مقطع من

مقطع من "المتطوعون".. رواية مواسير سكلير

(Getty) مواسير سكلير

هذا مقطع من رواية "المتطوعون" للكاتب البرازيلي مواسير سكلير (1937-2011) ستنشر قريبًا عن دار "مسكيلياني" في تونس. 


على ضفاف الأنهار التي
 تجري في بابل وجدتُ نفسي
* كامويس

في ليلة من ليالي شهر كانون الأول من عام 1970، بدأ قارب سحب واسمه "المتطوعون" رحلته من رصيف الميناء في بورتو آليجري، متوجّهًا إلى ميناء حيفا. كان طاقمه مؤلفًا من: امرأة وأربعة رجال (أنا واحد منهم). وكانت مهمته: تتمثَّل في نقل رجل محتضر إلى مدينة أورشليم الأسطورية.

أظنُّ أن قصَّة هذه الرِّحلة يمكن أن تروى الآن. فأصحاب الشَّأن لم يعودوا هنا. وعلاوة على ذلك، أيُّ شيء يمكن القيام به في الحياة عدا رواية القصص؟ على الأقلّ، أنا لا أفعل شيئًا آخر، أقضي أيَّامي هنا في البار، متَّكئًا على النَّضد، أثرثر مع زبائني، وآكل. لا أهتم كثيرًا لهذا النَّوع من العمل، أشعر بأنني أزداد بُعدًا عن النَّضد، من ناحية، لأن بطني يزداد ضخامةً يومًا بعد يوم، أزنُ أكثر من مائة كيلوغرام. وزوجتي لا تكفُّ عن التَّذمر منِّي، تقول إنها لم تعد تستطيع أن تتحمَّل وزني، لكنه لا يزعجني. أحبُّ بطني هذا. فهو مكوَّر ومُشعر، عندما أكون في حوض الاستحمام، يبدو من خلال الماء الضَّارب إلى البياض كما لو أنه جزيرة مغطَّاة بخميلة. جزيرة لا ملَّاح سيرسو على شواطئها. إنها ليست موجودة على أيّ خريطة. ولكنها من ناحية ثانية، ليست جزيرة الكنز. هل تعرف القصّة؟ إنها من أعظم ما قرأت.

في الواقع، لطالما استمتعت برواية القصص وكتابتها. كانت المُدرِّسة التي درّستنا اللغة البرتغالية في المدرسة تقول إنّي موهوبٌ في رواية القصص، لطالما شجَّعتني على الكتابة كما شجَّعت باقي الطُّلاب. كانت مُدرّسة جيّدة. توفِّيت المسكينة قبل أن تراني خلف هذا النَّضد لحسن الحظ. في الواقع، لا أزال أتَّبع نصيحتها وأقرأ كثيرًا لكتَّاب عالميين وأجانب، أقرأ كلَّ شيء، أنا متحمسٌ للكتب، أستمتع بالقراءة كثيرًا فلا يمكنني إلا أن آتي على ذكرها في المحادثة.

لكن لا أستمتع بشيء آخر كما أستمتع برواية القصص. وتناول فطائر اللحم المقليَّة. أجهزتُ يوم أمس بسرعة على ثماني عشرة فطيرة من أصل أربعين واحدة صنعتها زوجتي. جُنَّ جنونها مني، تقول إنها تصنع فطائر اللحم للبيع، وليس لإطعامي. قلت لها، إنه خطؤك، لماذا تصنعين مثل هذه الفطائر اللذيذة؟ إنها متخصصة فيها. ليس هذا ما أمِلَت ماريا أميليا أن تحققه في الحياة، كان حلمها أن تصبح مغنية أوبرا. لكنها استكانت لقدرها، مدركةً أنه يستحيل الحصول على كل ما تريده. على أيّ حال، ظلَّت تغني وهي تحضِّر فطائر اللحم. تغني وتتجادل معي. زوجتي مفعمة بالحماس. أعيش بين المقلاة والنار. هذه حياة جيدة، أليست كذلك؟ بين المقلاة وبين النار.

