مكتبة آسيا شارني

مكتبة آسيا شارني

الشاعرة آسيا شارني

ألترا صوت – فريق التحرير

يخصّص "ألترا صوت" هذه المساحة الأسبوعيّة، كلَّ إثنين، للعلاقة الشخصية مع الكتب والقراءة، لكونها تمضي بصاحبها إلى تشكيل تاريخٍ سريّ وسيرة رديفة، توازي في تأثيرها تجارب الحياة أو تتفوّق عليها. كتّاب وصحافيون وفنّانون يتناوبون في الحديث عن عالمٍ شديد الحميميّة، أبجديتُهُ الورق، ولغته الخيال.


آسيا شارني شاعرة من تونس. تنشط في المجال الثقافي وقد أسّست صالون الزوراء الأدبي ونادي مطارحات ومقهى الشعراء. أعمالها الشعرية المنشورة هي: "رعشة الخزاف"، و"ملء الرواء"، و"أمد خطاي".


  • ما الذي جاء بك الى عالم الكتب؟

أحيانًا تكتشف نفسك بين الأشياء التي أحببتَها والّتي لم تحب، وأحيانًا تجد نفسك في الأمكنة الّتي خططتَ لأن تكون فيها أو لا تكون، وأحيانًا تختارك المواقف ولا تختارها، تتداخل من حولك الأشياء فتقتادكَ إلى خلاصةِ ما ترسّب بداخلك من تجارب حياتية. هي طفلة تسكن مدينة صغيرة في الشّمال الغربي للبلاد التونسية، لا منصّات للتّواصل الاجتماعي ولا هواتف ذكيّة، تفتح بابًا لا تعرف ما وراءه سوى رغبتها الملحّة في الاكتشاف.

كانت روايات عبير أولى الكتب الّتي لمستُها، وبتّ بعد ذلك شغوفة بالسّلسلة كلّها، ثم نمت داخلي غابة كتب لتصبح بعد أربعة عقود ونيف بابًا آخر للكتابة. تلك الطفلة كانت آسيا شارني لم تخطط يومًا إلى أن تكون مسبحة قراءاتها بابًا مشرعًا لمشروع عظيم وهو مشروع الكتابة. الآن وأنا أحضن كتبي فهمت معنى أن تقرأ بعين سداسية الأبعاد تلك القراءات التي أصبحت مسارًا ضاجا لحتمية الكتابة. لا أعرف كيف جئتُ إلى عالم الكتاب لكنني استفقت على وعي كبير بأهمية القراءة التي كلما ابتعدتُ عنها أصابني الفقد وأحسست بهذا العطش الذي يسكن روحي

  • ما هو الكتاب او الكتب الاكثر تأثيرًا في حياتك؟

كل الكتب التي قرأتها العرجاء منها والشاهقة المعنى والمبنى والسياقات كانت فرصة للبحث عن الحقيقي في مغامرة القراءة، التي تستكثر عليك رفّة عينك مخافة الخذلانها بين السطور. كل الكتب التي قراتها وضعت أوزارها فيَّ، فكنتُ كالبحر الذي ينتظر في كل مرّة انهمار العناوين كي تسيل أنهارها في عروقي. عديدة هي الكتب التي تركت مذاقًا لذيذًا بعد قراءتها، وعديدة هي الكتب التي صنعت الاختلاف، أذكر أنني حمّلتُ كتاب "قواعد العشق الأربعون" للكاتبة التركية إليف شفق من الإنترنت، وهي قصة تتداخل فيها الأزمنة فتنطلق من حياة امرأة رغبت في استعادة نفسها بعد أن عاشت السلبية والروتين، فبدأت في البحث عن عمل يسند رغبتها في الانعتاق من الموت الفكري اليومي، حتى أتيحت لها فرصة نقد كتاب يتحدث عن تجربة ضاربة في القدم، وهي تجربة جلال الدين الرومي وشمس الدين التبريزي. وتنطلق القصة لتحملنا إلى عالم الدراويش الذي نرى من خلاله عين الحكمة التي تحيلك إلى ترتيب نفسك من الداخل، ففي رحلة بحثك عن الحبيب "الله" تعرف نفسك حيث يذيب العشق كل الحواجز وكل اللغات، ويدعونا الى التخلي عن معناها الظاهري والاكتفاء بالصمت حيث المعنى الحقيقي والأعمق.

"إن السّعي وراء الحب يغيّرنا، فما من أحد يسعى إلى الحب إلا وينضج اثناء رحلته" يقول شمس الدين التبريزي.

نعم أحسست بعد قراءة هذا الكتاب بهذا التغيير وهذا العمق ودخلت مرحلة الاشتغال على النفس وتغييرها من الداخل، فالعشق الذي غيّر جلال الدين الرومي من فقيه إلى شاعر مسّني أيضًا، لقد فُتنت بتلك التجارب الحياتية التي عاشها جلال الدين مع صديقه شمس الدين التبريزي، وبعلاقة الصداقة التي جمعتهما والتي بغيابها انفطر قلب الشاعر.

