مكاوي سعيد: أنا كاتب كسول ومزاجي

مكاوي سعيد: أنا كاتب كسول ومزاجي

الروائي مكاوي سعيد

"يجلس في الظل ويجذب الأضواء" هذا هو حال الروائي المصري مكاوي سعيد، رجل بسيط هادئ الطباع، يعمل في صمت وتبصّر حالم دون أن ينشغل بالأضواء الزائفة وضوضاء الأوساط الثقافية والإعلامية، تجده منزويًا في ساعات الصباح الباكر بشكل شبه يومي في مقاهي وسط القاهرة الشعبية، يتابع الأخبار من حوله دون أن يبدي رأيه، يكمل أعماله المنتظرة، يتشارك الحوار مع أصدقاء الماضي أو شباب الحاضر، إذا سُئل لا يبخل، وإذا أجاب لا يضن.

لا يضع مكاوي سعيد مخططًا لحجم الرواية، فالكاتب لا يعمل في "محل بقالة"

تحاورنا مع مكاوي سعيد حول الأوضاع الثقافية والأدبية في مصر والوطن العربي، وحول تجربته الحياتية والأدبية، حاولنا معرفة الكواليس والعوالم الخلفية في حياة أحد أهم الروائيين المصريين المعاصرين.

"أن تحبك جيهان".. تحديات وتخوفات

نُشرت روايته "أن تحبك جيهان" منذ قرابة العامين، ولاقت نجاحًا لافتًا في الأوساط الأدبية، وأوساط القراء الذين ظلوا سنوات ينتظرون عملًا روائيًا جديدًا لصاحب "تغريدة البجعة"، جاء حجم الرواية كبيرًا فقد تجاوزت السبعمئة صفحة ما مثل تحديًا أدبيًا يُقدّم عملًا مميزًا بهذا الحجم، خاصة أن القارئ المصري والعربي اعتاد على الأعمال الروائية متوسطة الحجم، ومثلت الرواية أيضًا تحديًا آخر من ناحية الحسابات التجارية لدار النشر.

اقرأ/ي أيضًا: "أن تحبك جيهان".. مجتمع على الحافة

يقول مكاوي سعيد أنه عندما يكتب لا يضع مخططًا لحجم الرواية، فالأديب لا يعمل في "محل بقالة" لكي يكتب عملًا قصيرًا لأن القرّاء يريدونه قصيرًا، "أنا اكتب موضوعًا يشغلني عن أشخاص وعوالم وحيوات، إن انتهى الموضوع في 900 صفحة؛ كان بها، وإن انتهى في 90 صفحة؛ تكون مهمتي انتهت، ما يشغل بالي حقًا هو تقبّل الجمهور لهذا الحجم في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وغلاء أسعار المعيشة، وبالطبع غلاء أسعار وسائل الطباعة كافة، دار النشر تفهمت هذا الأمر وعرضت أن تكون الرواية على جزئين منفصلين، ولكني رفضت الفكرة، فأصروا على نشرها مما عكس لدي ثقتهم في العمل المقدّم وفي جمهور القرّاء، ثم تم الاتفاق على أن تكون الطبعة الأولى 3000 نسخة وليس 1000 نسخة كما هو متعارف، وذلك تقليلًا للتكلفة وتقليصًا للنفقات".

وسألنا مكاوي سعيد لماذا لم يفكر في تقليص حجم الرواية، فأجاب بأن "رواية "أن تحبك جيهان" تتناول فترة حساسة للغاية من تاريخ مصر مليئة بالأحداث والمتغيرات، وهي السنة الأخيرة من حكم مبارك وحتى أحداث موقعة الجمل إبّان ثورة 25 يناير، وبالتالي أي محاولة اختصار تعتبر بمثابة خيانة للرواية".

ويذكر مكاوي سعيد أنه قابل شابًا من جمهوره قبل نشر "أن تحبك جيهان" وطالبه الشاب بكتابة رواية جديدة، فلماذا هذا التوقف الطويل، فأبلغه مكاوي سعيد بعمل جديد قريبًا جدًا، فطلب منه الفتى ألا تقل الرواية عن 700 صفحة، فتعجب مكاوي سعيد رد الشاب وسأله عن السبب، ليجيب أنه لم يقرأ عملًا جيدًا منذ فترة طويلة، فكان هذا الموقف أقرب إلى البشرى الحسنة، كما يقول مكاوي سعيد، وبالفعل انتهت الطبعة الأولى البالغ عددها 3000 نسخة خلال شهرين فقط.

