنهم أحرقوه في ذلك الحين، هل بدأت علاقتي بالكتاب إذًا بالاحتراق والغياب، ربما يكون الأمر كذلك.

  • ما هو الكتاب، أو الكتب، الأكثر تأثيرًا في حياتكِ؟

لطالما واجهتُ صعوبة في الإجابة على هذا السؤال، إذ بدا لي أن كل ما قرأت ساهم في تكوين حساسيتي تجاه الأشياء من حولي، لكن عليّ أن أحكي لك عن الوقت الذي بدأتُ فيه فعليًا أنزع من القراءة والكتابة أسطورتيهما في مخيلتي، لقد تخيلتُ بأن الكتُاب، كائنات بعيدة جدًا، مثلما كنت أقرأ عن الأنبياء لم أكن أتخيل أنهم عاديون، في عمر السادسة عشرة، قرأتُ عبدالرحمن منيف في روايته "الأشجار واغتيال مرزوق"، في وقت متأخر كما يبدو بدأت أتعرفُ إلى كتابة عن همنا اليومي، وأن من يكتبها مازال حيًّا، لقد كانت فكرة طفولية بلا شك، ساهمت فيها مكتبة عمي الدينية والمقتصدة في خياراتها، والتي غالبًا ما تنزع إلى التجريد، حتى أنني كنتُ أرتادُ المعارض منذ عمر العاشرة، لكنني لم أنتبه أبدًا لهذا الاحتمال، عند دخولي الجامعة، بدأتُ أفهم أن بالإمكان أن أصبح كاتبة، وهذا متاح من بين خيارات كثيرة في الحياة. مع أنني وفي الصف الرابع ولكي أنال على إعجاب أمي، كتبتُ قصائد عمودية ونسختها بخط يدي لأكثر من عشرين نسخة، ثم قرّرت بعد أن انتهيت أن أتخلص منها وهكذا فعلت، لم أكن أفكر في أن ذلك كتابة، كانت رغبتي في أن تحبني أمي قد أعمتني. عودة للسؤال كل ما بدأت بقراءته عند دخول الجامعة، كان الأكثر تأثيرًا في حياتي، "الهوية غير المكتملة" لأدونيس، "اللا طمأنينة" بيسوا، المجموعات الشعرية الأولى لإيمان مرسال: "ممر معتم لتعلم الرقص"، و"المشي أطول وقت ممكن"، خصوصًا أن هذا الأخير كتب بعد مولدي بسنتين، وكان ذلك مثيرًا بالنسبة لي حينها، ولأنني درستُ في الكويت، تأثرت جدًا بغسان كنفاني، خصوصًا في مجموعته "موت سرير رقم 12"، إذ كانت شخصيتها الرئيسية عماني يسكن في الكويت، ويحتفظ بسحارة أسفل سريره، لقد بدا لي أنه جدي الذي يحتفظ بسحارة تحت سريره لكن في قريتنا البعيدة، وبدا لي أنني أحب الكويت، لأن جدي يمتلك سريرًا فيها، وأنني مرئيةٌ في عين كنفاني. كتب كثيرة قرأتها في ذلك الوقت، في مواضيع غريبة بعض الشيء، قرأتُ عن المذاهب الإسلامية وعلم الكلام، قرأتُ كتبًا رديئة عن الحب، وكنتُ أبكي لعاطفيتها المفرطة، ثم قرأتُ "الغريب" لألبير كامو، وكان ذلك طريقًا جديدًا، أتذكر جيدًا الرهبة التي شعرتُ بها، كأنما ألتقي نظيري ولا أخافه، البرود الذي تبدأ به الرواية، الثقل والخواء كلما تقدمت في قراءتها، أشعة الشمس التي تلعب أدوارًا شتى في القصة، إذ تدفعه للقتل تارة، وتمثل له العزاء في السجن تارة أخرى، إذًا أنا الغريب. وكان أن سميتُ حياتي.

