مقص الرقيب القروسطي يطال فرج الله الحلو!

مقص الرقيب القروسطي يطال فرج الله الحلو!

(Getty)

لا أحد يعرف لماذا قرر "ليبانون ديبايت" أن ينشر مقطعًا لفيديو مقتبس من مسرحية "لماذا رفض سرحان سرحان ما قاله الزعيم عن فرج الله الحلو في استريو 71" التي عُرضت في مسرح غلبنكيان -حرم الجامعة اللبنانية الأمريكية- في بيروت في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وأن يشهّر بها. تحرك بعدها المركز الكاثوليكي للإعلام لوقف هذا العمل.

المسرحية، إخراج لينا خوري، هي مسرحية اجتماعية سياسية هادفة ساخرة كتبها عصام محفوظ عام 1971. تطرح المسرحية سؤالين أساسيين. لماذا القتل وفي سبيل ماذا؟ كما تتناول موضوع النضال الفردي في القضية الفلسطينية. المسرحية المؤلفة من ثلاثة أجزاء، والتي تجري أحداثها في ملهى ليلي، يمثل فيه الساهرون قصص سرحان سرحان (وسامة العلي) الشاب الفلسطيني الذي اغتال السيناتور روبرت كنيدي في الذكرى الأولى للنكسة العربية في الخامس من حزيران/يونيو 1968 وذلك احتجاجًا على السياسات الأمريكية الموالية لإسرائيل.

أما أبطال المسرحية، فهم فرج الله الحلو (طارق تميم)، وهو الشيوعي اللبناني الذي تعرض لمحنة دامت لسنوات بسبب انفراده بالاعتراض على موافقة الاتحاد السوفيتي بتقسيم فلسطين، وأنطون سعادة (سامي حمدان)، مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي من ضمن مبادئه النضال من أجل القضية الفلسطينية. من الجدير بالذكر هنا أنه يصادف عرض المسرحية الذكرى العاشرة لرحيل الكاتب عصام معلوف.

الصحفية التي سمحت لنفسها بلعب دور المخبر تبدو وكأنها لم تفهم سياق المشهد الذي ظهر فيه الممثلون خلال قيامهم بقداس في الملهى الليلي، وأخذت الأخيرة المشهد بعيدًا عن سياقه رافعةً الصوت "للمراجع المعنية والدينية والوزارات المختصة" كما ذكرت في مقالها، ليتبعها بيان صادر عن "المركز الكاثوليكي للإعلام" أبرز ما جاء فيه :"إنّ "المركز الكاثوليكي للإعلام" وبعد اتصالات عديدة من المؤمنين استنكروا أشد الاستنكار هذه المشهديّة.

ومن منطلق تعاونه الدائم مع مكتب الإعلام والمطبوعات في مديرية الأمن العام اللبناني، قام مدير المركز الكاثوليكي الخوري عبده أبو كسم باتصالات مع المسؤولين عن مكتب الإعلام في الأمن العام وتمّ الاتفاق معهم على أن تتوقف هذه المسرحية وألا تُعرض في أي مكان مجددًا قبل الاطلاع عليها من قبل المركز الكاثوليكي والمسؤولين في مكتب الإعلام في الأمن العام الذين بلّغوه أنهم اتّخذوا قرارًا رسميًا بذلك واقتضى البيان". جاء ذلك البيان بتوقيع الخوري عبده أبو كسم بالاستناد إلى المادة التي نشرها الموقع.