وبلفت الأنظار نحو رفض مكاوي سعيد لفكرة الكتابة لما يرضي الجمهور، يقول موضحًا إن هذه النوعية من الكتابات تكون في بداية الرحلة، فيبدأ الكاتب بالتعرف على جمهوره واختياره، وصحيح أن طموح أي كاتب أن يكتسب شريحة أكبر من القرّاء، ولكن الكاتب يجد أمامه طريقين، إما أن يكتب أعمالًا تتمتع بأساليب الجذب والإغراء وتتفق بشكل كبير مع أمزجة القرّاء، وقد تصل به تلك الأعمال لأن يكون كاتبًا من ضمن قائمة "الأكثر مبيعًا" في المكتبات، أو أن يختار الطريق الآخر، وأن يكون كاتبًا له جمهور يحترمه ويحترم أعماله الأدبية ويعرف كيف يجده، حتى وإن لم يكن "الأكثر مبيعًا".

ويرد مكاوي سعيد عن بعض الانتقادات المتعلقة بالسرد الزائد والتي وجّهت إلى رواية "أن تحبك جيهان" ويقول: "هؤلاء نقاد وليسوا كتابًا احترافيين، فبأي مقياس تحكم على احتواء العمل على سرد زائد؟ أنا روائي لا أكتب كلمة مجانية، ولكن هناك أجزاء تحتاج إلى شرح وتوصيف، فمثلًا غالبية الشعب المصري لا يعرف طبيعة الفن التشكيلي، فإذا تحدثت عن الفن التشكيلي في روايتي أو عن فنان تشكيلي بعينه، فمن الواجب أن يزيد الوصف ويصبح تفصيليًا حتى يفهم القارئ ما المقصد بالتحديد، لا أكتب تقريرًا صحفيًا ولكنه عمل أدبي متكامل".

"تغريدة البجعة".. تميمة الحظ

"تغريدة البجعة" هي رواية مكاوي سعيد التي رُشحت للفوز بجائزة "البوكر" العربية في نسختها الأولى عام 2008 ووصلت حتى القائمة القصيرة للجائزة التي تضمنت 6 أعمال روائية، وفاز الروائي بهاء طاهر بالجائزة الأولى عن روايته "واحة الغروب".

تعتبر "تغريدة البجعة" النقطة الفارقة في حياة مكاوي سعيد والنقلة الأدبية الأهم

تعتبر رواية "تغريدة البجعة" النقطة الفارقة في حياة مكاوي سعيد والنقلة الأدبية الأهم، ولا ينفي أنها النقلة الأهم بل أطلق عليها "تميمة الحظ".

اقرأ/ي أيضًا: قاهرة مكاوي سعيد

بعد الرواية الأولى لمكاوي سعيد بعنوان "فئران السفينة" التي نُشرت في عام 1991، ابتعد قليلاً عن الكتابة الروائية، وانشغل أكثر بالقصة القصيرة، ثم ابتعد تمامًا عن الكتابة وعمل محاسبًا في فترة من عمره، ثم مدير توزيع لإحدى شركات التوزيع السينمائي، حتى استقال مكاوي سعيد من عمله في المحاسبة وتفرّغ للكتابة الأدبية، وتلك الفترة حسب وصفه كانت فترة اكتئابية، وهي الفترة المرتبطة برواية "تغريدة البجعة" ويمكن للقارئ أن يمس الجو الاكتئابي بكل وضوح داخل أحداث الرواية.

يقول مكاوي سعيد إنه كان مترددًا للغاية في نشر الرواية بعد الانتهاء منها، وفضّل أن يضعها في منزل الأهل على أن تُنشر بعد وفاته! ثم تخوف مكاوي سعيد من إمكانية ضياعها أو أن تُباع بسعر بخس لبائعي "الروبابكيا"، ولذلك اتخذ قرار النشر بالتعاون مع دار "الدار" التي كان شريكًا فيها، وطلب من شريكه بالدار أن تكون الطبعة الأولى 2000 نسخة، وفوجئ برد الفعل السريع، فأبلغه شريكه بأن جميع نسخ الرواية بيعت بالكامل بعد مرور 15 يومًا فقط، بدون أي نوع من أنواع الدعاية أو كتابات النقاد!