كتاب" قواعد العشق الأربعون" كتاب الذات التي تبحث عن ذاتها وعن نورها الجواني، وهو كتاب إنساني بامتياز.

  • من هو كاتبك المفضل ولماذا أصبح كذلك؟

كل الكتّاب لهم وقعهم في حياتنا مهما كانت قيمته، لكن لمحمود درويش مكانته الخاصة عندي هو الذي كلما قرأته صنع عذوبة لا مثيل لها، هو الذي يفرش اللغة على بساط الحلم كي نمرّ وكي تتكور القصائد كقطع الحلوى في فمي، هو الذي يُربكني بصوره الشعرية التي تشعرك بحالة الركض وراءها كي تتلّمسها بكل نعومة، نعم أنا عاشقة لما كتب درويش وأردد دائمًا ما قاله لوركا: "لا يحتاج الشعر إلى بنائين مهرة بل إلى عشاق".

  • هل تكتبين ملاحظات او ملخصات لما تقرئينه

هي ليست ملخصات بقدر ما هي إحالات على قراءات أخرى، أو هي مسوّدات لكتابات أخرى فكلّما قرأنا فتحنا نوافذ جديدة نطلّ منها على ذوات كاتبة أخرى تساعدنا على السعي في اتجاهات عديدة، فلطالما كانت الملاحظات التي أكتبها بداية لدراسات أخرى، وأحيانًا كانت موضوع مطارحة جديدة مع الأصدقاء كنا كلما التقينا سقتُ هذه الملاحظات لتكون نقطة البداية لنقاش.

  • هل تغيّرت علاقتك مع الكتب بعد دخول الكتاب الإلكتروني؟

في البداية كان من الصعب قراءة الكتاب إلكترونيًا، فكنت أعمد إلى استخراجه ورقيًّا كي أستطيع قراءته على مهل، لكنني ومع مرور الوقت تعودت فأصبحت عندي مكتبة إلكترونية محترمة عوضت نقص الكتب في مكتبتي بالبيت، ومع ذلك لم أتخل عن الكتاب الورقي لأمرين هامين؛ الأول هو أن هذه الأرواح التي تقاسمني البيت كانت حاضرة على الدوام فكلما رغبت في العودة إلى كتاب ما إلا ووجدته في انتظاري؛ والثاني أنني أضطر إلى إعدام بعض الكتب الإلكترونية لتنزيل كتب جديدة، فذاكرة الحواسيب لا تتحمل هذا الكم الهائل من الكتب المنزلة، لذلك فالبون شاسع بين أن يستمر الكتاب الورقي بمكتبتك وأن يعدم الآخر فقط ليعوضه كتاب جديد، لذلك فعلاقتي بالكتاب الورقي أبدًا لم تتغير، ودخول الكتاب الالكتروني كان مكملًا مهمًا للفراغات بمكتبي.

أحيانًا تحول الجغرافيا بيننا وبين بعض الكتب الورقية، وينجح الكتاب الالكتورني في حل هذا المشكل.

  • حدثينا عن مكتبتك.

في البداية كانت قراءاتي متداخلة فكنت أقرأ كلّ ما يقع بين يديّ من كتب ومجلات، وخاصة الكتب التي تخص برنامج البكالوريا، ثمّ توطدت علاقتي بالكتب فأصبحتُ أميل إلى قراءة الشعر والدراسات النقدية، فكانت مكتبتي ترجمة لكلّ هذه التوجهات. خصصت زاوية للشعر وأخرى للسّرديات، وكان للمجلات والدراسات النقدية المكان الأوفر في مكتبتي، ثم أأهديت تلك المكتبة المتواضعة إلى أخي الأصغر ورغم توجهه العلمي إلا أنه كان شغوفًا بالقراءة، وبعد انتقالي الى مدينة سوسة وبعد استقراري في بيتي بدأت من جديد، فكانت كتب الأصدقاء هي أساس البناية، أي مكتبتي، وهي الآن حصني الذي يحميني من الغرق في بحر الوحدة .

  • ما الكتاب الي تقرئينه في الوقت الحالي؟

هو كتاب سيري لشارلز بوكوفسكي تحت عنوان "نساء"، وهو كتاب ترجم تجارب الشاعر الحياتية الى قصائد، يسلط الضوء على شغف بوكوفسكي بالنساء دون اهتمام كبير بأخلاقهن ولا أعمارهن، ولا بما يحملنه في أدمغتهن، فقط كلما التقت الخمرة بالنساء إلا وكان الجنس حاضرًا وهو إنذار بميلاد نص شهي بتفاصيله المذهلة وبسرديته الرائعة. من يقرأ الكتاب بعين الأخلاق لن يرى جمالية ما كتب بوكوفسكي، فقط علينا اكتشاف فنيات الكتابة ومن ثمّ التعرف على شارلز هذا الإنسان الشاعر الذي ما انفك ينفق وقته على ممارسة الجنس وفعل الكتابة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مكتبة عبد المالك أشهبون

مكتبة تحسين رزاق عزيز