مكتبات الموتى.. إلى الرصيف سر

مكتبات الموتى.. إلى الرصيف سر

بائع كتب على أحد أرصفة عمان القديمة (الترا صوت)

إنشاءُ مكتبة شخصية حلم لا يتحقق لصاحبه بيسر، ولا هو مشروع قد ينجز بعامٍ ولا حتى بأعوام، بل هو هاجس يسكن صاحبه، هاجس جمع الكتب واقتنائها الذي يستغرق العمر ولا يتم، لتجيء لحظة باردة تعدم بها الزوجة أو الابن أو المؤسسة هذا الإرث الثقافي والإنساني، دون أدنى اكتراث لخصوصية هذه الكتب التي هي بمثابة هوية ثقافية وبوصلة تقود إلى فكر صاحبها وتجربته، وتفاديًا لهذا المصير شرع كثيرون من أصحاب المكتبات، في حياتهم، إلى توزيعها كأن يهبوها للمدراس والمنتديات، أو حتى للأصدقاء، ومنهم من سعى لفرض علاقة بين مكتبته وبين أفراد أسرته، وآخرون لم يلتفتوا إلى ذلك لكن هل هذا المصير هو الأمثل؟ وهل هذه المؤسسات تقدر الكتاب؟

علينا أن ننشئ المكتبات في عقول الآخرين

الكاتب والناقد معاذ بني عامر يعتبر اقتناء الكتب أمرًا منسجمًا مع مقتضيات الشخصية العربية التي تسعى إلى السباحة في النهر الهيراقليطيسي بالماء ذاته مدى الحياة، إلى درجة التأكسد والتحلّل، لذلك فهو يتجنّب هذا الموت السرِّي، عبر إهداء كتبه بمجرد انتهائه من قراءتها، ويسعى إلى أن تكون مكتبته الشخصية في عقول الآخرين، لا على الأرفف المليئة بالغبار.

وفي السياق نفسه يقول بني عامر "في حالة إنشاء مكتبة في عقول الآخرين سيكون المرء قد انتقل من فكرة السكون إلى فكرة الحركة والماء الدافق الذي يمكنه تشكيل المصبّ العظيم، فمن الخطأ أن يتمّ حبس جثّة الكاتب على رفّ خشبي ودفنه مرة أخرى، بعد أن كافح طويلاً ليتحايل على شرط فنائه وموته، بالبقاء الأبدي عبر منتج معرفي يحلّ في أذهان كثيرة وأزمان عديدة".

ويضيف "إذا كان لي أن أشبّه قراءاتي بـِ جَمَل كبير، فالكتب الموجودة حاليًا في البيت هي بحجم قطّ صغير، وبلا شكّ أن أول المستفيدين من هذه الكتب هم أفراد أسرتي الصغيرة، وإن لا زال ارتباطهم بالكتاب كأي أسرة عربية أخرى، فالكتاب كائن غريب بالنسبة إليها وعلى آخر سلّم اهتماماتها الحياتية، لكني أسعى إلى تكبير أسرتي المعرفية من خلال شبكة كبيرة أهديها كتبي، حتى لو لم تكن تربطني بها أية معرفة مسبقة".

وحول المصير الذي الذي قد تواجهه مكتبته، يلفت بني عامر إلى أنه يعمل جاهدًا على أن لا تتنكّر له أسرته ساعة موته، كما تنكّر لهم وهو على قيد الحياة، إذ التهم مساحات البيت في تأسيس مكتبة مليئة بالغبار. ويرى أن ثمة عجز آخر يتحرّك فيه المثقّف العربي ضدّ نفسه على مستوى اللاوعي، ففي الوقت الذي يعلو فيه صراخه، مثل حيوان جريح، لناحية تحويل الثقافة إلى خبز يومي، يمكنه، في تناقض صارخ، أن يحتفظ بكتابٍ لـِ 50 عامًا لغاية اقتباس شذرة صغيرة منه في بحث علمي قد يتوقف عليه مصير البشرية.

كيلو  الكتب بنصف دينار على أرصفة عمان

الكاتبة والقاصة هند خليفات تصف مكتبتها التي تمتد على واجهة غرفة من البيت، بأنها ليست مصنفة لكنها تعكس نمط حياتها الذي تشكل فيه الفوضى مكونًا رئيسًا، تعكس هذه الفوضى نمط القراءة الذي تتبعه حيث تقرأ كل ما يقع في مرمى دهشتها.

وحول مصير هذه المكتبة تقول خليفات "فكرت في هذا الإرث منذ وفاة والدتي مؤخرًا، ماذا سأورث من بعدي؟ فكانت هذه المكتبة التي فيها كثير من الإهداءات الموسومة بتواقيع كتابها وأيضًا كتب جمعتها من عواصم زرتها.. أتمنى أن تكون هذه الفقرة جزءًا من وصيتي، فأوصي أن تذهب جميع كتبي لمكتبة في قرية نائية من قرى جنوب الأردن".