ويضيف مكاوي سعيد "لمست النجاح بنفسي عندما شاهدت أشخاصًا بمترو الأنفاق يقرؤون الرواية بجانبي، فذهبت مرة لأحدهم وسألته ماذا يقرأ فلم يعرني اهتمامًا بسبب انشغاله، ومرة علمت بأن مكتبة البلد حديثة العهد تطلب عددًا كبيرًا من النسخ، فذهبت لأتحرى الأمر بنفسي، فرأيت شابًا يطلب الرواية بإلحاح وسألته إن كان قرأها، فقال لي أنه لم يقرأها بعد، ولكنها ترشيح من أحد أصدقائه، وهو قادم لشرائها خصيصًا، فسألته عمّاذا تدور الرواية وماذا أخبره صديقه، فقال إنها قصة حقيقية لأحد الأشخاص الذي يتخذ قرار الانتحار وما سواه.. صُدمت برده وانتابتني السعادة كون موضوع الرواية صادقًا للدرجة التي ظن البعض أن القصة حقيقية على الرغم من كونها من خيالي، صحيح أن بها أجزاء حقيقية لكن الخطوط الرئيسية وخط سير الأحداث والبناء الدرامي من خيالي".

يعتبر مكاوي سعيد روايته "تغريدة البجعة" ذات فضل كبير عليه، فقبل "البوكر" لم يكن معروفًا بالشكل الكافي في البلدان العربية، ولكن بعدها صار معروفًا عربيًا بشكل أفضل، وارتفعت أعداد الطبعات والمبيعات لأعماله الأدبية، "وانهالت بعدها العروض من دور النشر لكي أتعاقد معهم على عمل جديد، ولكني أرفض فكرة التعاقد على عمل لم أنتهِ منه".

"تغريدة البجعة" كُتبت مرتين!

انتشرت محال استئجار الحواسيب لاستخدام الإنترنت وما سواه، في الفترة التي كُتبت بها "تغريدة البجعة"، ويوضح مكاوي سعيد أنه اتفق مع أحد الشباب أن يكتب ما يمليه عليه بمقابل مادي، وكان المخطط الأول أن تكون الرواية 22 فصلًا، ثم عكف مكاوي سعيد على كتابتها قرابة العام ونصف العام حتى وصل إلى الفصل السابع عشر، وبعدها سافر فترة إلى الإسكندرية وعندما عاد كانت الطامة، لم يجد الشاب الذي كان يكتب له، ووجد شخصًا جديدًا يعمل بالمحل والذي مسح جميع البيانات القديمة على الأجهزة وأضاع السبعة عشر فصلًا! يقول إنه تشاجر مع مالك المكان وكان رد فعله غبيًا حيث أنه عرض عليه "وقتًا مجانيًا" لاستخدام الحواسيب كتعويض عن المواد التي مُسحت، وبعد هذه الحادثة قرر مكاوي سعيد ألّا يكمل روايته.. فما الذي يجعله يعيد صياغتها مرة أخرى؟

مكاوي سعيد: أنا من أصل صعيدي، لكنني لا أكتب عن الصعيد لأني لا أعرفه بالشكل الجيد

يقول مكاوي سعيد: "كان لدي صديقة ظلت تلح عليّ لمدة خمسة أشهر بأن أعيد كتابة الرواية، حتى خضعت لطلبها وبدأت في كتابتها مرة أخرى من البداية، وكان هناك دافع آخر، حيث إنني عملت فترة مع أطفال الشوارع وكتبت 22 فيلمًا تسجيليًا عن حياتهم، وكان حلمي أن أكتب فيلمًا عن أطفال الشوارع وأقوم بإخراجه، ثم ألقت الشرطة المصرية على عدد كبير من هؤلاء الأطفال ومنهم عدد ممن كنت أحادثهم وأسعى للتصوير مهم، فصار من الصعب تصوير حكاياتهم وتوثيقها، فقررت إعادة تشكيل تلك الروايات ومزجها بداخل الرواية، وكانت الأجزاء التي تناولت فيها حيوات أطفال الشوارع بالرواية أحد أهم أسباب النجاح".