  • من هو كاتبكِ المفضل، ولماذا أصبح كذلك؟

سؤال مربك آخر، أحب بيتر هاندكه جدًا، ربما لأنه كتب عني في نوفيلا ساحرة اسمها "المرأة العسراء". هل أبدو لك كشخص مستغرق في ذاته لحد بعيد؟ للأسف أنا كذلك، وأشعر بالعار من هذا في معظم الأحيان! بيتر هاندكه يكتب شخصيات تصمتُ حتى في تطرف ظروفها، فالمرأة العسراء تقرر مغادرة حياتها الزوجية بعد ليلة حميمة قضتها مع زوجها العائد من السفر، دون أن تبرر ذلك، تطلب في الصباح التالي أن يمشي كل واحد في طريقه، ماري طوق مترجمة العمل قالت لي عندما التقيتها قبل سنوات، إنها امرأة خرقاء، ولطالما كانت هذه هي صورتي عن نفسي، بيتر هاندكه يكتب عن الحزن، دون أن يظهر ذلك في النص صراحة، هنالك قدرة عالية على الإيحاء والإشارة للألم في اقصى صوره دون أن يكون ذلك مباشرًا وفجًا، بالطبع أحببتُ أعماله الأخرى التي قرأتها: "الشقاء العادي"، و"خوف حارس المرمى"، هذا الذي ذكرني بغريب كامو كثيرًا، اذ يقتل أيضًا بعادية، ويجد صعوبة بالغة في أن يشرح حتى مزاحه، فهو مساءٌ فهمه للأبد، وعندما تعطيه امرأة تركب بجانبه في الحافلة عملة معدنية سقطت من محفظته، يمسك بها في يده، ولأنه ينهمك في الحديث معها، لا تتسنى له فرصة إعادة العملة للمحفظة فتعرق يده، خجلًا محرجًا ومنتبهًا بالكامل لحديث الغريبة معه. أحبُ أنه لا ينتبه للقصة كثيرًا، هو يقول في حواراته أن القصة في كل مكان، لكن الرواية ليست "حدوتة" فقط، وهذا ما يعجبني. من كتابي المفضيلن كذلك غاستون باشلار، ولا أعتقد بأنني تجاوزت كتابه "جماليات المكان" منذ قرأته للمرة الأولى، ردمَ هذا الكتاب علاقتي بأحلامي، وبالمكان الذي نشأت فيه، لقد ساهم في أن يجعل هذه العلاقة الملغزة مثيرة، وقابلة للسؤال، ومنفتحة على التأمل. مؤخرًا أحببتُ ريموند كارفر، زيبالد، كارل أوفه كناوسغارد، ودائمًا أحببتُ بسام حجار.

  • هل تكتبين ملاحظات أو ملخصات لما تقرئينه عادة؟

نعم أفعل ذلك، وأشاركه مع الأصدقاء في حساباتي على التواصل الاجتماعي أو على مدونتي، ولطالما شككتُ في جدوى ذلك، أو في دافعي من وراء ذلك، لا أريد أن تكون علاقتي بالقراءة إلا مثالية، بالقدر نفسه الذي تكون فيه الصفحة بيضاء أمام واحد من كتابي المفضلين الذين ذكرتهم في السؤال السابق، لا أريد بها أن أنجح اجتماعيًا، ولا أن أبدو بمظهر حداثوي، ذلك يقتلني، ولا أعرف لماذا أفكر فيه، ربما لأني شخص متشكك، لكن كثيرًا من الرسائل تصل لي من الأصدقاء عن ما تمنحه مشاركتي هذه، ليس هذا فحسب، بصراحة أنا شخصية انفعالية، وعندما تستفزني جملة أو كتاب أريد أن أتحدث عنه في فضاء واسع، وكل أصدقائي يقرأون ذلك أن هذا هو الحديث الوحيد الذي أستطيع المشاركة فيه، والشعور بالألفة، وتفضيلاتهم للكتب، تعني لي كثيراً، لطالما قلتُ لهم بأنني الشخصية التي كتب عنها ساباتو في رواية "النفق"، عندما وقع في غرام فتاة، لأنها وقفت أمام إحدى لوحاته تحدق فيها باهتمام، بدا له أنها تفهم لماذا رسمها، وكيف فعل ذلك، أنا أحب الناس، لما يصرحون عنه حول علاقتهم بالكتب. هذا شكل من أشكال التواصل مع الآخرين، ويبدو أنه أكثر الطرق حنانًا. ملاحظاتي انطباعية غالباً، أتمنى لو أمتلك أهم من ذلك لقوله.