مع ذلك زوجتي محقةٌ إلى حدٍّ ما باتِّهامها لي بأني لا أعتني بالعمل على نحو ملائم. لا تكفُّ عن القول، يمكننا إعادة ترتيب هذا المكان، حوِّل هذا البار القديم إلى مطعمٍ حديث، انظر إلى هؤلاء الفيتناميّين، إنهم يكسبون ثروة من بيع فطائر الجبن بالبيض، وفطائر الجبن دون بيض. أحبُّ البار كما هو، كما ورثته عن أبي. لكن عليَّ أن أعترف بأنها مُحقَّة: نحن لا نحظى بكثير من الزبائن، يبدو المكان متهالكًا. على سبيل المثال، يوجد سرب من الذُّباب. 

لفرط ما تأملته صرت أعرف كل ذبابة فيه. ولا سيما تلك الذبابة الكبيرة المُزرقَّة التي أثارت اهتمامي. مكانها المفضَّل المرآة. وهي تظن صورتها المنعكسة ذبابة أخرى، رفيقة مخلصة تتبعها في كل مكان. سَميتُ هذه السَّاذجة إلفيرا. ها هي هناك، انظر، هناك؟ تعالي، إلفيرا، تعالي هنا! ربما لا تسمعني. إنها متهوِّرة تمامًا.

كان الأمر مختلفًا في عهد والدي. في ذلك الحين كان يرتاد البار عدد كبير من الرُّواد الدائمين، لم تكن المرآة متقشِّرة كما هي الآن. كانت الأماكن نظيفة دومًا، ووالدي يطرد الذُّباب بما يشبه السّوط، وهو في الحقيقة شعار لزعيم إفريقي جلبه من الموزمبيق، حيث كان يخدم ضابطًا في الجيش البرتغالي الاستعماريّ. في واقع الحال، بعد المشاركة في الحرب الاستعمارية، كان مشمئزًا للغاية حتى أنَّه قرر مغادرة البرتغال. وجاء إلى البرازيل بعد زواجه بوقت قصير. وبدلًا من الذَّهاب إلى ريّو، المدينة التي فضّلها مواطنوه، جاء إلى بورتو آليجري.

وصل والدايَّ إلى هنا عام 1935. ترجّلًا من السَّفينة في ليلةٍ عاصفة، وكان النَّهر يندفع غاضبًا على أحجار الرصيف. ذهبا إلى فندقٍ قريب من محطة القطار، وهو فندق قديم استخدمت فيه حواجز خشبية لتقسيم الغرف. لم يتمكَّنا من النَّوم بسبب الجرذان التي كانت تعدو فوقهم في العِلّيّة، وبسبب التأوّهات والتنهّدات والقهقهات القادمة من الغرفة المجاورة لغرفتهما. وفوق ذلك كله، كان السَّقف يرشح بالماء، فتوجّب عليهما أن يحرّكا السَّرير باستمرار طوال الليل. ظلَّت أمي تقول، هذا فظيع، أريد أن أعود إلى البرتغال في الصَّباح. التزم والدي الصَّمت. لم يكن رجلًا يتراجع عن قراراته. كان مصمّمًا على البقاء والعيش في البرازيل، ليس ضروريًا أن يعيش في رفاه، لكن في يُسر. فجرًا توقف المطر وخرجا للنزهة على طريق كامينو نوفو. كان الناس في الشَّطر الأخير من الليل يغادرون الملاهي. نام سكِّير أو اثنان في العتبة. نساءٌ عبرنَ متعبات ومتثاءبات، زينتهنَّ ملطَّخة، فساتينهنَّ غير مرتَّبة. كان ذلك ما رأته أمي. وما رأته أثار سخطها.