اقرأ/ي أيضًا: فكرة توفيق الحكيم وأسلوب نجيب محفوظ

هل تتدخل الحسابات التجارية والجغرافية في جائزة البوكر؟

انتشرت الأقاويل في الأوساط الأدبية في السنوات الأخيرة حول حسابات أخرى تتحكم في الجوائز الأدبية الكبرى مثل جائزة البوكر العربية غير جودة العمل، كالحسابات التجارية والجغرافية وضرورة مشاركة الدول المختلفة، وأن تقدم الجائزة في كل عام إلى دولة غير السنة الماضية، سألناه عن رأيه إذا ما لاحظ حسابات غير أدبية تتدخل في توجيه الجوائز.

يقول مكاوي سعيد: "بكل تأكيد، تدخلت حسابات أخرى غير الحسابات الأدبية مؤخرًا، ولكن في النسخ الأولى من البوكر لم تكن تلك الحسابات موجودة، وكان التحكيم جيدًا ومنصفًا، بدليل وجود خمسة أشخاص غير مشهورين من أصل 6 روائيين في القائمة القصيرة، فالنسخة الأولى من البوكر لم يكن أحد منّا معروفًا بشكل واسع غير بهاء طاهر، بعد ذلك بدأت الحسابات الأخرى في الظهور، فمثلًا كان هناك هجومًا من دول شمال أفريقيا بسبب عدم ترشح روائيين من بلادهم، أرجو أن يعلم الجميع أن المسألة ليست جغرافية، فكنت أتمنى مثلًا أن يكون المرشحون الستة من مصر أو من السودان أو من ليبيا، فلا بد أن تكون جودة العمل هي الحاكم الأساسي والبوصلة لتوجيه الجوائز وليس الحسابات الجغرافية أو التجارية".

ويشير إلى أن البوكر تسببت في ارتفاع مبيعات الروايات المرشحة بشكل مهول، ومن هنا تدخّلت الحسابات التجارية لدور النشر، وبالتالي بدأت الدول ودور النشر في التنافس من أجل أن يكون لها أعمال في المسابقة، "ولكن في البداية لم نكن نعلم أصلًا ما هي البوكر؟ لدرجة أنني أرسلت روايتي وتناسيت الفكرة حتى فوجئت باتصال يخبرني بترشحي للقائمة القصيرة!".

القصة القصيرة مظلومة في العصر الحالي

عبّر مكاوي سعيد عن حبه للكتابة للأطفال، رغم أنها كتابة غير مجزية ماديًا، وكذلك حبه للقصة القصيرة، وأن لديه 7 مجموعات قصصية فازت أغلبها بجوائز عدة، ولكن في العصر الحالي يقع التركيز الأكبر على الرواية، حتى أن القرّاء يطلبون منه كتابة الروايات باستمرار، فيجد مكاوي سعيد أن أدب القصة القصيرة مظلوم، على الرغم من أن هذا الزمن من المفترض أن يكون زمن القصة القصيرة وليس الروايات، ولكن ما يحدث هو العكس تمامًا.

ويشير إلى أن مجموعته القصصية "ليكن في علم الجميع سأظل هكذا" كُتبت قبل "تغريدة البجعة"، وقُدّمت للنشر في "الهيئة المصرية العامة للكتاب"، وظلت المجموعة ثلاث سنوات، ثم نُشرت بعد ترشحه للبوكر.

الارتباط المكاني والنفسي

نلاحظ النظرة السوداوية الكئيبة في أعمال مكاوي سعيد، والنهايات غير السعيدة، فالروايات الثلاثة مليئة بالصراعات الاجتماعية والمآسي الإنسانية، ونلاحظ كذلك الارتباط المكاني بمنطقة وسط القاهرة الجلية في كل الكتابات، فيفسر بأن الشخصيات المعقدة المليئة بالصراعات هي شخصيات مغرية للكتابة ومحرّكة لرغبة الكاتب، كما أنه محب للأماكن، وأغلب أبطاله يعيشون في منطقة وسط القاهرة، وسنجد هذا الارتباط أيضًا في أعمال نجيب محفوظ على سبيل المثال.