  • هل تغيّرت علاقتك مع الكتب بعد دخول الكتاب الإلكتروني؟

لا، أقتني كل الكتب التي قرأتها إلكترونيًا، لدي جهاز كندل، لكنني أحب أن أضع خطوطًا وملاحظات، أحيانًا  أكتب تعليقات ساخرة، أو بمن يذكرني ما أقرأه، هذا جزء من انفعالي، أرغب في أن أمد يدي وأن أمنح ذلك السيال العصبي، الذي يثيره جيش النمل، طريق حريره الحاد والواضح.

  • حدّثينا عن مكتبتك؟

لديّ مكتبة كبيرة في بيت العائلة في القرية، بعد أن أمضيت ثلاث سنوات في غرفة صغيرة، سقطت على رأسي الكتب ذات مرة وأنا نائمة، أعرف كم يبدو هذا مبتذلًا، لكنه حصل، ولأن الخواء هو ما أنتمي اليه، أريد مكانًا به فراغٌ، أكثر من رغبتي بمكان مزدحم حتى بشيء أحبه بل أحيا به، لذلك قررتُ أن أضع كل الكتب في مكتبة تتبعد عن مكان سكني مسافة 200 كيلو متر تقريبًا، وأحتفظ بكتب اسميها كتب "المرحلة" أحيانًا أضطر لشراء الكتاب مرة أخرى، عندما أحتاجه بسرعة، مكتبتي تضم عناوين في مواضيع عديدة، بداية بالجندر وكتب الميثولوجيا، والأدب. أنفق كل المال الذي أحصل عليه تقريبًا على الكتب، يزعج هذا أمي للغاية. خصوصًا وأنني لا أمتلك مالًا كثيرًا طبعًا.

  • ما الكتاب الذي تقرئينه في الوقت الحالي؟

أقرأ كتاب في "في أثر عنايات الزيات" لإيمان مرسال، و"ظفار ثورة الرياح الموسمية" لعبد الرزاق التكريتي. عنايات الزيات كاتبة مصرية انتحرت في عمر الخامسة والعشرين، بعد كتابتها رواية وحيدة نُشرت لها  بعد موتها بعنوان الحب والصمت، تتبع إيمان في هذا العمل الهامش الذي عاشت فيه عنايات في حياتها الشخصية وفي الكتابة، إيمان ساحرة، وتكتب كما لو أنها تتخلى عن كل الزوائد الشعرية، إذ إن الشعر في داخل اللغة، لا يرن كثيرًا في الخارج، تقول إيمان في بداية هذا العمل إنها عندما وجدت نعيًا لعنايات في جريدة الأهرام كانون الثاني/يناير 1967: "ذكرى المرحومة عنايات الزيات بقلوب عامرة بالصبر والإيمان تحيي الأسرة ذكراها اليوم التي لا تنسى بمدفن المرحوم رشيد باشا العفيفي"، وتزعجها هذه الصياغة وتتمنى مرسال لو تحرر هذا الإعلان بـ"تحيي الأسرة ذكراها التي لا تنسى، اليوم، بمدفن رشيد باشا بالعفيفي". أما كتاب التكريتي، فأنا لا أعرف شيئًا عن تاريخ بلادي إلا ما درسته في المناهج الدراسية كحال معظم أبناء جيلي، أشعر عند قراءته بأن لي امتدادًا ما، وأنني لم أنبثق فجأة، دون تاريخ، يقف عليه كل هذا الصمت المعروف عن بلدي، أفهم كثيرًا أشياء كثيرة عن هذا الصمت كلما تقدمت في القراءة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة محمد سامي الكيال

مكتبة مصطفى عباس