شاهد أبي هذه المشاهد بنظرة مُغايرة. نعم رأى السَّكارى والمومسات. لكنه أيضًا رأى مدينة تستيقظ لملاقاة يوم العمل، مدينة توَّاقة للإنجاز والتَّقدم. رأى والدي النشَّاط المحموم والمتعجِّل، عربات الترام التي تفِدُ إلى وسط المدينة باستمرار، تتقيأ مئات المواطنين العاملين من بورتو آليجري: موظَّفين حكوميين يحملون الحقائب، موظفي المصارف، بائعات شابات يحثثن السَّير، يمشين وعيونهن ثابتة وأذرعهن مطوية على صدورهن.

كان بائعون متجوّلون يرتِّبون سلعهم، والمتاجر تفتح أبوابها: متاجر المواد الغذائية والأدوات المعدنية، متاجر الملابس الجاهزة والأحذية، كانت أبواب فولاذية ترفع، ومعاول وسراويل تحتية طويلة، معاطف صوفية وقمصان قصيرة الأكمام معروضة في الواجهات، ملقاة جميعها معًا بطريقة عشوائية، لكن بأسعار منافسة دومًا، مانيكانات بأنوف مسلوخة ابتسمن بثبات تحت القلنسوّات وقبَّعات رامينزوني، كان بائعون متثائبون منشغلين بوضع البقايا في سلال، على أطر من سقائف بالية، وتجّار يعلّقون ملابس زاهية الألوان، ظلَّت تخفق في نسيم الصباح مثل أعلام في الرّيح، بطبيعة الحال. مثل الرايات التي كان يحملها الصليبيون أمامهم إبَّان احتلال الأرض المقدسة.

مع ذلك، لم يلاحظ والدي نوعيَّة الملابس الرديئة، المصنوعة من صوف رديء. هو لم يعرف حينها أنه كان صوفًا منسوجًا من جَزَز الخراف المسروق، بالتأكيد أسوأ خراف ممكنة، النوع الذي يمكن للنسور المدَّربة من قبل صيادين ماكرين، نتفه ونقله عبر الهواء، خدعة بارعة ابتكرها اللصوص، أمر لم يكن والدي ليتخيله أبدًا لو لم يخبره به بعد سنوات البائع المتجول بيبلِس الذي كان يسكن المنطقة الحدودية في السابق. (لكن، قد يتساءل المرء، ألم تكن القصَّة برمتها مجرّد تلفيق من خيال بيبلس؟).

لم يرَ والدي المتاجر الصغيرة المتواضعة فقط، وإنّما أيضًا المباني التي لا تزال تكشف عن عظمة ماضيها. رأى الواجهات المزيَّنة بحبال الزهور والأشكال الحجرية، مبانٍ بحصون صغيرة تشبه القلاع. في ضوء ذلك الفجر، هنا في شارع فولانتاريوس دا باتريا، في هذا الشَّارع المسمَّى على اسم المتطوعين من أجل الوطن، أحسَّ والدي بجوٍّ غريب غامض. بينما صدمته من ناحية المصابيح الأمامية لسيارة فورد قديمة الطراز كأنها عينا وحش من عصور ما قبل التاريخ (وكثير من وحوش ما قبل التاريخ سكنت أحلام والدي، لا سيما في موزمبيق)، من ناحية ثانية، بدا مغريًا المقهى الذي كان المالك المبتسم السَّمين يفتح أبوابه للتوّ وشذا القهوة المخمَّرة ورائحة اللفائف المخبوزة الطازجة تفوح من الداخل، بدا أنه يذكّره بطفولته.

عرضت واجهات متاجر الخردوات أدوات من نوعية جيدة متينة. هو تمامًا ما يحتاجه الإنسان لكسب لقمة عيشه بشرف. وتعرَّف والدي في أصحاب متاجر البقالة، على مواطنيه. قرر أنه قد يؤسّس محلًاّ في مكان من هذه المنطقة كصاحب مطعم أو بار. وهكذا اشترى بمدّخراته هذا البار، "لوسيتينيا"، حيث لا أزال أعمل خلف النَّضد.

اقرأ/ي أيضًا:

يبابٌ تسقيهِ الغُربان

نكاية بالوجع