لم يتلق مكاوي التقدير الأدبي والمادي المناسب قبل "تغريدة البجعة"، لكونه كاتبًا كسولًا ومزاجيًا

يقول مكاوي سعيد: "أنا من أصل جنوبي صعيدي، لكنني لا أكتب عن الصعيد لأني لا أعرفه بالشكل الجيد، وإنما أعرفه كزائر أو سائح، فعيب البعض ممن يكتبون عن وسط القاهرة، أنهم يكتبون من نظرة السائحين، إنمّا في تغريدة البجعة تجد عوالم وسط البلد التحتية، كأن يعيش أطفال الشوارع خلف النادي الدبلوماسي الذي يرتاده أرقى الطبقات الاجتماعية المصرية".

اقرأ/ي أيضًا: محمد ربيع.. ما حدث في يناير انتهى

مظلوم أدبيًا؟

لم يتلق مكاوي سعيد التقدير الأدبي والمادي المناسب قبل "تغريدة البجعة"، ويُرجع ذلك إلى كونه كاتبًا "كسولًا ومزاجيًا" حسب تعبيره، فيظل يعمل على رواية واحدة بالخمس سنوات، في الوقت الذي يكتب آخرون روايتهم في شهرين أو ثلاثة ودون حتى أن يراجعوها، ويوضّح أن الأمر لا يحسب بهذا الشكل، وأن الأعمال الأدبية ليست بالكم، "فلو كان الأمر يُحسب هكذا، لكتبت عددًا مهولًا من الروايات، ولفصّلت ثلاثة روايات من تغريدة البجعة، وخمسة روايات من أن تحبك جيهان، ولكن هذا المفهوم المتبع ليس من طباعي".

دوستويفسكي: إله الرواية والأب الروحي

يخبرنا مكاوي سعيد ويقول: "قرأت أغلب الأدب الروسي وأحبه بشدة، وأعتبر دوستويفسكي هو إله الرواية والأب الروحي للرواية العالمية، وعندما قرأت مذكرات زوجته علمت بأننا مرفهون مقارنة بما عاناه في حياته، شخص مريض بالصرع ومفلس ومطارد، ورغم ذلك كتب لنا هذه الأعمال العظيمة، قرأت في الأدب الروسي ليو تولستوي، وأنطون تشيخوف، ومكسيم غوركي، ونيقولاي غوغول، قرأت كذلك أعمال الكتاب العالميين المعروفين من الأمريكان والإنجليز وغيرهم، أمّا الكتاب المصريون والعرب ممن تأثرت بهم، فهناك نجيب محفوظ، والطيب صالح، ويوسف إدريس، ويحيى حقي، ومحمد عبد الحليم عبدالله، وأمين يوسف غراب، وكتابات طه حسين وتوفيق الحكيم، وحقبة كتاب الستينات كمحمد البساطي، وجمال الغيطاني، وإبراهيم أصلان، وخيري شلبي".

"وفي نفس الوقت كان هؤلاء الكتاب من دعموني، فجائزتي الأولى في الرواية كانت جائزة سعاد الصباح في عام 1992، وكان أعضاء لجنة التحكيم، الطيب صالح وجمال الغيطاني وسمير سرحان، فكان أمرًا جللًا عليّ أن أفوز بجائزة من تحكيم كتّابي المفضلين".

مشاريع ترجمة أعماله

وضّح مكاوي سعيد أن مجموعاته القصصية تُرجمت بالفعل إلى عدد من اللغات كالإنجليزية والفرنسية والألمانية والكرواتية، وكذلك تُرجمت "تغريدة البجعة" إلى الإنجليزية، وهناك عرض حاليًا للترجمة الألمانية وللترجمة الصينية.

وبسؤاله عن مشاكل الترجمة، حيث إن بعض الأعمال المترجمة لا تكون بنفس الجودة الأدبية للعمل الأصلي، فقال مكاوي سعيد "لدينا مشكلة في الترجمات، وهي أن الترجمات الموجودة هي أكاديمية بشكل أساسي مثل ترجمات الجامعة الأمريكية، لكنها ليست ناشرًا تجاريًا، ومشكلة جودة الترجمة هي مشكلة يتحملها المترجم وليس المؤلف، ولكن المترجم الذي أتعامل معه شخص أمريكي عاش بمصر، قرأ الرواية وأعجبته فترجم منها فصلًا وقدّمه إلى الجامعة الأمريكية وتم قبوله، ثم جلسنا سويًا ووجدته خليطًا من جنسيات متعددة ويقوم بتدريس الشعر الفارسي بجامعة أكسفورد، وعاش خمس سنوات بمصر، ويتحدث العربية بشكل مذهل".