اقرأ/ي أيضًا: الرقيب الطائفي يقتطع من قبور هذه الأرض

يلعب الإعلام هنا دورًا مناهضًا للحريات، ليصبح في المنزلة نفسها مع أجهزة الرقابة التي تحاول إحباط أي عمل فني أو أدبي. ومما لا يدعو للغرابة هو موافقة الأمن العام على منع عرض المسرحية مجددًا، سامحًا للأب عبده أبو كسم بممارسة سلطته الدينية كأداة قمع للحريات. من الجدير بالذكر هنا أيضًا، أن الأمن العام كان قد وافق على عرض المسرحية في البداية وقرار المنع أتى في الثامن من كانون الأول/ديسمبر أي بعد أسبوع تقريبًا من انتهاء العروض. أما التساؤل الآخر في هذا الشأن يتبلور في ردة الفعل على المسرحية الآن في حين أنها عرضت في السبعينيات ولم تلق اعتراضات كما الحال بعد إعادة عرضها.

شجّع المركز الكاثوليكي للإعلام على الرقابة في مؤتمر "الحريات الثقافية في المشرق العربي: بين الرقابة وآفاق الربيع" الذي نظّمه مركز "سكايز"

لأبو كسم في هذا السياق سجل حافل في فرض السلطة الدينية في أحداث عديدة كمنع الفيلم التركي "فتح 1435" من العرض في صالات السينما (2012) بحجة أن الفيلم "صور الكنيسة كمكان للفجور والعربدة" برأي كسم. كما وأن للإعلام أيضًا تجارب مماثلة في التحريض على الأعمال الفنية والاتخاذ من موضوع اللعب على الغرائز الدينية طريقة للحشد وتحقيق أهداف سياسية. ففي هذا السياق تناولت قناة الـotv في تقرير لها الكليب الذي أطلقته نايا على قناتها على يوتيوب في الثاني من تشرين الأوّل/أكتوبر الماضي، لأغنيتها المنفردة الجديدة "أنا بكيفي" (كلمات وألحان يوسف العماني، توزيع زيد نديم، إخراج ميشال تقلى) للعب على الغرائز الدينية للناس.

يبدأ التقرير بعرض الكليب مترافقًا مع صوت المعدّة: "حتى من ربها لم تخف نايا، بل على العكس تجرّأت وأهانت الصليب بطريقة غير مبررة في أغنيتها المصورة التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي." وظهر أبو كسم خلال التقرير الذي يمتد على دقيقتين في النشرة المسائية، حيث قال أبو كسم إنّ ما يظهر في الكليب هو "عهر وليس بفن"، كما وأشار في التقرير إلى أنه سيتخذ الإجراءات اللازمة مع الأمن العام اللبناني لإيقاف هذا الكليب ومنع عرضه. ولكن لحسن الحظ لم تنجح جهود القناة وأبو كسم في وقف عرض الكليب.

مواقف أبو كسم القمعية لا تتوقف على فرض سلطته الدينية بمنع كل ما يمس الديانة المسيحية برأيه، فيبدو الرجل حريصًا في مسيرته ضد الحريات. فقد شجّع الأخير على فرض الرقابة في مؤتمر "الحريات الثقافية في المشرق العربي: بين الرقابة وآفاق الربيع" الذي نظّمه مركز "سكايز" في السادس عشر من كانون الأول/ديسمبر عام 2011. كما أنه شدد على أن الأمن العام يطلب نصيحة المركز الكاثوليكي للإعلام قبل عرض أي عامل وليس العكس كما يشاع عن أن المركز يبحث عن الأعمال لمنع عرضها.

لا بد أن الدين وسلطة رجال الدين تغزو مجال الفن لإيقاف أي محاولة لإنتاج أعمال سينيمائية أو أدبية أو مسرحية، تحت شعار احترام المعتقدات الدينية وعدم المس بها. وأن بعض المواقع الإلكترونية التي تشحذ المشاهدات غير مدركة تمامًا للسياق، المشهد الذي اعتبرته "فضائحي بامتياز"، لا بل أخذته خارج السياق للقيام بسكوب من العيار الثقيل معنونةً :"بالفيديو.. مسرحية لبنانية تهين المسيحية" وبطلها ممثل معروف". وما أدراك ما تفعل المشاهدات.

اقرأ/ي أيضًا: الإعلام اللبناني يضرب مجددًا!