مقدونيا.. بوابة أوروبا المغلقة أمام السوريين

مقدونيا.. بوابة أوروبا المغلقة أمام السوريين

لاجئون سوريون (Getty)

في قصة غيفارا نبي مع عائلته، تشابهٌ كبير مع قصص آلاف العائلات السورية، التي وجدت نفسها وحيدًة في مواجهة الحدود المقدونية المغلقة في وجه اللاجئين السوريين والعراقيين منذ أيام. يروي أحد مؤسسي "تنسيقية التآخي الكردية" قصته منذ أن غادر مدينة غازي عينتاب التركية، بعد أن فقد الأمل في إيجاد عملٍ يساعده على استمرارية العيش في ظل الأوضاع المعيشية القاسية التي يواجهها السوريون.

 الثورة السورية استعادت زمنها السلمي على بوابة أوروبا، في مقدونيا، هتفوا لإسقاط النظام السوري، وأكدوا على وحدة الشعبين السوري والعراقي

وكما جميع اللاجئين الذي عبروا ما وراء البحار للوصول إلى القارة الأوروبية، بدأ نبي قصته بالتواصل مع مجموعة من المهربين عبر سماسرة، يكونون صلة الوصل بين المهرب والمهاجر، واستقر قرارهم في النهاية على أحد المهربين، وتم الاتفاق معه على مبلغ 1250 يورو، شرط أن تكون وسيلة الوصول عن طريق "يخت"، وعند الوصول إلى نقطة الانطلاق، التي نقلوا إليها بوسيلة نقل، بالكاد كانت تتسع لنصف العدد البالغ 22 شخصًا، تفاجؤوا بأن ما ينتظرهم كان "قارب صيد صغير، مصنوع من الفيبر، يبلغ 4 أمتار فقط"، ولولا هدوء البحر لما كانوا قرروا المضي قدمًا نحو المجهول اليوناني.

اقرأ/ي أيضًا: سوريا..هدنة الحوادث الفردية

بعد أن تعطل معهم المركب أربع مرات متتالية وهم لم يتجاوزوا الأربعمائة متر، ومحاولة سائق المركب الذي كان من المفروض أن يصل معهم إلى اليونان العودة إلى الشواطئ التركية، ألغى جميع الركاب الاتفاق المبرم مع المهرب، وعادوا إلى الشواطئ التركية، ليجدوا الشرطة التركية التي قامت باعتقالهم مع خمسة مهربين.

بقي نبي مع عائلته وباقي أفراد المجموعة التي كان فيها عراقيان اثنان، احتجزا خمسة أيام في أحد مراكز الحجز التركية في أزمير، المدينة التي تعتبر مسار أكثر من 70% من المهاجرين غير الشرعيين إلى أوروبا، وتمت مصادرة كامل الأجهزة والوثائق الشخصية والمبالغ المالية التي كانوا يحملونها، في اليوم الخامس أفرج عنهم بعد أن تعهدوا بالعودة إلى إسطنبول، وقام الأمن التركي بقطع التذاكر على نفقة المحتجزين ليتأكد من نواياهم الحسنة في سبيل العدول عن فكرة الهجرة بشكل غير شرعي إلى أوروبا.

بين إسطنبول وأزمير، والبحث عن مهرب آخر، وانتظار هدوء البحر، يكون قد مضى على رحلة نبي مع عائلته في سبيل الوصول إلى أوروبا ما يقارب 15 يومًا، وفي النهاية وصلوا عبر أحد القوارب المطاطية إلى السواحل اليونانية، بعد أن اكتشفوا أن فكرة اليخت مجرد كذبة اعتاد المهربون على ترويجها بين عملائهم.

الرحلة التي وصل فيها نبي إلى جزيرة كيوس اليونانية، كانت مؤلفة من 36 شخصًا وسبعة أطفال معظمهم من عرب أو أكراد سوريون، واستغرقت 45 دقيقة من الزمن. عندما وصلوا إلى الجزيرة اليونانية، وجدوا الصليب الأحمر بانتظارهم بعد أن علموا بوصول لاجئين جدد، وقدموا لهم الطعام والإسعافات الأولية، أحضروا لهم حافلة كبيرة لنقلهم إلى مركز اللجوء في الجزيرة، طبعًا أجرة النقل كانت على نفقة اللاجئين الشخصية، في المركز سجلت أسمائهم، ومنحوا وثيقة لاجئ، ثم قاموا بعد يومين بنقلهم إلى العاصمة اليونانية أثينا، مقابل مبلغ 45 يورو أجرة للشخص الواحد.

استغرق الوصول إلى أثينا سبع ساعات، حيث عملوا على تكوين مجموعة واستقلوا حافلة إلى الحدود المقدونية، مقابل 50 يورو، مرةً ثانية، أجرة للشخص الواحد. أوقفت الحافلة في منتصف الطريق من قبل الشرطة اليونانية، وجرى نقلهم إلى ثكنة عسكرية تم تحويلها إلى مركز لجوء مؤقت، حيثُ بقوا ثلاثة أيام، ثم قامت الشرطة اليونانية بنقلهم إلى مركز لجوء آخر بالقرب من الحدود المقدونية مسافة 60 كم.