مكاوي سعيد: إبراهيم عيسى كاتب رواية مجتهد ولكن ليس روائيًا عظيمًا

السينما.. حلم لم يكتمل

لم يكمل مكاوي سعيد دراسته بمعهد السينما، كما عمل لفترات من حياته كمدير إنتاج، وعمل بشركات توزيع الفيديو، وعمل بالدبلجة الكرتونية، ولكنه يقول إن علاقاته بالمنتجين لم تكن جيدة، وكانوا دائمًا على خلاف، بالإضافة إلى سوء الحظ الغريب الذي واجه أعماله، فيذكر مكاوي سعيد أن الكاتب والسيناريست بلال فضل كان أول من حول رواية "تغريدة البجعة" إلى سيناريو سينمائي، تم الاتفاق مع شركة "جود نيوز" لإنتاجه، ثم عُرض فيلم "ليلة البيبي دول" من إنتاج الشركة في دور العرض، وتلقت الشركة خسارة فادحة وأفلست على إثرها، وبالتالي لم يُنتج الفيلم، بعد ذلك كتبت هالة خليل السيناريو وأرادت أن تقوم بإخراج العمل، وطلبت عمر الشريف لبطولة الفيلم، فطلب أجرًا كبيرًا رفع من ميزانية العمل، فتوقف مرة أخرى، ومن المفترض وجود أشخاص يعملون من أجل جلب تمويل سينمائي لـ"تغريدة البجعة" في الوقت الحالي.

اقرأ/ي أيضًا: عن رضوى عاشور وغرناطة وسيناء التي أعرفها

وبسؤال مكاوي سعيد عن بلال فضل وكونه كاتبًا جيدًا ولكنه سيناريست ضعيف وأعماله السينمائية تشير إلى ذلك، فأوضح أن بلال فضل يخضع للمعايير التجارية في النهاية، والنص الأدبي هو الذي يحكم على جودة العمل، وبلال تناول جزءًا هامًا من الرواية وبدأ منه الكتابة، وكان أمرًا مبشرًا.

ميزان مكاوي سعيد: الآراء السياسية مقابل جودة العمل الأدبي

يوجد عدد من الروائيين الجيدين ولكن آراءهم السياسية قد تكون مخزية للقارئ في بعض الأحيان، فهل تتدخل الآراء السياسية للكتاب في الحكم على أعمالهم، خاصة أن بعضهم يزج بميوله السياسية وأفكاره داخل أعماله الأدبية بشكل خفي، كإبراهيم عيسى الذي نلمس آراءه وتوجهاته من خلال كتاباته الأدبية في "مولانا" أو "مقتل الرجل الكبير" أو "دم الحسين"، أو علاء الأسواني في "نادي السيارات" أو "شيكاجو"، أو يوسف إدريس ويوسف السباعي من الجيل القديم، كمثال.

يقول مكاوي سعيد في هذا الصدد وتعليقًا على تلك الأسماء "إبراهيم عيسى هو كاتب رواية مجتهد ولكن ليس روائيًا عظيمًا، وسواء كان قريبًا من النظام أو معارضًا أو على مسافة محايدة، أنا لدي العمل وأحكم عليه بعيدًا عن شخص الكاتب وبغض النظر عن المواقف المختلفة، فيوسف السباعي كان محبًا لنظام عبد الناصر واستفاد من حكمه إلى أقصى درجة وتم استخدامه في الكتابات السياسية، وعلى الرغم من كوني لا أحب كتابات السباعي ولكن لا يمكن أن أنسى رواية "السقا مات"، ولكنني لن أقرأ "رد قلبي" فتلك من المنشورات الدعائية، وبعكس يوسف إدريس الذي كان محبًا لنظام عبد الناصر لكنه لم يستفد من حكمه، فأنا مغرم بكتابات يوسف إدريس، ولكن لا أحب له "العسكري الأسود" لأن بها روحًا انتقامية من أيدولوجيات اليسار، في النهاية كمتذوق وكقارئ يجب ألا اخلط الكتابات الأدبية الجيدة بتوجهات أصحابها السياسية".