وعن المؤسسات الثقافية في الأردن تؤكد على أنها مؤسسات يقتلها النسق الإداري الكلاسيكي، وأنها تفرط في مجموعة كتب ليست من بين اهتماماتها.. وترى أن الجمهور الحقيقي للكتاب هم الناس الذين قاطعتهم المؤسسات المدنية والثقافية التي تتركز في المدن الكبرى. وبالنسبة لها، الجياع والكادحون هم الورثة الأحق للمكتبات فالكتاب يمنحهم تذكرة مجانية لحياة أخرى.

أما الشاعر والكاتب السوري أحمد قطليش المقيم في الأردن يسرد قصته مع مكتبته وموقف أسرته منها "المكتبة الأولى التي حظيت بها كانت في الثانوية العامة، حيث كان أهلي يكرهون الكتب وكنت أدخلها خلسة إلى البيت واحتفظ بها في صندوق الكنبة في غرفتي، لكنني قبل أن أنهي الثانوية العامة قمت بصنع مكتبة صغيرة بيدي وعلقتها في الغرفة ووضعت فيها الكتب كتحدٍ صغير بيني وبين أهلي، بعد ذلك كبرت المكتبة والجدير بالذكر أن غالبية الكتب التي كنت أقتنيها اشتريتها من تحت جسر الرئيس حيث بسطات الكتب المستعملة والقديمة، وخصيصاً تلك التي كانت مطبوعة أيام الاتحاد السوفييتي من داريْ "مير" و"رادوغا" وغيرهما. إضافةً إلى الكتب التي كنت أخزنها من معرض دمشق الدولي كل عام".

وفي السياق نفسه يضيف قطليش "الغريب في الأمر أني لم أمتلك مكتبة ضخمة قط، فمع المشاحنات السابقة مع الأهل بسبب الكتب، أصبحت عندي ردة فعل أنني كنت أهدي الكتب دائمًا لمن يودها. وأحتفظ بالنسخ القديمة أو النادرة أو تلك التي بيني وبينها علاقة ما، إلا أن هذه المكتبة المنتقاة أصبحت في المجهول بعد لجوئي للأردن حيث تشكلت لدي مكتبة جديدة هنا على مدى عامين ونصف من اللجوء".

وعن علاقته مع الكتاب بعد تجربة اللجوء "في هذه المرحلة أصبحت أكثر لؤمًا تجاه الكتب حتى أنني في بعض الأحيان أرفض إعارتها، وان أراد أحدهم كتابًا ما أقوم بشراء نسخة جديدة له وأحتفظ بكتبي لنفسي، إلا أن هذه المكتبة أيضًا قد يصبح مصيرها إلى زوال مع هجرةٍ أخرى قد أقوم بها".

وردًا على سؤال إن كان شهد مكتبة تعرضت لحادثة مأساوية من قبل الورثة "في سوريا والأردن شهدت ثلاث حالات بيع مكتبات شخصية بسبب وفاة صاحبها، ما يجبمع هذه المكتبات أنها كبيرة وممتلئة بالمجلدات الدينية التي تكلف أصحابها الكثير، إلا أن إعادة بيع هذه الكتب كانت تتم بأسعار بخسة جدًا لعدم رغبة الكثيرين باقتنائها، والعائلات الوارثة الثلاث أرادت بيع هذه المكتبات لأنها تريد أن تستغل مكان وجودها!".

في لقاء مع أحد باعة الكتب على أرصفة الشوارع يقول نبيل قاسم وهو يشير إلى جانب من كتبه "هذه الكتب أبيعها بالثمن الذي يريده المشتري فقد تحصلت عليها من ورثة دون أن أدفع لهم ثمنًا، أو يدفعون لي أجرة تخليصهم منها رأسًا برأس، كما يقال، تمامًا كما يفعلون حيال قمصانه وأحذيته. بعض الكتب التي أمامك نشتريها بالكيلو من مطاحن الورق وبصدق لا نعرف كيف وصلت إلى هناك". 

وأضاف وهو يشير إلى الطرف الآخر من الكتب، وأغلبها تحمل إهداءات من مؤلفيها إلى مؤسسات أهلية ورسمية ثقافية كبرى، "هذه الكتب أمرها مختلف، هذه أدفع ثمنها، لذلك لن تحصل عليها بالثمن الذي أطلبه في الكتب السابقة".

اقرأ/ي أيضا:

مكتبات الآخرين

الشعراء الانقلابيون