اقرأ/ي أيضًا: رسميًا..المغرب يعلق علاقاته مع الاتحاد الأوروبي

على الحدود المقدونية، انتظر نبي وعائلته إلى جانب أكثر من ستة آلاف لاجئ، كانوا قد سبقوهم إلى بوابة الجنة الأوروبية قرارًا يسمح لهم بالمضي قدمًا إلى إحدى دول الأمان المتعددة. إلا أن ما حصل معهم، كان عكس التوقعات التي تسوقها الأمم المتحدة، والدول التي تدعي إنقاذ السوريين، منذ ما يقارب الثلاثة عشر يومًا، ونبي ينتظر مع عائلته السماح لهم بالعبور عبر مقدونيا إلى ألمانيا حيثُ وجهتهم الأخيرة.

أعداد الهاربين من حمى الحروب تزداد والعدد وصل إلى أكثر من تسعة آلاف لاجئ، ينتظرون السماح لهم بالعبور من أوروبا الشرقية إلى أوروبا الصناعية

أعداد اللاجئين الهاربين من حمى الحروب تزداد يومًا إثر يوم، والعدد وصل إلى أكثر من تسعة آلاف لاجئ، ينتظرون السماح لهم بالعبور من أوروبا الشرقية إلى أوروبا الصناعية، أو إلى بلاد أرباب الرأسمالية المتطورة، الخيم أصبحت ممتلئة على أخرها، البرد القارس يحول الأطفال إلى قطعٍ متجمدة، الأمطار تهطل، الوسائد ووسائل التدفئة القطنية التي يلتحف بها المهاجرين أصبحت مليئة بالماء، الصليب الأحمر والـ UN، لا يستطيعون تلبية متطلبات الأعداد الهائلة التي تنتظر مصيرًا مجهولًا على بوابة الحلم الأخير.

لم يصمت اللاجئين السوريين والعراقيين، والمهاجرين من جنسيات مختلفة أمام القرارات الأخيرة، وقرروا الدفاع عن حقهم في الحياة التي سلبت منهم، نفذوا العديد من الاعتصامات والحملات، كان عنوان أحدها "لا نريد طعامكم... فقط نريد العبور"، الثورة السورية استعادت زمنها السلمي على بوابة القارة العجوز، هتفوا لإسقاط النظام السوري، وأكدوا على وحدة الشعبين السوري والعراقي، الذين باتوا في نظر العالم كاملًا، مجرد اختصار لمثلث الموت الداعشي، هناك أفغانستان أيضًا، أول المراحل الإسلاموية بشكلها المهذب.

الشرطة المقدونية ردت بالمثل، تعاملت مع اللاجئين مثلما تعاملت الأنظمة العربية مع شعوبها المنتفضة، لكن بطريقة أكثر رقيًا، استخدمت معهم القنابل الصوتية، والغازات المسيلة للدموع، النساء والأطفال، المراهقين وكبار السن، وحتى الفتية وقعوا على الأرض مغميًا عليهم من حجم الرائحة، اللاجئين الباحثين عن حياة مستقرة باتوا في خطر قرارات الدول الصديقة، وكم هو كبير حجم الصداقة التي تكنها لنا الدول الكبرى.

الأمن المقدوني يشدد على عبور السوريين والعراقيين فقط، دون السماح لباقي اللاجئين من باقي الدول المتراجعة اقتصاديًا وسياسيًا، يدققون في الوثائق الشخصية "الهوية، جواز السفر"، ولا يؤكدون مصداقية "دفتر العائلة، ودفتر الخدمة الإلزامية"، الجميع يلتحف السماء والأرض، الغيوم والأشجار، وعينه على الأسلاك الشائكة التي يفكر في اختراقها، حتى لو دفع حياته كاملًة ثمنًا لذلك.

وكما جميع القصص والحكايات السردية، يبقى دائمًا جانبٌ مضحكٌ منها، والمتمثل بإجابة النقطة القانونية للأمم المتحدة عند سؤالهم عن مصير من لا يحملون وثائق قانونية تثبت أنهم سوريون، فأجابتهم بأن قضية عبور الحدود المقدونية إلى أوروبا يخضع لمزاجية الحكومة المقدونية، نافية وجود أي تنسيق مع الأخيرة، ليبقى اللاجئين الذي وصلوا سالمين محط تجاذبات سياسية، لم تتفق الدول العظمى على إيجاد حلٍ لها، ويبدو أن ذلك سيستمر طويلًا، وسيدفع ثمنه الهاريون من جحيم الحروب.

اقرأي/ي أيضًا:

ليبيا على مفترق طرق تأخر اعتماد الحكومة

طرد عكاشة من البرلمان وألعاب مقاومة التطبيع