كيف نحكم على العمل الجيد؟ وإلى أي مدرسة أدبية ينتمي مكاوي؟ هناك بعض الكتاب يفضّلون قوة الحدث على قوة اللغة، فتكون أحداث الرواية سريعة وجذّابة ولغة الرواية بسيطة، وآخرون يختارون قوة اللغة على حساب الأحداث، فلأي مدرسة ينتمي مكاوي سعيد؟ وكيف يحكم مكاوي على جودة عمل ما؟

يقول: "الرواية تعبر عن مجتمع كامل عبر جسر تعبر فوقه وهو اللغة، وتلك اللغة لا يجب أن تكون تزيينًا أو استعراضًا وفذلكة، فكتابة الرواية لا تعتمد على قوة اللغة بقدر ما تعتمد على قوة الحدث، فإن كنت ترى في نفسك مالكًا للغة جذّابة وقوية فلماذا تلجأ لفن الرواية؟ هناك فنون أدبية أخرى تناسب مثل هذه الموهبة، فلتتوجه إذًا لكتابة الشعر، أمّا الرواية فهي حياة بالكامل تتطلب أشخاصًا وأحداثًا وتفاعلات وصراعات وبناء درامي واضح، وفيما يخص الحكم على جودة الأعمال، فكان أستاذ السيناريو سِد فيلد يشاهد أول 10 دقائق من الفيلم، فإن أجبره على البقاء أكمله، وإن لم يجبره تركه وذهب، هكذا هو الأمر، أعط الكاتب فرصة للثلاثين صفحة الأولى مثلًا، فإن انجذبت للموضوع سأكمل، وإن لم أنجذب سأغلق الكتاب".

مكاوي سعيد: صعوبة النشر التي واجهت جيلنا لم تكن بالأمر السيئ تمامًا

"كل من هب ودب".. عن ظاهرة الكتابة الشبابية

خلقت سنوات الثورة الأخيرة مجموعة من الكتاب الشباب الجدد الذين لا يملكون الأدوات الكافية للكتابة، بالإضافة لدور النشر التي لا تُخضع الأعمال للحد الأدنى من المعايير الأدبية المطلوبة، رأى البعض هذه الظاهرة بشكل إيجابي كونها فتحت الأبواب ومساحات الحرية أمام الجيل القادم، بينما وجدها آخرون ظاهرة سيئة بل مُفسدة في بعض الأحيان، فماذا يرى مكاوي سعيد؟

اقرأ/ي أيضًا: إدوار الخراط.. سيرة انشقاق

"صعوبة النشر التي واجهت جيلنا لم تكن بالأمر السيئ تمامًا، بل أجد أننا كنا سعداء الحظ بسبب صعوبة النشر، فكان العمل الأدبي يعود إلى الكاتب مرات عديدة للتعديل والحذف والإضافة، ويأخذ العمل الأدبي سنوات حتى يصل إلى مرحلة النشر، وبالتالي كان هناك فرصة للتعديل والنضج الأدبي أمام الكاتب، أما الجيل الحالي فليس لديه هذه الفرصة، فمجرد ما انتهى الكاتب من عمله ولديه مبلغ بسيط من النقود يمكّنه من طباعه عمله، فيقوم بنشره وتوزيعه على المكتبات، وهذا الكاتب لا يفهم أن هذا الأمر سيئ جدًا في تاريخه الأدبي، لأنه في المستقبل عندما يراجع أعماله الأولى المنشورة، سيتمنى لو أنه أحرقها، كما أن تلك الأعمال تأخذ من رصيده لدى القرّاء، فالقارئ الذي يقرأ عملًا سيئًا لن يعود مرة أخرى لكاتبه، حتى وإن حاز على جائزة نوبل. مشكلة الكتاب الجدد أنهم سعداء بالجمهور الوهمي، وبأعداد المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، وبأن أعمالهم متاحة بصيغة PDF  لكل القرّاء، ولكني أجد أن القارئ الحقيقي هو الذي يذهب لشراء العمل، فهناك مكاتب إلكترونية بها آلاف الكتب ولا يقرأها أحد، وأعتقد أن الوقت كفيل لمعرفة الكاتب الحقيقي عن الكاتب المزعوم، فبعد الغلاء الكبير لأسعار وسائل الإنتاج الطباعي، لن تجد دور النشر رفاهية نشر أعمال غير ناجحة، ولن تغامر بنشر أية أعمال تُقدّم إليها على غير المستوى المطلوب".

 

اقرأ/ي أيضًا:

يوسف إدريس.. كاتب أم رجل دولة؟

هزيمتنا في الرواية المصرية